قراءات ودراسات

موقع الهزيمة في روايات غسان كنفاني

د . محمد أيوب

تشكل الهزيمة في روايات غسان كنفاني هاجسا مزعجا لكل فلسطيني ولكل عربي، وهي ذات أبعاد متعددة، أو هي هزيمة متعددة الأضلاع، فقد يفهم البعض أن الهزيمة تقتصر على ميادين القتال، والحقيقة أن الهزيمة في أعمال غسان أعمق وأكثر مأساوية من الهزيمة العسكرية، فقد هزم الفلسطيني نفسيا وإنسانيا واجتماعيا حين خسر كرامته ورجولته عندما أخرج من الوطن، وحين قبل أن يقاتل الآخرون نيابة عنه، أما الذين قاتلوا أو أصروا على القتال فقد استشهدوا أو اقتلعت رجولتهم، كما حدث مع أبي الخيزران الذي فقد القدرة على معاشرة النساء بعد أن أصيب بين فخذيه…

كما هزم (سعيد .س) نفسيا بعد أن قرر أن يزور حيفا بحثا عن ابنه خلدون، وكم كانت صدمته شديدة حين قذف (دوف = خلدون) بالحقيقة البشعة كلمات تلسع سمعه ووجدانه حين تساءل: كيف يترك الوالدان طفلهما ابن الشهور الخمسة دون أن يحاولا استرداده أو البحث عنه طيلة عشرين عاما؟ وكيف قبلوا أن يغادروا حيفا ولم يتشبثوا ببيوتهم؟ وأمام الحاجة والعوز الاقتصادي هزم الفلسطيني نفسيا واجتماعيا حين اضطر إلى البحث عن العمل في الدول العربية التي لم تكن تسمح له بالتنقل بحرية عبر الحدود؛ مما أجبره على محاولة دخول الكويت في صهريج ماء في عز الصيف! وقد خسر الثلاثة الذين دخلوا الصهريج حياتهم، هنا تمتزج الهزيمة الوطنية بالهزيمة القومية والتمزق العربي بسبب الحدود المصطنعة.

في قصة رجال في الشمس يطلب مختار القرية من الأستاذ سليم أن يؤمهم في الصلاة، يعتذر الأستاذ سليم بأنه لا يعرف كيفية تأدية الصلاة، وأنه مدرس وليس إماما، ولما حاول المختار إحراجه قال إنه يجيد إطلاق الرصاص وأنهم سيجدونه حين يحتاجون إليه إذا ما نشب القتال، ترى هل انتصر الأستاذ سليم فكريا على المختار؟ وهل اقتنع المختار بطرح الأستاذ سليم؟ ولعل موت الأستاذ سليم قبل يوم واحد من اجتياح القرية قد أراحه من تذوق طعم الهزيمة العسكرية.

جرحت كرامة مروان عندما صفعه الرجل السمين “المهرب” بعدما هدده مروان  بأن يشكوه إلى الشرطة، ولعل الرجال الثلاثة: أبو القيس ومروان وأسعد، كانوا يتوجسون من الموت في حر الصحراء “ص 132 من رواية رجال في الشمس، الأعمال الكاملة”، ولما تأخر أبو الخيزران بسبب مماحكة الشرطي (أبو باقر) السمجة، اختنق الرجال الثلاثة، وحين اكتشف أبو الخيزران موتهم قرر إلقاءهم على طريق مكب النفايات، وانحصر جل همه في سلب نقودهم بعد موتهم، ولكن صحوة مفاجئة، ربما بسبب الندم أو تأنيب الضمير، جعلته يصيح: “لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟” هذا النداء يعبر عن هزيمة الإرادة وربما عن عدم الرغبة في الحياة في مثل هذه الظروف المذلة والقاهرة، فقد كان الرجال الثلاثة سلبيون تماما مثلهم في ذلك مثل أمتهم العربية وبقية أبناء شعبهم، ولعل غسان يرمز بموت الرجال الثلاثة إلى موت حالة التردد والقبول بالمذلة والمهانة من أجل الحصول على المال أو حتى على لقمة العيش.

في رواية ما تبقى لكم يهزم الإنسان في شرفه وكرامته، فقد حملت مريم شقيقة حامد سفاحا  من زكريا الذي كاد أن يشي بأحد المناضلين، ولعل هزيمة حامد في شرفه تقترن بهزيمة الشعب حين خسر الأرض، فالفلسطينيون يربطون بين الأرض والعرض، فقد اغتصبت الأرض كما اغتصبت مريم، ولكن الأرض لم تحمل سفاحا كما حملت مريم، وبدلا من أن يثأر حامد لكرامته يقرر التسلل عبر الحدود من غزة إلى الأردن من أجل اللحاق بأمه، وفي طريقه يواجه جنديا إسرائيليا تائها فيجرده من سلاحه الرشاش ويقذف به بعيدا في الظلام، بينما احتفظ بسكين الجندي، ولكن المواجهة لم تحسم  وكأن في ذلك إشارة إلى استمرار حالة الصراع دون أن يحسم أي من الطرفين هذا الصراع لصالحه، بينما استطاعت مريم أن تحسم صراعها النفسي بأن تثأر لكرامتها حين طعنت زكريا بالسكين، ولعل ما قامت به مريم يؤكد أنه لا بد من نهاية دامية للصراع، وأن الحوار والنقاش أو حتى المفاوضات لا يمكن أن تحسم الصراع إيجابيا ولن تقدم حلا عادلا للقضية الفلسطينية في ظل غياب توازن القوى بين طرفي الصراع، وفي ظل غياب مقاومة فلسطينية موحدة وقادرة على فهم جدلية الواقع والتصدي للسلبيات الحاضرة المتمثلة في استمرار حالة الانقسام، وقد أشار حامد إلى ذلك في قوله: ” أليس من المثير حقا أن نلتقي في هذا الخلاء مباشرة بالشكل الذي حصل، ثم لا نستطيع أن نتحدث؟ ” ” رواية ما تبقى لكم ص 208، الأعمال الكاملة”، وفي ذلك إشارة إلى غياب حالة التوازن بين الطرفين، حامد الأعزل والجندي المسلح بمدفع رشاش وسكين، وحين مال ميزان القوى لصالح حامد رفض الأخير استغلال تفوقه على الجندي بعد أن انتزع سلاحه منه، ولعل مرد ذلك يعود إلى فكرة الفروسية العربية، فالفارس العربي لا يهاجم شخصا أعزلا، ولعل ما قاله حامد يؤكد ما ذهبت إليه، حيث يعتقد حامد أن الزمن والمسافة المكانية يعملان لصالحه، لأن الجندي أقرب إلى نصل سكين حامد من قرب حامد من فوهات بنادق الجنود الذين يبحثون عن الجندي التائه، أعتقد أن في ذلك إشارة إلى أن الدعم العربي، حين يجد الجد، سيكون أقرب من الدعم الغربي إذا تغيرت أحوال العرب.

في رواية أم سعد، تبدو الهزيمة كارثية ومريعة، فقد اختفت أم سعد منذ تفجر القتال، وعندما عادت كانت كأنها تعود على إيقاع الهزيمة، فقد قاتل الجنود  العرب من أجلها، وحين خسروا خسرت مرتين “أم سعد ص 24، الأعمال الكاملة”، تقول أم سعد:

” بدأت الحرب بالراديو وانتهت بالراديو، ص25 “، لقد شكلت هزيمة حزيران صدمة كبرى للفلسطينيين والعرب الذين عاشوا على أمل استرداد فلسطين، وأولئك الذي رأوا في النظام الناصري طوق نجاة، ولم يدرك الفلسطينيون حجم المؤامرة إلا بعد الهزيمة التي اغتالت الأمل بعد أن اغتيل الوطن وطردهم منه عنوة، فقد حمل الوطن اسما آخر، وكأن غسان يقارن بين تغيير اسم خلدون إلى دوف وتغيير اسم فلسطين إلى إسرائيل، ولعله يريد أن يقول لنا إن فلسطين تتنكر لأبنائها الذين لم يدافعوا عنها، كما تنكر خلدون لوالديه اعتقادا منه أن الأبوة لا تعني أبوة الدم فقط، وأن الانتماء الحقيقي للوطن لا يعني الهرب والرضى بالحياة المهينة في الشتات، لأن الأرض لا يحرثها سوى عجولها.

ومن حسن حظ غسان أنه لم يشاهد ما جرى في حزيران عام 2007م ، تماما مثلما نجا الأستاذ سليم  من مشاهدة سقوط القرية التي عمل معلما فيها.

ولعل رواية أم سعد تشكل محاولة جادة لتجاوز واقع الهزيمة من خلال اللجوء إلى الفعل الحقيقي دون انتظار موافقة الآخرين، فقد تشكلت كتائب المقاومة وانطلق العمل الفدائي، وكما برعم عرق العنب الجاف تبرعمت الإرادة الفلسطينية وأطلقت المقاومة من عقالها، ولكن الكوابح كانت لها بالمرصاد، فقد حاول عبد المولى المتعامل مع الإسرائليين قبل وبعد عام 1948م، والذي أصبح عضوا في البرلمان، أن يضع العقبات أمام المقاومة، ولما اشتد عود المقاومة لم يجد أمامه سوى مغادرة قريته إلى غير رجعة.

إن رواية أم سعد تشكل بارقة أمل في تجاوز واقع الهزيمة وانبعاث إرادة الرفض والمقاومة وإرادة الحياة من الجذور الضاربة في الأرض حتى يتبرعم الأمل عن مستقبل أفضل، ومهما كانت العقبات، ومهما حاول المعرقلون: محليا وعربيا ودوليا: عرقلة مسيرة العدل والحق؛ فإن السلام قادم لا محالة، إذا تسلحنا بالإرادة الواعية التي تستطيع قراءة جدلية الواقع قراءة صحيحة، وإذا أعدنا النظر في أساليب تربيتنا الكسيحة لأبنائنا عماد مستقبلنا. ملاحظة: قدمت هذه القراءة في يوم 8/7/2010م، في الذكرى الثامنة والثلاثين لاستشهاد الكاتب المناضل غسان كنفاني، وقد بدأت هذه القراءة بتحية الحضور بالكلمات التالية:

السلام عليكم والسلام لكم، السلام لنا جميعا، والسلام لروح غسان التي ترفرف فوقنا في هذه اللحظات، والسلام لكل شعوب الأرض المحبة للسلام.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق