قراءات ودراسات

الدراما والمحاكاة

د. سناء شعلان

لقد ولد الإنسان مقلداً كما يقول أرسطو، وهو يقلّد من وجهة نظر أرسطو أيضاً؛ لأنّه يجد لذة في المحاكاة، يقول أرسطو “الملحمة والمأساة، بل والملهاة والديثرمبوس وجلّ صناعة العزف بالنادي والقيثارة، هي كلّها أنواع من المحاكاة([1])([2]). ويعود أرسطو ليرى أنّ الفنون السابقة تتحقق بواسطة الايقاع واللغة والانسجام مجتمعة معاً أو متفرّقة، بينما الصناعات الأخرى تحاكي الألوان أو الرّسوم أو الأصوات . لذلك يفرق أرسطو بين المحكيات وفقا لاختلاف وسائل المحاكاة([3])، كما أنّ المحاكاة تختلف وفق الموضوعات والطريقة… في مجموعها، لكنّها فيما بينها، تختلف على أنحاء ثلاثة؛ لأنها تُحاكي إمّا بوسائل مختلفة، أو موضوعات متباينة، أو بأسلوب متمايز لهذا قال أرسطـو عن بعض أعمال هوميروس. وسوفوكليس “إنّ مؤلفاتهم (درامات)؛ لأنّها تحاكي أشخاصاً يعملون ويفعلون”([4]). والمحاكاة مدخلنا الأول إلى الدرامى، فالإنسان يجد لذة في المحاكاة. والفارق في هذا بين إنسان وآخر فارق في الكم، وليس فارق في الكيف، والأب الذي يزحف على أربعة ليمكن طفله الصغير من امتطاء ظهره يقلد بهذا حيواناً ما، وهو في نفس الوقت يستمد من اللذة بقدر ما يستمد صغيره.

ولا بد أنّ البداية الأولى للدّراما نشأت عن هذا الميل الغريزي للمحاكاة عند الإنسان، والصورة التقليدية التي يسوقها النّقاد ومؤرخو المسرح تمثل أسرة بدائية تأكل من الطعام الذي أحضره الأب البدائي بعد رحلة صراع مع الحيوان ومطاردة درامية طويلة، وهذا الأب يروي الأحداث التي مرّ فيها في هذا الصراع من أجل اصطياد الفريسة من خلال حركات جسمانية وأصوات تسترجع ذلك الصراع ” وهو صراع غير متكافئ من ناحية، ولا يصوّر صراعاً بين إرادتين من ناحية أخرى، ثم إنّ عنصر التعمّد أو القصد فيه غير متوفّر، فرجل الكهف يخرج ليصطاد أيّ شيء يقتات به هو وأسرته، قد يكون أيّ غزال أو سمكة أو أرنب، ثم أنه صراع بين إنسان له إرادة وطرف آخر ليست له إرادة”([5]).

فعبد العزيز حمودة يقول “لم يكن صراع الإنسان البدائي صراعاً درامياً ؛ لأنّه لم يكن صراعاً بين إرادتين، وبنفس الطّريقة فإن الصّراع الدّرامي بصفة عامة لا يعني صراعاً بدنياً؛ لأنّ عنصر الإرادة يكون عادة غير موجود”([6]).

ولفظة دراما تشير في أصلها اليوناني إلى الشّيء الذي يُؤدّي أو يُعرض أو يُقدّم. فالدراما معناها الفعل في اللغة اليونانية، ولغة الدراما هي لغة السّلوك، وقد اشتقت من كلمة (درامينون)، اليونانية ومعناها عمل شيء؛ ومن هنا كان الحدث هو عصب الدراما، ومن هنا كانت طبيعة الحدث هي المدخل الأول للدراسة هذا الشكل الفني.

والعمل المقصود هنا هو (التمثيل المسرحي)، فأشلى ديوكس يقول: “الدراما والمسرح شيئان ينبغي أن يكونا شيئاً واحداً، ووحدتهما هي واجب كلّ مسرحي يدرك رسالته حقاً”.([7]) “والدراما التي لا حيـاة فيها، والتي لا تعدو أن تكون حديثاً من أحاديث الحياة الجارية، تشبه المسرح الذي لا حياة فيه، حيث يقتصر الممثلون على أداء الحركات المألوفة في كلّ يوم، ولكن الدراما التي تنبض بالحياة، وليدة العقل والعاطفة والخيال، هي التي تتطلب المسرح الحي الذي يستطيع أن يعبّر وأن يمثّل”([8]).

فالدراما لا مناص لتكاملها من عنصر العمل، وفي ذلك تقول (مارجواي بولتون): “المسرحية ليست في الحقيقة قطعة من الأدب للقراءة، وإنّما المسرحية ذات خصائص ثلاث: فهي أدب يمشي، ويتكلّم أمام أبصارنا”([9]).

وهـذا التكلّم الذي يجسد الفعل هو الذي يبني الحركة الدرامية التي يعرّفها س. و. داوس: “بسلسلة المواقف التي تستولي على انتباهنا، وكلّ موقف ينشأ عمّا سبقه، مثيراً فينا المزيد من التّغير حتى نهاية الحركة التي يصفها جونسن بأنّها (نهاية التوقّع)”([10]).

فالحركة الدرامية تأسيساً على ذلك هي متوالية الأفعال المسرحية التي من شأنها أن تحوّل اللغة المكتوبة إلى لغة مرئية منطوقة ومؤدّاة، بحيث تعطيها معناها الصحيح في الزمان والمكان اللذين يصبح الممثل والمشاهد شركاً فيهما.

فالبناء الدرامي في العمل “([11]) يعني كيفية خلق العلاقات الحتمية بين الأحداث بعضها البعض حتى تشكّل في مجموعها نمطاً واحداً متسقاً، فالبناء هو إضفاء الوحدة على الأحداث المتتالية من خلال إيجلد علاقات حتمية بينها”. وتنبع وحدة الحدث الدرامي عادة من الموضوعات والأفكار والشخصيات والعلاقات المنطقية أو السببية بين تفاصيل الحدث. والمبدأ الذي يحكم البناء الدرامي عادة هو ترتيب الأحداث بطريقة لها منطقها الداخلي، أيّ بواسطة مبدأ السّبب والنتيجة، ولا يهم هنا أن يكون منطق ترتيب الأحداث في المسرحية هو نفس منطق الحياة.

وبناء على كل ما سبق من ربط الدّراما بالحدث والصّراع وما ينشَأ عنهما من تطوّر فعلي ضمن بؤرتي الزمن والمكان يقول مارتن أسلن: “ليست الدراما مجرد شكل من الأدب مع أن الكلمات المستعملة في مسرحية ما، حين تكون مكتوبة يمكن أن نعتبرها أدباً، إن ما يجعل الدراما دراما على وجه الدقة، هو العنصر الذي يمثل خارج الكلمات ويتخطّاها، ذلك العنصر الذي ينبغي أن يُرى ويُشاهد بصفته فعلاً في حيز التّمثيل أو أنّه قد تمثل إبتغاء إضفاء معنى على مفهوم الكاتب بعينه “([12]). واعتماداً على كلّ ما سبق يهمنا تأكيد حقيقتين أساسيتين الأولى: إنّ الدراما فن أدائي في المقام الأول، والثانية: إنّ الصّراع يمثّل العامود الفقري في البناء لدرامي، فبدونه لا قيمة للحدث أو لا وجود للحدث.([13])

“والحدث بوصفه موقفاً يحتوي بطبيعته على عناصر الصّراع، ويتطوّر بواسطة الحبكة والفعل ورد الفعل وتصارع الإرادة إلى ذروة معينة، لا ينفصل عن الشخصية. فالشخصية هي صانعة الحدث، وبذلك تكون الشخصية والحدث شيء واحد”([14]).

وبذلك نخلص إلى أنّ الدراما ([15])اصطلاح يطلق بشكل عام على أيّ موقف أدبي ينطوي على صراع، ويتضمن دراسةً له عن طريق افتراض وجود شخصين على الأقل. كما أنّ الدراما تُعدّ شكلاً من أشكال الفن القائم على تصوّر الفنان لقصة تدور حول:

أ- شخصيات تتورط في أحداث معينة.

ب- تحكي نفسها عن طريق الحوار المتبادل بين الشخصيات .

ج- تتضمّن لحظات صمت خالية من الحوار، ولكنّها مشحونة بالفعل أو بالأفعال.

ويحلو للبعض أن يرى أن الدراما أنواعا منها:

1- الدّرامـا الطقسية: هي مبدأ طقس من طقوس الدين، إذ إنّ العبادة المسيحية دراما في جوهرها.

2- الدّرامـا التسجيلية: وهي شكل درامي يقوم على تسجيل الحقائق.

3- الدّرامـا البرجوازية: هي التي يتم فيها إدخال العنصر الواقعي في الحدث الدّرامي وتحطيمه لمواصفات البطل للاشتراطات المحددة حتى تغير شكل الدراما ومضمونها، وأصبحت تعرف باسم الدّراما الحديثة.

4- درامـا اللامعقول: هي التعبير عن الرّؤيا بأفضل ما يستطيع المرء معرفته وبوسائله المختلفة، وهي صورة تبحث عن الماضي البشري، وهي نوع من الاختزال الفكري لنمط معقد من التّشابه في هذا العصر المعقد.

5- الدّرامـا المقرؤة: وتطلق على مجموعة من المآسي الشعرية التي كتبها شيلي وبابروف وغيرهم، ولكنّها ظلت تقرأ دون تمثيل على خشبة المسرح.

الهوامش:



[1] ) نشيد يتغنى به في أعياد باخوس، إله الخمر .

[2] ) أرسطو طاليس –  فن الشعر . ص 40.

[3] ) يعني : الإيقاع، واللحن، والوزن.

[4] ) أرسطو طاليس ـ فن الشعر . ص 10.

[5] ) عبد العزيز حمودة ـ البناء الدرامي ـط1 – قبلته الأنجلو المصرية . القاهرة . ص 112.

[6] ) المرجع نفسه . ص 114 .

[7] ) أشلى ديوكس ـ الدراما، ترجمة محمد خيري، ط1 . عالم المكتبة ـ القاهرة، ص 2.

[8] ) نفسه، ص3.

[9] ) وليد منير ـ جدلية اللغة والحدث في الدراما  الشعرية العربية الحديثة، ط1، الهيئة المصرية للكاتب، القاهرة . 1997، ص 15.

[10] ) المرجع نفسه . ص 16.

[11] ) سمير سرحان ـ مبادىء علم الدراما ، ط1 منشورات مركز الشارقة للإبداع الفكري، الشارقة، 1990، ص 47 .

[12] ) مارتن أسلن ـ تشريح الدراما، ترجمة يوسف ثروت،ط2 مكتبة النهضة، بغداد، 1984، ص 12 .

[13] ) عبد العزيز حمودة ـ البناء الدرامي ـ مرجع سابق . ص 118.

[14] ) سمير سرحان ـ مبادىء علم الدراما، مرجع سابق . ص 30.

[15] ) أنظر :جبار عوده العبدي وصلاح مهدي القصب – مدخل في الدراما وتدرجّها التاريخي، ط11، دار الفتح، بغداد 1992، ص ص ( 15 – 16 ).

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق