ثقافة المقال

أفقد القدرة على الكتابة

وليد بركسية

لا أستطيع الكتابة كما أريد، أفكر بالكلمات وأرددها بين شفتي ولا أقوى على تحويلها إلى حروف متراصفة على شاشتي حاسوبي المحمول، أشعر بأصابعي تتحجر رغم أصالة كل ما أفكر به، أتوه في الأفكار متناسياً دورة حياتها القصيرة وأنا أبتسم ببلاهة قطة تجلس تحت الشمس، متخيلاً نجاحات عظيمة تلمع بتتال لا نهائي أمامي.
تنحرف أفكاري الخرقاء عن مسارها نحو شتات البلاهة الذهنية المتراكمة، أنا كاتب كسول جداً، مخطط روايتي الأولى التي لم تنشر بعد – وربما لن تنشر أبداً – استغرق أكثر من 7 سنوات كاملة لإنجازه، أعود لحالتي اليائسة الآن، أقول لنفسي أنه الحر فقط ما يمنعني عن الكتابة، لا يمكنني الكتابة في هكذا قيظ تجاوز حدود المنطق البشري والمتيافيزيقي، كل شيء فيّ ينصهر ويسيل مع عرقي الوافر بينما أفكاري تتبخر في سحابات غازية كثيفة نحو عدم في بعد آخر لترقص بفجور واستهتار أمام إله افتراضي ما، هو مجرد عذر سخيف لتفادي كلمة الفشل في نهاية الأمر، لكن ها أنا ذا أقولها أيضاً دون مواربة، لا يمكنني الهرب من الحقيقة طويلاً.
في حياة أغاثا كريستي نقطة تحولت فيها من مجرد كاتبة هاوية إلى امرأة تحترف الكتابة كمهنة، عندها بدأت تكتب كل يوم بانتظام حتى لو لم تكن كلماتها متناسقة وحتى لو لم تكن في المزاج الملائم للكتابة، ربما كانت الظروف تدفعها بذلك الاتجاه، ربما نشرت روايتها الأولى بعدما رفضتها 6 دور نشر كاملة. مازلت حتى اللحظة كائناً مزاجياً وبت أكره ذلك بطريقة أو بأخرى، أنا مجرد كاتب هاو آخر يعزي نفسه بالتوافه كي يخدع نفسه، ترعبني الفكرة وأوقفها قبل أن تتمدد ككارثة لا يمكن احتواؤها داخل حواف جمجمتي، أخشى أن أعترف أني قد أكون أحد أنصاف الموهوبين، أتقزم نصفياً مرة بعد مرة وأستقر في قحف دماغي الأجوف كي لا أرى نفسي بتلك الصورة المخجلة بحق كائن متبجح مثلي.
أغار من عشرات الكتاب الذين أقرأ لهم، هي الحالة الجديدة التي باتت تنتابني مع كل كتاب جيد تتلقفه يداي من حين إلى آخر، ربما يلعب المكان دوراً في كل هذا البؤس المرتبط بالكتابة، ربما هي بيروت التي لا أطيق الاستمرار في رؤيتها يوماً إضافياً آخر، لا يمكنني الكتابة بحرية وأنا مقيد بالواجبات اليومية المزعجة التي لا نفع منها أو التفاصيل الطارئة التي تنبثق من تلقاء نفسها كالكهرباء التي لا يمكن التنبؤ بمسار محدد لها أو المياه التي تتسرب من المكيف أو المكيف نفسه الذي لا يعمل بالجودة ذاتها طوال ساعات النهار بسبب مسار الكهرباء غريب الأطوار.
كتاب بول أوستر الأخير الذي أنهيته قبل قليل “ليلة التنبؤ”، يدور حول كاتب يعود للكتابة بعد مرض طويل، يكتب أوستر رواية داخل رواية، والرواية الداخلية التي يكتبها الكاتب الافتراضي تدور حول رواية مفقودة لكاتبة شهيرة في محاولة لاستنساخ تجربة روائية قديمة بأسلوب معاصر، يكتب أوستر في مكتب ما تماماً كحالة بطل روايته سد، لا يوجد عندي سوى أريكة كريهة الرائحة مهزوزة القوائم، أريد مكتباً أنيقاً أنا الأخر حيث يمكنني الالتزام بفكرة الكتابة، ربما يجدر بي الانتقال إلى منزل آخر، جربت ذلك مرة ولم تسر الأمور كما ينبغي وعدت إلى ذات المكان الكريه، أفقد الرغبة في المقاومة مثلما فقدتها في الانتظار والترقب أيضاً.
أفكر بأعزائي بول أوستر وأغاثا كريستي وسلمان رشدي وكنوت هامسون وفيرجينيا وولف وهمنغواي وديكنز وهم ينظرون إلي باستخفاف ويقهقهون بشكل جماعي فاضح كمجرمين مهووسين عبر أبعاد الزمان والمكان، أدير لهم ظهري وأغلق أذني بيدي وأركض مرتبطاً بحواف جمجمتي الداخلية، بينما تمسك يداي الفعليتان برأسي الذي يعتصرني من الألم، وأقضي على كل شي بعد قليل بحبتي مسكن خفيف أزدردهما على عجل بحثاً عن شيء من الراحة المصطنعة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق