قراءات ودراسات

عبد القادر الجزائري وإشكالية الآخر في كتاب الأمير لواسيني الأعرج

د. ماجدة حمود *

تساءلت حين قرأت رواية واسيني الأعرج “كتاب الأمير” عبد القادر الجزائري، هل يحق لخيال الروائي العبث بما يشكل خصوصية الشخصية؟ هل يحق له انتزاعها من سياقها الثقافي، كي يرسمها وفق صورة تسعى لإرضاء رغباته، فتخضع الشخصية لأفكاره، وتبدو غريبة عما يمنحها تميّزها؟  هل إلغاء الصراع الفكري بين الأنا والآخر المستعمر في الرواية التاريخية يمنحها مصداقية؟ لماذا اختفى الحوار مع الآخر المخالف للأمير؟ لماذا سلّط الضوء على أصدقاء الأمير من الفرنسيين؟ لِمَ بدا لنا الحوار لقاء انتفت فيه حدة صراع دام خمسة عشر عاما؟…

هل تكفي الوثيقة التاريخية وقليل من التخييل لتجسيد شخصية كانت مؤثرة في زمنها ومازالت؟ أليس التحدي الأكبر أمام الروائي هو كيف يتمكن من تقديم روحها ونبضها وأحلامها وأفكارها الخاصة بها والمستقلة عنه؟ أليست اللغة إحدى التحديات التي تواجه الروائي كي يجسد شخصية مستقلة عنه؟ أليس من أصعب الأمور إنطاق الشخصية بلغة تتناسب وسياقها الثقافي والتاريخي؟ أ لا تقاس مقدرة الروائي بتقديم شخصيات تخالف رؤاه، فيمنحها حرية التعبير واستقلالية الفكر بمعزل عنه؟

هل يكفي أن تطلعنا الرواية التاريخية على تصرفات المستعمر الوحشية؟ لماذا سعى الروائي إلى تجنب  تقديم العالم الداخلي للشخصية التاريخية في أغلب الأحيان؟ لماذا حرص على إطلاع المتلقي على الأفكار والمشاعر التي تعتلج في أعماق الآخر الصديق لا العدو؟ كيف تكون الشخصية التاريخية ابنة زمانها وأفكارها دون أن نعزلها عن هموم عصرنا، فتبدو مستقلة دون أن تعاني غربة عنا؟

إن المتلقي لرواية كتاب الأمير يحس باحتفال الكاتب بالآخر الفرنسي على حساب الذات!! ترى ما السبب؟ هل هو انعكاس للانبهار بهذا الآخر؟

هل يحق للروائي تجميل صورة المستعمر؟ هل يحق له أن يركز الضوء على جانبه الإنساني له حتى إنه يكاد يغفل جانبه العدائي له؟  ألا نفتقد عندئذ تعدد الأصوات في الرواية، فنفتقد بذلك إحدى أهم التقنيات التي تمنح الرواية جمالياتها؟ هنا نتساءل: لماذا سيطر صوت واحد (المسالم والمتسامح والخير…) وأُغفل الصوت المعتدي الذي أصرّ على البقاء في الجزائر مئة وثلاثين سنة، ولم يخرج منها إلا بالثورة والدم!؟  للإجابة عن هذه التساؤلات، سأتناول ما يلي:

الآخر المضمر:

نقصد بمصطلح “الآخر المضمر” المتلقي القابع في لا وعي المؤلف أثناء الكتابة، والذي يملك القوة والهيمنة، مثلما يملك الجوائز والمكافآت ووسائل الإعلام وإمكانات الترجمة! لهذا بدا لنا الروائي معنيا بمجاملة هذا المتلقي الفرنسي، فركّز على صوت واحد للآخر الفرنسي (المسالم والمتسامح) لعله يمحو ذكريات حرب أليمة استمرت أكثر من مئة عام! ويؤسس لعليوماقة ودية بيننا وبين الآخر، بتنا اليوم أحوج ما نكون إليها!  ثمة غاية نبيلة نلمسها في الرواية وهي الرغبة في المصالحة بين الأنا والآخر المستعمر! وقد ساعدت شخصية الأمير عبد القادر الجزائري الروائي، بما تمتعت به من صفات أصيلة قوامها الروح الصوفية، التي تميّزت بالتسامح والانفتاح على الإنسان أيا كان، حتى وجدنا الراهب يصفه بأنه كان في كل معاركه مهموما بـ” مصلحة الإنسان.” حتى بات قدوة للآخر الفرنسي، يقول الطبيب والمترجم بواسوني، الذي عمل مترجما لدى الأمير أثناء إقامته في فرنسا، وقرر مرافقته حين فُك أسره، لهذا يخاطبه: “يوم صممت على مرافقتك أنا وعائلتي لم يكن في ذهني إلا شيء واحد، هو أن أبقى وفيا لمثل أعلى في الحياة أنتم تمثلونه أحسن تمثيل، لا أريد من الحرب التي خضناها أن تجعل الحياة باردة في أعيننا.”(1) ثمة رغبة لدى الروائي في تخفيف العداء بيننا وبين الآخر المستعمر، وهذا من حقه، وهنا نلمس رغبة مشروعة لديه في أن لا يكون للماضي دور في إثارة حقدنا على الآخر بعد زوال ظاهرة الاستعمار! إن ما نأخذه على الروائي المبالغة في اللغة المستسلمة التي تلغي حق الجزائريين في الحرية، وتساوي بين الضحية والجلاد، فمثلا قال له لويس نابليون حين أهداه سيفا قبل مغادرته الأراضي الفرنسية: “أنا أعرف أنك لن تستله في وجه فرنسا.

فردّ الأمير:_لم أعد ممن يلتجئون إلى الأسلحة، سأدعو في صلواتي لسموكم ولبلادكم العظيمة خيرا وهداية، أما ما يحدث هناك في تلك الأرض الطيبة، الله وحده يعرف سرّ عواقب الأشياء، أتمنى خيرا فقط للكل.”(2)

أ يمكن لمن قاتل الاستعمار خمسة عشر عاما أن يتحدث بمثل هذه اللغة المستسلمة، صحيح أن الأمير لم يعد يستطيع القتال بالسلاح، لكن  ألا يؤمن بحق بلده في الحرية، أ يمكن أن يسكت في مثل هذه المناسبة عن الدفاع عن حق شعبه في الحرية، أو على الأقل أن ينتهزها فرصة ليتحدث عن الظلم الذي يتعرض له!؟ ثم أ ليس من حق الشخصية المناضلة أن تتحدث بينها وبين نفسها، إن لم تستطع الحديث علنا عما يقهرها بعد أن انتصرت قوة المستعمر، فتبيّن وجهة نظرها في السلام والحرب، وفي الظلم والعدل؟!المؤسف أن مثل هذا الحديث قد ألغي فأصاب الشخصية التاريخية بنوع من الهشاشة! إذ أراد لها المؤلف أن تجسد دورا واحدا، يعجب الآخر، لذلك حاول أن يقلّص صوت الأمير (المجاهد) ويبهت ملامح صراعه مع المستعمر، وينأى ببطله عن اللغة الدينية، التي تشكل دافعا يحمّسه للمواجهة، ويكسب صوته خصوصية! لكن الغريب أن المؤلف سلط الضوء السردي على فترة جهاده في الجزائر، لا فترة تصوفه في الشام!

أعتقد أن لزمن كتابة  هذه الرواية (إثر أحداث الحادي عشر من أيلول 2001) أثرا  في رسم ملامح شخصية الأمير! والتركيز على الجانب المسالم والمنفتح لدى الأمير، إذ عاش المؤلف أصداء هذه الأحداث أثناء الكتابة، فقد شوّه الآخر صورة العرب فكان على المثقف أن يعلن بأن لدى المسلمين وجها آخر غير العدوان! فهم مثلهم مثل غيرهم من الأمم ينقسمون إلى قسمين، الأول منفتح على الإنسان يقدس الحياة أيا كانت، يتبع الآية الكريمة “من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا.”(3)! والثاني ظلامي منغلق على فكرة العداء للآخر والرغبة في التخلص منه!

لهذا لن نستغرب أن يسقط المؤلف على الشخصية الروائية (الأمير) أفكاراً راودته في تلك الفترة، حتى وجدناه يعاتب نائبه على قتله للأسرى بلغة تكاد تكون لغة المؤلف: “ها قد عدنا لإسلام لا يعرف إلا الحرق والتدمير والقتل والإبادة والغنيمة، كما ألصقت هذه الصورة بنا، لقد أمضيت كل سنوات الحرب أثبت للآخرين بأننا نحارب، ولكن لنا مروءة ورجولة، لقد دفعنا أعدانا لتقليدنا…”(4)

ترى هل يمكن لفقيه في الدين أن يلصق بالإسلام الحرق والتدمير والقتل والإبادة والغنيمة؟ لو ألصق هذه الصفات السلبية بالمسلمين لعذرناه، فقد تمت تشويه تعاليم الإسلام السمحة، وما تزال، على أيدي كثير منهم! ومما يثبت أن هذه هي لغة المؤلف استخدامه جملة ترددت كثيرا إثر أحداث أيلول (كما ألصقت هذه الصورة بنا)

طغت لغة المؤلف على الشخصية، فأُهملت اللغة الخاصة بالأمير، وهي تلك اللغة التي تتناسب مع السياق التاريخي والديني الذي نشأت فيه! فهي شخصية متدينة تتبع تعاليم دينها في الجهاد وفي التعامل مع الأسرى! في حين وجدنا المؤلف يعنى بلغة الراهب حتى ليبدو لنا مطلعا على الدين الإسلامي، فيحاور الأمير على أساسه! “في أي شيء …يفيدك في حربك على الذين احتلوا أرضك قتل هؤلاء الأبرياء؟ وأعرف أن دينك يمنعك من قتل النفس إلا بالحق..”(5)

أعتقد أن المرجعية الدينية إحدى أهم العوامل التي تمنح خصوصية لشخصية الأمير، لكن المؤلف حاول تجنبها قدر الإمكان!! فحرم الشخصية مما يشكل هويتها وإحدى دوافع جهادها ضد المحتل! فبدت لنا شبيهة بمؤلفها الذي يعيش تحت وطأة المعنى السلبي للجهاد، الذي أسس له الغرب إثر أحداث الحادي عشر من أيلول، فصار قرينا للإرهاب! لهذا أقصى لغة الأمير عن المرجعية الدينية، فبدت دنيوية أكثر منها دينية! بل حاول أن يجنب بطله (الأمير) استخدام مفردة الجهاد، مع أن السياق التاريخي والثقافي يوحي لنا بأن الشخصية عاشت هذا المفهوم بأقصى أبعاده!! فمثلا يبيّن المؤلف أسباب قتاله الأعداء حتى اللحظة الأخيرة “كي لا أحمل دينا على ظهري تجاه شعبي، ولا يشتمني من يأتي بعدي.”(6)

إذاً يبيّن سبب استمراره في مواجهة الأعداء بعيدا عن مفهوم الجهاد الذي كان أحد دوافعه لقتالهم باعتقادنا! كأن الأمير مهموم بتخلّيص ضميره من اللوم الشعبي في الحاضر والمستقبل!

نلاحظ هنا كيف بذل المؤلف جهده ليختار مفردة أخرى تعبر عن الجهاد، وتساعده في الوقت نفسه على التخلص من الدلالة الدينية لها، لعله لا يستفّز المتلقي المضمر (الغربي) فتمكن من إقصاء هذه المفردة عن لغة الشخصية، مع أنها في أمس الحاجة إليها، حين تتوجه إلى جندها كي تقنعهم بضرورة الاستمرار في قتال المستعمر “كان من واجبي أن أفي بما قطعته على نفسي أمامكم، حتى لا يتهمني أي مسلم بأني تخليت عما وعدت به لنصرة القضية الكبرى…”(7) فاستعاض عن مفردة الجهاد بمصطلح أكثر حيادية وابتعادا عن المرجعية الدينية هو مصطلح “القضية الكبرى” بل وجدنا المؤلف يسعى إلى تجنب استخدام كل اشتقاقات الجهاد، ففي مشهد يريد فيه أن يبث الحماسة في جنده، نجده يخاطبهم بـ”المسلمين الصالحين” عوضا عن “المجاهدين”!!! “إن ما أطالب به يمثل ما يلزمكم به شرع النبي، وما يجب تقديمه كمسلمين صالحين، وهو بين يدي أمانة مقدسة لنصرة الإيمان والحق.”(8)

ما يلفت النظر هنا استخدامه لفظة لا يمكن أن تصدر عن متدين حقيقي (شرع النبي) فالشرع ينسب لله، هنا نجد تأثر المؤلف الواضح بلغة المستشرقين!

وحين يضطر لاستخدام مفردة الجهاد نجده يستبدلها بلفظة أكثر حداثة هي “المقاومة” (شاع استخدامها بعد نكبة 1948) وبذلك ينفي اللغة التي تتلاءم مع شخصية الأمير ويستخدم لغة بعيدة عن سياقها التاريخي “لا حل، إما قبول المهانة والموت وإما المقاومة، قد لا ننتصر في حروبنا القادمة، ولكن على الأقل نكون قد أدينا ما أمرنا به ربنا…”(9)

كأن الروائي يخاف استخدام لفظة (الجهاد) التي باتت اليوم تقترن بمصطلح (الإرهاب) لدى المتلقي الغربي!! فيتكرر في الرواية تجنبه لها، ليستخدم (محاربة) وهي مفردة مسلوخة عن سياقها الديني “يجب أن يعرف الناس أن محاربة الغزاة والكفار يرضي النفس والله، يجب أن نجازي من يبذل النفس والنفيس في نصرته للحق.”(10) المدهش هنا أن الأمير يخاطب الناس المؤمنين بلغة تبتعد عن مرجعيتهم الدينية التي تربوا عليها، فصارت تشكل وجدانهم، أي صلب شخصيتهم، فسلخ الشخصية من جماليات لغتها، فلا تنطق بما يبث الحماسة فيهم!

ولو عدنا إلى المذكرات التي تركها الأمير للاحظنا أن اللغة الدينية تشكل ركنا أساسيا من مرجعيته الثقافية والوجدانية والتربوية، ومع أن هذه المذكرات كتبت في ديار الأعداء الذين بات أسيرا لهم، ومن الواجب أن يتخفف منها، لكنه يعبر صراحة عن خصوصيته في مواجهة العدو “إنني أجاهد عن ديني وعن بلادي…”(11)(ص190)

وللأمانة العلمية لا نستطيع أن نقول بأن المؤلف استبعد لفظة الجهاد بشكل نهائي، بل وجدناه يستخدم هذه اللفظة ولكن في سياق يوحي بدلالة سلبية للمفردة، إذ يتذمر الأمير قائلا: “الكل يصرخ بالجهاد وأنا أعرف سلفا، عندما تتكلم المدافع والبارود سينسى الكثير منهم تعهداته…”(12)

يتحول، هنا، مدلول الجهاد ذي الوهج الديني والالتزام الأخلاقي، الذي يصل إلى درجة بذل أغلى ما يملكه الإنسان، إلى مدلول نقيض (نسيان وعدم وفاء وغدر)

يتكرر هذا السياق السلبي للجهاد في الرواية، فقد وجدنا الراوي يجعل هذه المفردة أشبه بمهمة دنيوية ثقيلة يتهرب منها الجزائريون، فتلحق بهذه اللفظة دلالة سلبية (التعب منها وطلب الإعفاء من مهمتها) فـ”السنة التي قضاها الأمير بعيدا عن الدائرة بين القبائل وسكان الجنوب، أكدت له ما كان يخشاه، تعب الناس ومشقتهم وعدم استعدادهم لخوض الجهاد…طلبوا منه وترجوه أن يعفيهم من مهمة الجهاد.”(13)

رغم السياق السلبي هنا، لكن من الممكن أن نتفهم تعب الناس، خاصة بعد أن حوصر الأمير وجنده من قبل حاكم المغرب والفرنسيين! لكن ما لا يمكن أن نتفهمه هو الابتعاد عن روح الشخصية والعصر الذي تعيش فيه، فيبدو خيار الجهاد مفروضا على الأمير، ولم يختره بملء إرادته، مع أنه لم ينقطع عن قتال الأعداء خمسة عشر عاما، أليس غريبا أن ينطق بلغة مسلوبة الإرادة أثناء حديثه عن هم مصيري وهبه حياته وشبابه!!؟ “العرب مصممون على الجهاد، ولا يمكنني إلا أن أكون بجانب الذين بايعوني في هذا المنصب…”(14)

أليس  غريبا أن يبدو لنا الأمير أشبه بمحلل محايد لمعنى الجهاد “إن الحرب قاسية وأن الجهاد لا معنى له إذا لم يضمن حداً أدنى من غريزة البقاء، ليس للأفراد فقط، لكن للأرض والتراب…”(15) فقد انتزع المؤلف لغة الشخصية من روحها وتفردها، أي من سياقها الديني والتاريخي وأغرقها بسياق دنيوي، قد يكون موجودا، لكن ليس هو الأساس في الصراع مع المستعمر! لهذا نلمس رغبة واسيني الأعرج في نفي هذه الشخصية عن مرجعيات أساسية شكلت بنيتها الفكرية والروحية!

ومما يؤكد هذا الرأي أن المؤلف يحرص على أن يتجنب الأمير استخدام أية مفردة ذات دلالة دينية على صلة بمفهوم الجهاد، لذلك لم يستخدم مفردة (الشهادة)  أثناء سرد الأمير معاناته وجنده لصديقه الراهب “ماذا بقي لي سوى ستمئة من الخيالة مصممة على الذهاب معي إلى أقصى الدرجات، إلى الموت؟”(16)

قد يرد علينا بأن الأمير يسرد ما حدث لصديقه، وليس مضطرا لاستخدام مفردة تميّز مرجعيته الدينية أمامه، لكننا لاحظنا الأمير يستخدم مفردة (الموت) عوضا عن الشهادة وهو يتحدى القائد بيجو “نحن مستعدون للموت مؤمنين إذا اقتضى الأمر.”(17)ص181

لكن الأكثر غرابة أن يتجنب الأمير استخدام مفردة الشهادة وهو يخاطب جنده، فإذا كنا نلتمس له العذر حين يتجنبها أثناء مخاطبة عدوه، فإننا لن نستطيع ذلك حين خاطب جنده “قد تكون حربنا خاسرة، وقد نموت، ونفقد الكثيرين…”

إن ما يلفت النظر هو تجنب استخدام هذه اللغة الدينية بينه وبين نفسه، بعد أن تعب أتباعه، واقترحوا عليه الاستسلام فقال “أنا مشيت في طريق من سلكه سار فيه حتى منتهاه.”(18) مع أن السياق يوحي بكلمة (سار فيه حتى الشهادة) فهذه المفردة أثر مواءمة لروح الشخصية وفكرها!

يهيمن المؤلف على لغة الاعتراف، التي تختلج في أعماق الأمير، فلا تلفت منه لغة اللا شعور، التي من المعروف أنها تنطلق بعيدا عن القيود التي يضعها الآخرون، لتفصح عن أعماقها بكل حرية، فلو تأملنا لغة الاسترجاع والتذكر لبدت لنا محكومة بقبضة لا تتناسب وسياقها الداخلي، فمثلا حين تذكر الأمير معاناة جنده من هجوم مفاجئ، فرأى “الأدخنة المتصاعدة وصرخات الأطفال والنساء الذين فوجئوا في غفوتهم، ورأى بألم كبير الثلاثمئة فارس الذين ارتموا بقوة في أتون النار، وهم يعرفون أنهم سيموتون…”(19)

قام المؤلف ، وهو يجسد مجزرة وحشية ارتكبها المستعمر، بانتزاع الدلالة الوحيدة التي يجد فيها الجزائري عزاءه، فألغى لفظة الشهادة التي تتبادر إلى ذهنه! وذكر لفظة الموت في لحظة أحاط به الظلم والظلام، وسُدّت أمامه كل المنافذ! قد يقول المؤلف  بأنه يريد أن يظهر حيادته وموضوعيته في تقديم شخصية أحاطت بها القداسة، وهذا من حقه، لكن لا أعتقد أن من حقه نزع هذه الشخصية من مرجعياتها التي بنت عليها حياتها وأفعالها ودوافعها في مواجهة المستعمر بحماسة وصبر! ليس من حق المؤلف أن ينتزع لغتها الخاصة ويفرض عليها لغته ذات الدلالات الحديثة، أي ذات المرجعية الغربية  (خاصة تلك التي شاعت في وصف الأعمال الاستشهادية للمقاومة الإسلامية) فينطق المجاهد المسلم بلغة بعيدة عن زمنه وعن روحه، فيجعله يستخدم مصطلح غربي (عمل انتحاري) ضد المستعمر الفرنسي، وقد تكرر هذا المصطلح على لسان الأمير ونائبه (التهامي) مع أنه لا يعقل أن يستخدمه مؤمن، فما بالكم بمجاهد يقدس الشهادة ويرفض الانتحار! فمثلا حين ينتاب التهامي اليأس بعد أن اشتد الحصار على جيش الأمير من قبل الفرنسيين وملك المغرب، فنجده يتخيل الأمير “يحشو سلاحه في لحظة يأس ويذهب لوحده، رافضا أية مساعدة باتجاه بوجو في عمل انتحاري.”(20)

نتساءل: هل يمكن لابن التهامي (الفقيه) أن يستخدم مصلحا غربيا، لا يتناسب مع بنية الشخصية المؤمنة (سواء التي تتخيل أو التي يقع عليها فعل التخيل) مثلما لا يتناسب مع بيئة متدينة تجاهد دفاعا عن أرضها وكرامتها!

لا يكتفي بإنطاق الشخصية المفردة بهذه اللغة الغريبة عنها، بل نجده يسقط هذه اللغة على جماعة المجاهدين، التي تمتلك ثقافة إسلامية متميزة، لهذا شاركت الأمير في جهاده وفي خيار الرحيل إلى الشرق، ورفض الإقامة في فرنسا مهما تكن المغريات! لذلك لن نستغرب حديث الأمير عنها (مع صديقه الراهب) بصيغة الجمع، فتتحد معاناته الخاصة بمعاناتها، لكن ما يدهش هو إسقاط لغة المؤلف على لغة الجماعة مثلما أسقطها على لغة الفرد “فكرنا يوما بالانتحار الجماعي على الرغم من أن الله لا يحب ذلك.”(21)

ينتـزع المؤلف الجماعة من مرجعيتها الدينية التي تشكل صلب حياتها، فيلغي لغة الإيمان بالله، فكأنه يلغي قيما ترشده في حياته، وتعزّز صموده في وجه عقباتها، إذ يهمل شأن قيمة الصبر لدى المسلم، التي تقوي الإنسان من الداخل وتساعده على مقاومة المتاعب، وتبعث فيه الأمل بحياة أفضل!

إذاً يمكننا القول بأن المؤلف لم يستطع التخلص من رؤيته المادية للحياة، والإصغاء للمكونات الخاصة الشخصية، والتي تعيش وفق رؤية نقيضة له، لذلك كان من الطبيعي إهمال الرؤية الروحية، الأمر الذي استدعى  إهمال اللغة المميزة التي ينطق بها الأمير وجماعته!

ومما يعزّز هذا الرأي أننا وجدنا المؤلف أثناء مشهد حواري بين الراهب والأمير، ينطق هذا الأخير بفكرة لا يمكن أن تطرأ على ذهن متصوف نشأ في بيئة إسلامية، إذ من الواضح أنها وجهة نظر المؤلف أسقطها على لسان الأمير حين يقول “في كل الأديان شيء من التطرف، يؤدي إلى هلاكها.”(22) هل يمكن لمن عاش رسالة الدين السمحة في حربه وسلمه أن يقول بتطرف الأديان؟

وحين عدنا إلى مذكرات الأمير معنيا بتقارب الأديان، حتى إنه حاور النصارى ، ليؤسس تقاربا بينهم وبين المسلمين استنادا إلى القرآن الكريم “لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك أن بأن منهم قسيسين ورهبانا، وأنهم لا يستكبرون.”(23)

وعلى نقيض المؤلف نجد الفرنسي (برونو إيتيين) قد انتبه إلى المرجعية الدينية السمحة التي تربى عليها الأمير، وشكلت انفتاحه “أدرك الأمير في خضم آلامه في المنفى أن السياسة تضيّق المدى الكوني، أما القداسة، فهي بالعكس تزيده سعة وبراحا.”(24)

طبعا من حق الروائي أن يضيف على ملامح الشخصية من خياله، بما يتناسب ونسقها الثقافي والتاريخي، فيعتني بلغتها، كي لا تبدو غريبة عن بنيتها الفكرية والروحية!

لعل واسيني الأعرج يتخيل الشخصية وفق رغبة الآخر ومرجعيته، فيمسخ ملامحها الأساسية، ويفصّلها انطلاقا من رغبته في إرضاء المتلقي الغربي الذي غالبا ما يرفض الدين، ويرى فيه أحد أسباب الصراع في العالم!!

المدهش أن تشكل هذه المرجعية الغربية للروائي مرجعية تخييلية، فقد شبّه وجه الأمير المتعب الذي يعلوه الاصفرار بـ”وجه كاهن مسيحي.”(25)

ثمة رغبة، قد تكون لا واعية، لدى الروائي في رسم صورة للأمير ترضي المتلقي المضمر (الغربي) الذي يمسك بمفاصل الحياة الاقتصادية والثقافية والسياسية…الخ، فينطق الشخصية بلغة لا تتناسب مع تاريخها النضالي، لذلك لم يستخدم الأمير لغة دينية تحرض على الجهاد، مع أنها تتناسب وخصوصية الشخصية، التي قاتلت الأعداء انطلاقا من مرجعية دينية، لكن ما يثير الانتباه أن المؤلف أنطق الشخصية بهذه اللغة في مواقف حياتية أخرى لا علاقة لها بالجهاد، “ليتحمل كل واحد مسؤوليته أمام نفسه وأمام الله، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.”(26)

نلاحظ أن المؤلف سلط الأضواء على فترة أسر الأمير أكثر من فترة جهاده! وهذا حقه، لكن لا أدري لِمَ بدا لنا الأمير رجل حرب مع القبائل العربية؟ ورجل سلم مع الفرنسيين؟

هل يمكن أن تكون الشخصية موزعة بين الحرب والسلام بهذه الطريقة؟ أين المبادئ الأساسية التي تكوّن ملامح الشخصية، وبنيتها الفكرية والروحية؟ هل يمكن للأمير أن يستقوي أمام الضعيف، ويضعف أمام القوي؟ أ يمكن أن يحتاج إلى فرض قوته أمام القريب ولا يحتاجها أمام الغريب؟ يخاطب نائبه “من مصلحتنا ألا نكون البادئين في الاعتداء، وخرق المعاهدة….والحرب مع الفرنسيين تقود إلى تدمير ما بنيناه، مع محمد الصغير لها معنى آخر، نحتاج إلى فرض قوانا، وإلا ذهبت أخبارنا مع الريح.”(27)

وحين يكون هناك روايتان لحادثة تاريخية واحدة (كحادثة نصره على التيجاني في عين ماضي) نجد المؤلف يركز الأضواء على تلك التي توحي بتقليد الأمير لفرنسا في سياسة الأرض المحروقة! فقد أعطى الأمير أوامره للفيالق الأولى “فبدأت بحرق كل شيء، المساكن الفارغة والحدائق وحقول القمح والتبن والخيام والمطامير.”(28)

لو عدنا إلى بعض كتب التاريخ (29) لوجدناها تؤكد أن الأمير لم يمارس سياسة الأرض المحروقة، مما يعني انسجام الأمير مع ثقافته الإسلامية، التي تحرّم على المسلم أن يقتل حيوانا أو يقتلع شجرة! وقد رأيناه في كتابه “المقراض الحاد …” يقول: “وكان عليه الصلاة والسلام إذا بعث جيشا أو سرية يقول لهم: اغزوا باسم الله ولا تمثلوا ولا تقتلوا امرأة ولا صبيا، وأوصى أبو بكر (رض) معاوية بن أبي سفيان لما أرسله إلى الشام أن لا يقتل امرأة ولا صبيا ولا هرما، ولا يقطع شجرا مثمرا ولا يخرّبن عامرا.”(30)

هنا نتساءل: هل يحق للروائي أن ينتقي من الأحداث التاريخية لصالح رؤية فكرية يتبناها، وتهيمن عليه؟ أين الاهتمام بالمتلقي، الذي أحس بتناقض الشخصية مع مبادئ آمنت بها، فباتت غريبة عن مرجعيتها التي تربت عليها وأخلصت لها كل حياتها!؟ ربما يريد المؤلف أن يقدم شخصيته بعيداً عن القداسة، فيبين أنها ارتكب بعض الأخطاء، وهذا حقه! ولكن ألا يفترض أن يكون الروائي، كما يقول د. فيصل دراج مصححا لـبعض معارف المؤرخ(31) بما يمتلكه من حس مرهف ووعي ومعرفة وعمق!أ لا يتيح الفن الروائي التعمق في وجدان الشخصية والاطلاع على أعماقها، أي حقيقتها الإنسانية، أين الصراع الداخلي الذي من المؤكد أنها عانته حين أجبرتها ظروف الحرب على خيانة بعض القيم الإسلامية، التي تربت عليها! لعل إنسانية الشخصية تبدو في معاناتها الداخلية حين تبتعد عن عالم المثل، وتضطرها قسوة الحرب لسلوك طريق بعيد عن طموحاتها وتوجهاتها! طبعا يصح هذا إذا تبنينا الرأي القائل باتباع الأمير سياسة الأرض المحروقة فيما يتعلق بأعدائه الجزائرين!!!!

وهكذا بدا لنا الآخر المضمر، بما يمثله من مرجعية فكرية وروحية وجمالية، حاضرا في لا وعي المؤلف، حتى إنه شوّه ملامح شخصية الأمير، باعتقادنا، وأبعدها عن سياقها التاريخي والثقافي، الذي يشكل الدين أبرز معالمه، إرضاء للآخر المضمر، الذي، فيما يبدو، كان يحتل لاوعي الكاتب مثلما يحتل مرجعيته الثقافية!

الآخر المعلن:

الحوار بينه وبين الآخر الفرنسي:

يلاحظ أن المؤلف حريص على الحوار وبناء جسور التفاهم بيننا وبين الآخر الغربي، وقد ساعدته شخصية الأمير بأبعادها الإنسانية والثقافية على بناء تلك الجسور! سواء أكان ذلك في السلم أم في الحرب، لهذا لم تتسم العلاقة بين الأمير والفرنسيين بالعداء المطلق، بل تخللتها، أيام الهدنة، علاقات سلمية، اعتمد خلالها على العقل، وكل ما يحقق مصلحة الجزائريين،  (فصدر لهم اللحوم والقمح، ويستورد منهم البارود والكبريت!) بل تجاوز العلاقات المادية إلى علاقات إنسانية ازدهرت بينه وبين بعض قادتهم ومثقفيهم!

من الملاحظ أن ثمة رغبة لدى المؤلف في تخفيف حدة الصراع بين الأمير والمستعمِر الفرنسي، لعله يخفف من بشاعته، لذلك يسمعنا صوت (الضابط الفرنسي بيجو) وهو يعلن براءته من الصورة العدوانية التي ترسمها مخيلة المستعمَر، والتي هي صدى للممارسات الوحشية التي ارتكبها المستعمِر أينما حلّ! لهذا بدا لنا واسيني الأعرج معنيا بتركيز الضوء على بعده الإنساني، يرسم صورته بصفته رجل سلم لا حرب، ويقنع الأمير بوجهة نظره، متناسيا أن أمته هي المعتدية، وهي التي بدأت بنقض عهودها!! فيقول: “إنسانيتي تجاه العرب وتجاه جنودي تحتم علي أن أقترح عليكم السلم قبل الحرب، السياسة تجبرني على فعل ذلك مثلها مثل الإنسانية، لهذا إذا رفضت السلم الذي أمنحه لك ، ستتحمّل مسؤولية الحرب ونتائجها المدمرة…(فيوضح الأمير قائلا) علّق كل شيء على ظهري وكأني أنا من اعتدى على فرنسا …(ثم ينتقد مقترحات بيجو  بأنها) كانت ضعيفة…كانت تسيطر عليه عقلية المزارع أكثر من عقلية العسكري، كان يريد ما يشتهي، وهذا ليس بمعاهدة، المعاهدة طرفان وأخذ وعطاء، هذه هي السياسة، كان يريد أن يحسم كل شيء قبل بدء الحرب، كان يحرق الحقول لا حبا في حرقها، وهو المحب للأرض والزراعة، ولكن لحسم المعركة بسرعة…”(32)

تبدو لنا جملة “كانت تسيطر عليه عقلية المزارع أكثر من عقلية العسكري” محاولة من المؤلف لتخفيف حدة الصراع، بل وجدناه يبرز تناقض الشخصية فهي تحرق الحقول، مع أنها تحب الأرض والزراعة! لهذا يستخدم في سياق التدمير الاستعماري لغة تخفف من وقعه في وجدان المتلقي العربي، فيلحق بتصرفات الضابط لفظة الحب بمختلف الصيغ، فالمؤلف يستخدم صيغة النفي(لا حبا في حرقها)  ليوحي برفضه لفكرة الحرق، كما يستخدم هذه لفظة  الحب  بصيغة اسم الفاعل (وهو المحب للزراعة)  لتوكيد نزعته السلمية، فهو يحس بتعب الفلاح واستنـزاف الأرض لحياته، لكن إحساسه هذا يطال الفلاح الفرنسي لا الجزائري، غير أن المؤلف يكتفي بلغة عامة، لا توحي للمتلقي باستعلاء الفرنسي، وإن فضحته أفعاله، فهو، من أجل تحقيق نصر سريع، وتخفيف خسائر جيشه،  يسعى إلى تكبيد الجزائريين أقسى الخسائر! فيحرق أرضهم، ليحرق أملهم في الحياة عليها! وبذلك انعكس حبه للأرض على (الأنا) وتمّ تمييّزها عن (الآخر) المستعمَر!

إذاً رغم محاولة المؤلف التخفّيف من النبرة الاستعلائية لدى (بيجو) الذي يحب الزراعة، لكنه لم يستطع أن يترك انطباعا إيجابيا لدى المتلقي! لأن تصرفاتها عدوانية طالت الجزائري وأرضه! كل ذلك من أجل تأكيد التفوق العسكري لفرنسا،وإحراز حسم سريع للمعركة!

الآخر ومحاولة إلغاء هوية الأمير:

إن المتأمل في سيرة الأمير يلاحظ أن لاعتزاز بالهوية العربية والإسلامية، والخوف على الخصوصية التي تميّزه من الضياع، قد شكلا حافزا له لمقاومة الآخر المستعمِر! لهذا لن نستغرب رغبة هذا الآخر في القضاء على هويته، حتى بعد أن سلّم سلاحه! وعاش أسيرا في فرنسا، فهو يرغب في تخليصه من أهم مكونات شخصيته، كي يستطيع القضاء عمّا يثير قلقه، لهذا وجدنا الكولونيل (دوما) يقول له مستغرباً: “لم تغيّرك فرنسا كثيرا، وهي التي كانت تحلم أن تجعل منك مواطنا من ذويها…”(33)

يستغرب المستعمر، هنا، كيف حافظ الأمير على هويته رغم مدة أسره الطويلة، كما يستغرب إصراره على الرحيل إلى بلد إسلامي، الأمر الذي ينسجم ومعتقده، مثلما يستغرب أن سنوات المعاناة لم تغيّره، وأن بلدا جميلا  مثل فرنسا لم يهنأ له العيش فيها! لهذا رأى كي يأمن جانبه أن يبقيه أسيراً لديه ناكثا كل عهوده معه! ولم يتوانَ هذا الآخر خلال هذه الفترة من تقديم كل المغريات، كي يتخلى الأمير عن انتمائه! يقول له (بيجو) صراحة “اتمنى أن تصل إلى قرار تبني فرنسا كوطن لك، وتطلب من الحكومة أن تمنحك أنت وأهلك قطعة أرض غنية، وستكون لك حياة مساوية لحياة أي مواطن فرنسي محترم، أعرف أن مقترحا مثل هذا قد لا يغريك كثيرا، ولكن فكر في مستقبل أبنائك وحاشيتك، أنت ترى أنهم يموتون يوميا مللا وكمدا.”(34)

نجد، هنا، دعوة صريحة لينبذ الأمير هويته، ويتبنى هوية الآخر الفرنسي، مما يتيح له الحصول على جملة من المغريات، لكن ما يدهشنا هو أن الآخر يفهم أعماق الأمير، ويعرف أن المغريات المادية لا تجد صدى في نفسه! فيحاول أن يثير عاطفته وحسه الإنساني تجاه أبنائه وأقربائه، الذين يعانون حياة الأسر، ويلفت نظره إلى ضياع مستقبلهم فيه!

لو تأملنا رد الأمير لدى واسيني الأعرج لوجدناه يركز على المفهوم العام للحرية التي يتوق إليها الأمير، فلم نستطع أن نعايش دلالات هذا المفهوم لديه، وكيف اتصل بكل بما يشكل هويته، لهذا نجده (في إحدى الوثائق التاريخية) يخاطب من يدعوه وحاشيته إلى “البقاء في فرنسا! نحن لا نتحدث لغتكم، وليس لنا عاداتكم ولا قوانينكم ولا دينكم، حتى إن ثياب نسائنا تثير سخرية نسائكم، ألا تدركون هذا معناه الموت.”(35)

نقف هنا على مفهوم الحرية بشكل محسوس، إذ لا يمكن أن ننظر للحرية بمعزل عن قيم وعادات تربى عليها الإنسان! من هنا كانت غربة الأمير عنها نوعا من العبودية والقهر! ولهذا بدت لنا هذه الوثيقة أكثر تعبيرا من الرواية عن غربة الأمير! إذ عايشنا فيها إحساس الغربة وضياع الهوية لدى الأمير، حين افتقد (اللغة والدين والعادات) فقدمت لنا تفاصيل موحية بمعاناة الجزائريين من اختلاف البيئة! واستعلاء الآخر الفرنسي، الذي تجلى في السخرية من عادات الجزائريين ومن ملابسهم! هنا ألا يحق لنا أن نتساءل عن علاقة الرواية بالمعيش؟ أين التفاصيل التي توحي بمعاناة الجزائريين من اختلاف البيئة؟ أليست الرواية “فن التفاصيل الموحية” كما يقول عبد الرحمن منيف؟ لكن حين نحاول أن نتفهم وجهة نظر المؤلف نحس بأنه يتجنب كل ما من شأنه تشويه صورة الآخر، حرصا على رسم ملامح إيجابية له! لكنه ينسى أن أحد أهم جماليات الرواية أنها تقوم على المتناقضات والصراع بين الخير والشر والجمال والقبح…الخ!

الآخر الراهب المنفتح:

لم نجد هذه الرغبة في القضاء على هوية الأمير لدى العسكريين ورجال الدولة فقط، بل وجدناها أيضا لدى رجال الدين، فمثلا شكلت فكرة التنصير لدى (الراهب ديبوش) أحد هواجسه المتكررة! ومثل هذا الإلحاح يوحي للمتلقي بمدى أهمية تنصير الأمير ونزع هويته الإسلامية في وجدان الراهب، لذلك نسمعه يكرر “كنت أريده مسيحيا، يخدم رسالة المسيح العالية، وكنت مستعدا أن أرحل بصحبته إلى البابا لتعميده ليصير واحدا منا…”(36)

إن هذه الرغبة بانضمام الأمير إلى المسيحية تعني انتزاع خصوصيته الروحية والفكرية، خاصة بعد أن لاحظ أنه إنسان خيّر، لذلك هو جدير بدين آخر غير الإسلام! نحس هنا أن الراهب، الذي جهد المؤلف في رسم صورة مثالية له، لا يحترم دين الآخر المختلف، إذ ليس من حق الأمير التمتع بخصوصيته الدينية، لهذا ألحت عليه فكرة تغيير دين الأمير عبر الحلم، الذي هو تعبير عن رغبة مكبوتة، كما يرى علماء النفس!

أمام عرض التنصير الذي تلقاه الأمير كانت ردة فعله، التي رسمها المؤلف، مثيرة للدهشة، لم يبدُ لنا نداً للآخر، في مجال الثقافة الدينية، مثلما بدا لنا في المجال الحربي، إذ قاتل الفرنسيين دفاعا عن وطنه وعن ثقافته التي يشكل الدين أحد أركانها!! وقد رسمه واسيني الأعرج في هيئة لا تتناسب  وتربيته الدينية، إذ لا يمكن لمن حفظ القرآن الكريم طفلا(37) أن يطلب وقتا للاطلاع على المسيحية، إذ من المعروف أن ثمة عدة سور في القرآن الكريم تناولت المسيحية بالتفصيل، حتى عنوانها يوحي بهذا التناول: سورة مريم، آل عمران، المائدة…

وقد يقول قائل: من حق المؤلف أن يظهر انفتاح الأمير على الآخر، وإعلان رغبته في قراءة الكتاب المقدس المسيحي خير دليل على ذلك، لكن ليس من حقه تشويه صورة الأمير المثقف التي عرف بها لدى الفرنسيين قبل العرب، إذ كان  ينقل مكتبته معه من ساحة حرب إلى أخرى! وقد وجدنا في إحدى الوثائق التاريخية أن الأمير (في الأسر) يحدث أصدقاءه الفرنسيين عن شغفه بالكتب “كنت أنوي أن أنشئ مكتبة واسعة، وكانت معظم الكتب التي خصصتها لبدء تكوينها في “زمالة” عندما استولى عليها ابن الملك (دوق أدومال) وهكذا كان من المؤلم لي إضافة لآلامي الأخرى أن ألاحق كتائبكم لأستعيد الأوراق المنتزعة من كتب عانيت المشقات في جمعها.”(38)

يوثّق لنا الأمير، هنا، معاناته من أجل هويته، فقد أدرك أن الكتب إحدى وسائل حفظها، لهذا فضح أفعال المستعمر الهمجية بها، وبيّن أن جهاده لم يكن من أجل الأرض فقط، بل من أجل الحفاظ على إرثه الثقافي، وقد اعترف الكاتب برونو إيتيين بهمجية الفرنسيين حين حرقوا مكتبة الجزائر!! طبعا المؤلف ليس معنيا بتوثيق هذه الهمجية، ولا يحق لنا أن نلومه، أو نحاصر خياله، لكن من حقنا أن نعايش الآخر بوجوهه المتعددة بعيدا عن عمليات التجميل!! من حق المتلقي أن يطالبه بتقديم خصوصية الشخصية، التي تنبع من تربيتها وإرثها الثقافي، فلا تنطق بلغة بعيدة عن وعيها ومستواها المعرفي! لهذا نستغرب اللغة المهادنة التي توحي لنا بأن الأمير جاهل بدين الآخر المسيحي! إذ يقول للراهب “امنحني من وقتك قليلا، لأتعرف على دينك، وإذا اقتنعت به سرت نحوه.”(39)

لا يمكننا، هنا، إغفال قصد المؤلف في رسم شخصية منفتحة على الآخر لا تمانع في الاطلاع على دينه، والإيمان به شريطة الاقتناع! ما نأخذه هو إغفال أبرز مكونات الشخصية، وهي الثقافة الواسعة، الأمر الذي يعني اطلاعها على الكتاب المقدس للآخر، وإنطاقها بلغة لا تتناسب مع تربيتها ومرجعيتها الثقافية! خاصة أن الأمير قاتل الفرنسيين انطلاقا من نوازعه الدينية، إذ نسمعه يقول في كتابه “المقراض الحاد لقطع لسان الطاعن في دين الإسلام بالباطل والإلحاد” “المقصود بالجهاد دفع الضرر عن الأمم والظلم ورفع كلمة الإسلام…”(40)

إن المرجعية الدينية في جهاد المستعمر لا تعني الانغلاق ورفض الآخر المختلف! لهذا لن نستغرب انفتاحه وتعامله الإنساني معه في السلم معتمدا على المرجعية نفسها، حتى إننا وجدناه حين استقرّ في دمشق يدافع عن النصارى أثناء الفتنة الطائفية التي حدثت فيها عام (1860).

أدرك الراهب أبعاد شخصية الأمير المنفتحة، فتخلى عن فكرة إلغاء هويته، ورأى حقيقته فهو “أقوى من أن يكون رجل دين واحد…” إذ بانفتاحه الديني يجسد الأديان جميعا! لهذا استحق أن يصل إلى مرتبة الندية مع الآخر، الذي يتأكد أنه يشاركه مهامه نفسها، فكلاهما “يخدم الناس والله” وإن كان كل منهما يسلك طريقه الخاص!

يلاحظ أن المؤلف معني بتركيز الضوء على كل ما يؤسس لعلاقة ودية بيننا وبين الآخر، لهذا احتلت الصداقة بين الأمير والراهب مساحة كبيرة في سيرورة الرواية! واستبعد أي صوت نقيض للراهب، مع أن الأمير عانى في أسره من بعض الفرنسيين! فقد أُخذ إلى قلعة (لامالق) وحشر مثل أي سارق أو رهينة، ومع ذلك لم نظفر بوجهة نظر هؤلاء الذين عاملوه معاملة سيئة! كأن المؤلف يريد أن يمحو أي أثر للكراهية خلّفه القهر الاستعماري في النفوس!

لكن ما يحمد للمؤلف اختيار شخصيتين (الأمير والراهب) تنتميان لديانتين مختلفتين (الإسلام والمسيحية) لكنهما استطاعتا أن تقيما علاقة ود وتفاهم بينهما، رغم الممارسات السلبية للمستعمر، وذلك بفضل انفتاح شخصيتهما، فعايشنا تجسيدا مدهشا لقيم الدين! وإن كنا قد لاحظنا توترا ساد بداية علاقتهما، حين انتقد الأمير الراهب من أجل الأسرى “اعذرني أن أسجل ملاحظتي بوصفك خادما لله وصديقا للإنسان، كان من واجبك أن تطلب مني إطلاق سراح كل المساجين المسيحيين …وليس سجينا واحدا…كان لفعلك أن يزداد عظمة لو مسّ كل السجناء المسلمين الذين ينطفئون في سجونكم، أحب لأخيك ما تحب لنفسك.”(41)

يبدو هنا الأمير معلما للآخر في مجال القيم الإنسانية، فيوّضح له المعنى الحقيقي للحب وللعدالة، لهذا ينتقده حين لم يشمل بحبه جميع الأسرى، سواء أكانوا مسلمين أم مسيحيين، فطلب من الأمير أن يفرج عن أسير فرنسي، استطاع أهله الوصول للراهب والتوسط له!

كما لاحظنا أن هذه العلاقة لم تزدهر بينهما إلا عندما تخلى الراهب عن فكرة تنصير الأمير، واحترم خصوصيته الدينية، أي عندما تبنى مرجعية تناقض الثقافة الامبريالية، التي تقوم على الاستعلاء ونفي الآخر! لذلك استطاع أن يقيم مع الأمير علاقة فريدة، قوامها التواصل الروحي والانسجام الفكري، فعايشنا عبر هذه العلاقة، متّنتها الأيام والتجارب، انفتاح المشاعر الدينية الحقيقية، فلمسنا حقائقها رغم اختلاف مسمياتها، لهذا أصبحت عامل توحيد، دفعت المؤمنين بها إلى المحبة وعمل الخير، يقول الأمير لصديقه “كم أشتهي أن أحدثك عن كل ما يجمعنا، بدأت أقرأ كتابكم الإنجيل …”

إذاً لم ينغلق الأمير أو يتردد في الاطلاع على كتاب الآخر المقدس، وانفتاحه ليس وليد صداقته مع الراهب، وإنما وليد تراث منفتح، فها هو ذا يخبر صديقه قائلا: “سادتنا القدماء فعلوا مثل هذا الأمر دون أن يختل إيمانهم.” فيجيبه ديبوش:

-لك كل المحبة التي تقربنا من بعض، حتى لو اختلفنا، لتستقر روحانا داخل نفس الحقيقة الإلهية الكبيرة”(42)ص43

تعلم الراهب من خلال علاقته بالأمير أن الخلاف في الانتماء الديني لن يفسد التواصل الإنساني، خاصة حين تخلى عن تعصبه، واحترم دين الآخر، وأدرك أنه والأمير ينتميان لحقيقة كونية واحدة، إذ جمعهما إيمان بإله واحد، يتعايش الناس في ظلاله بعيدا عن الهويات القاتلة المتعصبة!

إن ما نلاحظه في هذه العلاقة حماسة الكاتب لشخصية الراهب، صحيح أنه تحدث عن أخطاء ارتكبتها في حق الجزائريين، لكنه بدا متعاطفا معها، إذ حاول أن يخفف وقعها على وجدان المتلقي، لذلك ذكرها المؤلف على لسان شخصية محبة له (معاونه جون) كما وضعها في سياق لغوي يخفف من شناعة الفعل، فـ”حماسه  دفع به إلى تحويل المساجد إلى كنائس أو إلى مستشفيات، هذا لم يحبه الكثير من المسلمين، رأوا فيه رجلا غير محق في عمله…ربما ارتكب الكثير من الأخطاء في حق نفسه أولا ثم في حق غيره، لكنه منذ أن تعرف على الأمير تغيّر كثيرا، فهو من ركض طولا وعرضا ليعطي الأمير وحاشيته مكانا يصلون فيه، ويقيمون آذانهم في أمبواز.”(43)

بذل المؤلف جهده في تخفيف وقع تصرفات الراهب على المتلقي، فكان على السياق اللغوي الذي وضع فيه عملية تحويل المساجد إلى كنائس أن يمتصّ نقمته، فذكر عوضا عن المساجد  مكانا يحتاجه كل إنسان (المستشفيات) وقد تعمّد أن يذكر وصف صديقه له (بأنه ارتكب الكثير من الأخطاء في حق نفسه أولا، ثم في حق الآخرين) وبذلك يوحي المؤلف للمتلقي بعدم تقصّد الراهب للإساءة! خاصة أنه أبرز التغيير الذي حدث له كان بعد صداقته للأمير! عندئذ انتقل من الفعل السيء (القضاء على المساجد) إلى نقيضه (البحث لأصدقائه المسلمين عن مكان للصلاة أثناء الأسر)! ولا شك أن هذا الفعل يمحو أي أثر سلبي سابق! من هنا نجد أهمية العلاقة الإنسانية المنفتحة التي تتجاوز الانتماءات الضيقة، حتى إن الأمير دعاه بلقب ذي دلالة دينية جهادية “المرابط الكبير” فالراهب يعيش الجهاد الأكبر في المنظور الإسلامي، الذي هو جهاد النفس، والعمل لخير الإنسان أياً كان! من الملاحظ أن هذا اللقب ضنّ به المؤلف، فلم يمنحه للأمير أو لرجاله! ولا ندري السبب؟ أ تكون الرغبة الكامنة في أعماقه في نفي كل دلالة دينية عن قتال الأمير للمستعمر!؟ لهذا يبدو حضورها هنا أشبه بزلة قلم، لتكشف الرغبة اللاشعورية في تجميل صورة الآخر! وبالتالي تقريبه إلى المتلقي كي يحس بألفة معه!

لقد استمد المؤلف من التاريخ ملامح هذه العلاقة بين الأمير والراهب، لكنه بذل جهده ليجعلها استثنائية، حتى وجدنا الراهب يعلن حقيقة أن الأمير “لم يكن هو البادئ، فقد كان دائما يرد عدوانا.” لهذا سعى لإغنائها بالتفاصيل التي تبرز التواصل الشعوري والفكري بينهما! فوجدنا الراهب يبذل جهده لفك أسر صديقه، وفي المقابل جمع الأمير كل ما يستطيع من مال، أثناء إقامته الجبرية، كي يتحرر صديقه من ديونه، وقد وجدنا المؤلف يصل بصداقتهما إلى أقصى مدى ممكن من المشاركة الوجدانية والتوحد الروحي!  حتى إن الراهب ينتابه إحساس بأن مصيرهما بات واحداً، فقد نالت منهما ظروف الحياة بالطريقة نفسها! يقول للأمير “مثلك لم أذهب نحو من أحب في بوردو، ولكني سرت إلى منفى آخر”

إن مثل هذه الصداقة تؤسس لعلاقة صحية بيننا وبين الآخر! وتبرز مقدرة الأواصر الإنسانية على مدّ جسور التفاهم! وقد أفصحت هذه العلاقة عن رغبة المؤلف في محو الأثر السلبي الذي خلّفه الاستعمار، لهذا أخفى الجانب المظلم منه، وركّز على علاقة منفتحة بين الأمير المسلم ورجل الدين المسيحي! لعله يعطي أمثولة للمتلقي تفيده في حياته! وبذلك يتبدى لنا ضغط زمن الكتابة على وجدانه (إثر أحداث أيلول 2001)

لكن من الملاحظ أن المؤلف لم يفلح في تقديم علاقة ندية بين (الأنا) والآخر بشكل مقنع، فمثلا رغم عمق التواصل الروحي بين الصديقين، لم نجد لغة الحوار مؤهلة لتجسّد روعة هذه العلاقة! فمثلا يحدث الأمير الراهب عن ألمه: “اليوم دفنا الفقيد الخامس والعشرين على هذه الأرض (فيجيبه إجابة غير مقنعة) ألم تقل بأن أرض الله واسعة.؟” فكأن هذا جواب الراهب صيغ لهم آخر غير الحزن الذي يحسه الأمير على فقد أحد أفراد أسرته! كأنه جواب على الشكوى من هم الغربة!!

وقد استطاع الأمير بفضل الإقامة الطويلة في فرنسا أن ينشئ حوارا مع أولئك الذين قاتلهم أو حررهم من الأسر، فأبرز لأولئك الذين يعترفون بجميله مدى الظلم الذي لحق به، حين اتهم بقتل الفرنسيين الذين أسروا في سيدي إبراهيم! مع أنه بريء من دمهم، فقد كان مسافرا حين قتلوا، وقد سألوه لماذا لم تعاقب المسؤولين عنها؟ يجيبهم: وهل عاقبت فرنسا المسؤولين عن إحراق العزَّل في جبال الظاهرة؟ أ ليس الجنرال بوجو مسؤولا حين رفض إبرام اتفاقية تبادل الأسرى؟

لا ندري لِـمَ لم يتوقف المؤلف عند مشهد يبرز سوء تفاهم بين الأمير والفرنسيين أثناء تبادل الأسرى، ولم يسلط الضوء على تفاصيله؟ فقد اكتفى الراوي بالإشارة إليه “كادت العملية أن تنتهي إلى مجزرة بسبب سوء تفاهم صغير لولا حكمة ابن علال ومونسينور (ديبوش) الذي تحاور طويلا مع ابن علال الذي ظل مشدودا إلى طيبة هذا الأخير.” (44)

نلاحظ هنا تعاطف المؤلف مع الآخر، فقد منحه المقدرة على حل سوء التفاهم، صحيح أنه منح الحكمة للطرفين، لكنه ألمح إلى الدور القيادي للآخر (الراهب) الذي امتلك الصبر والحنكة لإجراء حوار طويل، كما امتلك طيبة آسرة جذبت العربي إليه!!!

تمثل شخصية الراهب (ديبوش) في الرواية صوتا موازيا لصوت الأمير، بل لاحظنا اهتمام المؤلف  بتجسيد صوت أعماقها (عن طريق كتابة الرسائل والحوار الداخلي باستخدام ضمير الأنا) أكثر من صوت الأمير، حتى إنه خصص لصوته الافتتاحية والخاتمة والوقفة الأولى، وكلنا يدرك أهمية ذلك في البنية السردية وعملية جذب المتلقي لمتابعة السرد، والأثر الجمالي الذي تتركه خاتمة الرواية في وجدان المتلقي! كأن المؤلف يريد لصوت الآخر (الراهب المتسامح) أن يبقى في الذاكرة فلا ينساه أحد! ليرسّخ في الأذهان الصورة الإيجابية للآخر، لعلها تمحو وحشية المستعمر الفرنسي!

الآخر العسكري والمدني:

لم نعايش في الرواية الآخر العسكري بعيداً عن الحياة المدنية إلا نادرا!! لعل المؤلف يرغب في أن يبتعد بمتلقيه عن (ساحة الحرب) أي عن فضاء متوتر يعيش فيه الآخر (العسكري الفرنسي) كراهية للجزائريين! إذ بدت لنا رغبته واضحة في تجميل هذا الآخر سواء أكان راهبا أم ضابطا!! لهذا عايشنا في الرواية الجانب الإنساني للمستعمِر، فبعد حرق القرى، وسلب المواشي، نجد مشهداً يطهر فيه ضابط فرنسي يريد أن يعطي طفلا جزائريا قطعة خبز، فيرفض رغم جوعه، وحين يسأله لماذا ؟ يجيبه “ديننا يمنعنا من الأكل من أيديكم…لأنكم لا تتوضؤون.” فيسأله الضابط عن كيفية الوضوء، ويتوضأ كي يأخذ قطعة الخبز منه!لم يقل الطفل ديننا يمنعنا من أكل طعامكم لأنكم تقتلوننا أو تخرجوننا من ديارنا؟ اختار المؤلف الوضوء، ليوحي بأن فروض الدين الإسلامي تمنع التعامل مع الآخر! ترى لماذا لم يتحدث الطفل بلغة المحسوس، مع أنها أقرب إلى مستوى وعيه اللغوي!؟ ألا يكون التعبير بهذه اللغة أكثر إقناعا؟ أ ليس حريا بالطفل استخدام لغة المعاناة التي يعايشها يوميا (لغة القتل والحرق والتدمير الذي يمارسه المستعمر)!!!

كأن هناك رغبة لا واعية في أعماق المؤلف في تبرئة الآخر وجلد الذات واتهامها برفض المستعمر لأسباب كامنة في أعماقها (التربية والعقيدة) دون أن يكون هناك أية علاقة لممارساته الوحشية في إشاعة جو من الكراهية والرفض!

ومما يؤكد صحة هذا القول أن المجازر التي ارتكبها الاستعمار لم تحظَ بمشاهد تصويرية، إذ كان نصيبها السرد السريع! أو تقديمها عبر خبر في جريدة (مثلا ص245) لعل السبب في ذلك تخفيف تعاطف المتلقي مع معاناة الجزائريين، وما قد يثيره هذا من كراهية لوحشية المستعمر! فالمؤلف لا يريد أن يشعل فتيل التوتر بيننا وبينه بتسليط الضوء على ممارسات أصبحت جزءا من الماضي! لكن حين يتعلق الأمر بتبرئة ساحة هذا المستعمر نجده يتأنى في رسم المشهد، ليعزّز صورته الإيجابية في مخيلة المتلقي رغم تاريخه العدواني!!  لذلك حين نتأمل الحوار بين الأمير والآخر، في مرحلة الأسر، نجده يكاد يبتعد عن الأمور العسكرية! غير أن خطيئة ارتكبها نائبه بقتل أسرى فرنسيين نجددها تكررت عدة مرات في الرواية! ولاشك أن المأخذ الوحيد للفرنسيين على تاريخ الأمير في جهاده هو تلك الحادثة! ويبدو أنها أرّقت المؤلف مثلما أرّقتهم! فبذل جهده في تبرئة الأمير من دم هؤلاء الأسرى.

وقد لاحظنا في مذكرات الأمير أن الحوار بينه وبين الآخر شمل الأمور الدينية، حتى وجدناه يؤلف بعض الكتب، ليوضح للفرنسيين تعاليم دينه، فقد ألّف في حصن (أمبواز) كتابه “المقراض الحاد لقطع لسان الطاعن في دين الإسلام بالباطل والإلحاد” الذي يوحي لنا عنوانه بمدى حماسة الأمير للدفاع عن دينه! لكن المؤلف لحاجة في نفسه لم يشر إلى هذا الكتاب، ونحن لن نلومه مادام لا يكتب سيرة ذاتية للأمير، وإنما يكتب في مجال متخيل ينتقي فيه ما يشاء من وثائق ومعطيات، لهذا انتقى ما يراه معزّزاً لعلاقة ودية بالآخر، وترك ما ظن أنه يسيء إلى تلك العلاقة! مع أننا لاحظنا أن هذا التعريف بتعاليم الدين الإسلامي، كان بناء على رغبة الآخر المتعطش للمعرفة!  وبذلك استطاع الأمير، رغم معاناته من الأسر في فرنسا أن يمدّ جسور التفاهم بينه وبين الآخر، ويزيل بعض الأوهام التي تحيط بالإسلام بسبب الجهل والتعصب والعداء الذي يكنّه الآخر له!

وإذا كانت التعاليم الدينية لم تظفر بلغة مشهدية، فإن بعض مظاهر المجتمع الإسلامي قدمت بهذه اللغة، ففي حوار جرى بين الأمير وامرأة أحد الضباط (الذين تحرروا من الأسر على يده) نجدها تسأله عن تعدد الزوجات، أي عن أحد مآخذ الغربيين على الدين الإسلامي، فيجيبها بلغة غريبة عن فقيه خاض حربا دفاعا عن أرضه ودينه، وأدت إلى إنقاص عدد رجاله، لذلك يأتي تعدد الزوجات حلا اجتماعيا لمشكلة تزايد أعداد النساء، لكننا لم نجد الأمير لدى واسيني معنيا بتلك اللغة المنطقية، بل ينطق بلغة المؤلف وآرائه التي أُسقطت على لسان الشخصية التي تقول: “بين المرأة والرجل سحر رباني خاص وجاذبية لا تقاوم، الإنسان قد يحب امرأة من أجل عينيها، وأخرى من أجل شفتيها، وثالثة لجسدها، وأخرى لنور علمها…عندما نعثر على امرأة تحمل كل الصفات مثلك، سنكتفي بواحدة، ولن نختار غيرها، ونقبل أن نموت في أحضانها…” (45)

أعتقد أن واسيني الأعرج، هنا، أبعد شخصية الأمير عن فضائها اللغوي الخاص، وفصّل لها لغة غريبة عن وعيها، هي أقرب إلى وعي المؤلف، لهذا يحس المتلقي أن الشخصية باتت غريبة عن روحها وبيئتها الدينية، فافتقدت ما يميزها من سمات خاصة بها، لذلك لم تعش، وفق منطق الإبداع الروائي، مستقلة عن مؤلفها، تنطق لغة خاصة بها، تناسب عصرها وسياقها الثقافي والاجتماعي!  إذ لا يمكن لمتدين، لم يعتد الاختلاط مع النساء، أن يتحدث بهذه اللغة بصوت عالٍ، خاصة أنها تعلي شأن الجسد في العلاقة بين المرأة والرجل (الشفتين، الجسد، الأحضان.) كما لا يمكن لفقيه أن يغازل امرأة متزوجة، فيقول: (عندما نعثر على امرأة مثلك سنكتفي بواحدة)! لهذا ضاعت ، هنا، ملامح شخصية الأمير التي تميّزه عن المؤلف، وفقدت روحها فضاعت حيويتها وما يمكن أن يشكل هويتها الجمالية!

أحاط المؤلف الأمير بشخصيات فرنسية (عسكرية ومدنية) منفتحة ومتعاطفة مع محنته، حين احتجز في فرنسا، مما دفعه بالمقابل للانفتاح على حضارتها! لكن لا نستطيع أن نقول هذا الانفتاح وليد معايشته للفرنسيين في بلادهم، إذ بدا عارفا بأخلاقهم حتى وهو يقاتلهم! لهذا حين ضاقت السبل به، وفكر بأن يتوقف عن القتال، ويهاجر إلى الشرق وهو يحمل السلاح، كان واثقا أن الآخر الفرنسي” قادر على الإيفاء بوعده!” لهذا وضع مصيره بين يدي القائد (لا موريسيير) لأن ثقافته “تمنع قتل القائد، بل تحترم شجاعته، وتقدر استماتته من أجل المثل التي يدافع عنها!”(46)

وقد تبدى هذا الاحترام مصحوبا بالاهتمام حين أبرم الأمير عقد أمان معهم، فجاءه طبيب فرنسي تفحّص ساقه المجروجة، وضع عليها المساحيق والمراهم، ولفّها كي يمنعها من التعفن، ثم خرج معتذرا عن الإزعاج!

كما تعمّد المؤلف تركيز الأضواء على المعاملة الراقية التي تلقاها الأمير في فرنسا، وحجب عنا أصوات أولئك الذين حاولوا إهانته بنقله من مكان إلى آخر (القلعة، قصر هنري الرابع، أمبواز) مع أنه أشار إلى أحدهم (الضابط أراغو) وزير الحربية الذي تعامل مع الأمير بوصفه سجينا !! لهذا افتقدنا تعدد الرؤى التي تضفي جمالا وحيوية على فضاء الرواية!

الأنا والمقارنة بالآخر:

قلما نسمع في الرواية صوت الـ(أنا) التي تجسد أعماق (الأمير) ولا أجد تفسيرا لهذا الافتقاد إلا بانشغال الروائي بتجسيد (أنا) الآخر، مع أن الأمير عاش لحظات درامية قاسية، تستدعي حوارا مع الذات، فمثلا في أحلك الظروف، عندما أحرق الفرنسيون مدينة معسكر، التي تعب في تعزيز دفاعاتها، واضطر للرحيل عنها، يعبر عن خيبته وحزنه بجملة واحدة “مجهود سنوات من البناء يذهب مع الريح.”ص159، بل إننا وجدنا المؤلف يختزل جهاد الأمير الطويل (الذي دام أكثر من خمسة عشر عاما) بفكرة واحد هي الحفاظ على كرامته “المحارب يا بني هو من لا يسلم نفسه بشروط عدوه مهما كانت الظروف…”(47)

نحن هنا لا نغفل عن قيمة الكرامة لكن ثمة أمورا تعتلج في أعماق الأمير تضاف إلى الكرامة، لذلك أصاب  إغفال الصراع الداخلي الشخصية بعطب كبير! فسطّح أفكارها وخفّف ألق مشاعرها! ورغم أن  المؤلف حاول أن يرقّع ذلك بأن يقدّم أعماقها عبر الحوار مع أقرب الناس إليها! فنجده يخاطب والده كنا نظن أننا الأفضل في كل شيء، وبدأنا ندرك أن الآخرين صنعوا أنفسهم من ضجيجنا الفارغ.”

صحيح أن الحوار أتاح لنا التعرف على بضع أفكار راودت الأمير، لكننا لاحظنا أنها، غالبا، ما تكون أفكار المؤلف أسقطها عليه! ففي فرنسا يقارن بين الذات والآخر مخاطبا السي مصطفى “كل ما بنيناه عن فرنسا وأوروبا كان في جوهره غير صحيح، كنا نظن أنفسنا أننا الوحيدون الذين ينظر الله إلى وجوههم يوم القيامة، وأن الجنة حكر لنا، وأن الله ملك مسلم، وكلما تعلق الأمر بالآخرين أنزلنا عليهم السخط والمظالم، العالم يا السي مصطفى تغير… ونحن على حافة قرن كل شيء فيه تبدى لنا على حقيقته، عندما كان الناس يحفرون الأرض ويستخرجون التربة ويحولونها إلى قطارات بخارية وسفن حربية وسيارات وقوانين لتسيير البلاد، كنا غارقين في اليقينيات التي ظهر لنا فيما بعد ضعفها، وأننا كنا نعيش عصرا انسحب وانتهى. هل نملك اليوم القدرة لفتح أعيننا على هذه الحقائق وتعليم أبنائنا من أخطائنا القاتلة…”)(48)

إن اعتراف الأمير بأنه، ومن معه من المقاتلين، كانوا جاهلين بفرنسا أمر غير مقنع، ويبدو المؤلف، هنا، متأثرا بكتاب “تحفة الزائر في مآثر عبد القادر” لمحمد باشا(49)

للوهلة الأولى تدهشنا لهجة النقد الذاتي التي يتحدث بها الأمير هنا، خاصة إذا وجدنا لغة هذا النقد تنطق بوعي الأمير وظروفه، لكننا حين نتأملها نحس بغربتها عنه، فهي توحي أن الأمير قاتل الآخر بداعي التعصب الديني “كنا نظن أنفسنا أننا الوحيدون الذين ينظر الله إلى وجوههم يوم القيامة، وأن الجنة حكر لنا، وأن الله ملك مسلم، وكلما تعلق الأمر بالآخرين أنزلنا عليهم السخط والمظالم“! ثم هل يمكن لمتدين حقا أن يقول هذه الجملة “الله ملك مسلم” ألا يتناقض هذا القول مع ذلك المشهد الروائي الذي رأينا فيه الأمير في ساحة القتال يرفض إطلاق سراح أسير واحد ويذكّر الراهب بضرورة الإحساس بالآخرين المسيحيين والمسلمين!!!

ترى هل الإيمان بالله واليقينيات الأخرى هي سبب ضعفنا؟ ألم يقاتل الأمير انطلاقا منها؟! ولو تأملنا لغة الأمير، هنا، للاحظنا أنه ينطق بلغة مؤلفه صراحة “نحن على حافة قرن كل شيء فيه تبدى لنا على حقيقته” فالأمير لم يعش على حافة القرن، وإنما المؤلف (والدليل أن زمن كتابة الرواية في بداية الألفية الثالثة، أي بداية قرن جديد) في حين من المفروض أن الأمير قال هذا الكلام (1850) أثناء أسره! ولم يكن على حافة القرن! هنا تدخلت لغة المؤلف المتأثرة بزمن الكتابة، وهيمنت على لغة البطل الذي يعيش زمنا آخر!

وكذلك فإن تجريح الذات بهذه اللغة العنيفة والمحبطة، التي نطق بها الأمير، أمر لا ينسجم مع شخصية فاعلة ومجاهدة ومبدعة حتى في قتالها الأعداء، إذ ابتكر طريقة الزمالة (المدينة المحاربة والمتنقلة على الجمال) في الصراع مع الأعداء لذلك لا يمكن أن يدعو “إلى اعتبار تقليدنا للجيش الفرنسي قوة وليس تبعية  وإيمانا وليس كفرا…”

هل يمكن أن يدعو الأمير إلى التقليد؟ كنا نتمنى لو استخدم (التعلم)  بدلا عن (التقليد) هل يمكن لمن قاتل أكثر من خمسة عشر عاما، أن يرى نفسه وجنده بمثل هذا الانحطاط؟ أ يمكن أن ينطق بهذه اللغة المحبطة من استمر في الجهاد أمام جيش دولة عظمى! وكلما هدم الفرنسيون مدينة بنى أخرى! حتى إنه جعل دولته كلها على ظهر الجمال، ليضمن استمرارها وجهادها! هنا نتساءل: أين الخطأ القاتل الذي ارتكبه الأمير وجنده، كي يدعو إلى تعليم أبنائنا من أخطائنا القاتلة.؟ نحن هنا لا ننـزّه الأمير عن الخطأ فهو بشر، لكن صيغة الجمع (أخطائنا) والصفة (القاتلة) هي ما تستفزّ المتلقي باعتقادنا! لعلها أخطاء أجيال أتت بعد الأمير، وجدت نفسها تعيش عالة على الآخرين سواء أ كانوا غربيين أم تراثيين!! ولم تعرف معنى الابتكار والفاعلية في الحياة مثلما عرفها الأمير!! لكن المؤلف حمّله ومرحلته التاريخية وزر ضعف تلك الأجيال وتخلفها!

إن المبالغة في نقد الذات تبتعد عن لغة الاعتراف الهادئة لتنتقل إلى اللغة العنيفة التي تصل حد جلد الذات والغفوة عن أخطاء الآخر ، ولصق كل السيئات بـ(الأنا) إلى درجة تغيب معها الرؤية الموضوعية، حتى إننا نجد الأمير لا يرى ما يفعله الآخر من انتهاكات، فيضطر نائبه التهامي أن يلفت نظره إليها “-إنهم يطؤون على المعاهدة يا سيدي؟ فيجيبه الأمير :

-حتى الآن قبائلنا هي التي تخرِّب كل شيء، الفرنسيون ملتزمون بما وعدوا به على العموم…فيضطر التهامي لتذكيره ثانية!!!

-قسنطينة سقطت بين يدي فالي…ألا ترى يا سيدي أن قوانا متفرقة، وأن الاتفاقية لم تعد إلا حبرا على ورق؟…”(50)

هنا نتساءل: أيمكن أن يكون نائبه أكثر إدراكا للموقف من الأمير؟ هل يمكن أن يكون أكثر حساسية  لتمادي فرنسة في انتهاك معاهدتها من قائده؟

أعتقد أن هذه اللغة لا يمكن أن تتناسب وشخصية الأمير، إذ لا يمكن أن يكون بهذا المستوى من الغفلة، فلا يرى ما يراه الآخرون من انتهاكات يرتكبها العدو!

لقد تمّ انتـزاع الشخصية من سياقها التاريخي والثقافي مثلما تمّ انتـزاعها من سياقها الوجداني، حين حرمت من لغة الأعماق، فلم نجدها تعيش انفعالات وأفكار مضطرمة، إذ غاب الصراع الذي ينتابها في الأزمات فغابت معها إنسانيتها وحيويتها! مما أساء إلى بنائها الوجداني والفكري!

اضطراب (الأنا):

حين نتأمل صورة الأمير نجدها تجسيدا لـ(الأنا) مثلما رأينا في صورة الراهب تجسيدا للآخر، الذي بدت صورته،كما قلنا سابقا، أكثر إتقانا من تلك الصورة التي تجسد (الأنا) ولعل خير دليل على اضطراب المؤلف في رسمها ما يلمسه المتلقي من تناقض لغوي في حواره مع الآخرين، إذ تارة يستخدم الفصحى وتارة العامية!!!

وكي لا يُقال بأن الأمير يتحدث للآخر عبر مترجم، لذلك يحتاج اللغة الفصيحة، وهو حين يتحدث مع أحد من أهله يستخدم المحكية، لهذا سنتأمل حواره مع والده “يا أبي لا تجعلني أندم على إمارة لم أطلبها، حروب المسلمين القدماء لم تعد نافعة، الكلام لم يعد كافيا…”(51) ثم وجدناه يستخدم المحكية مع أحد أفراد أسرته (أخيه) هنا نتساءل لِمَ استخدمها المؤلف؟ وهل يمكن أن تتعدد لغة الحوار داخل العائلة الواحدة؟ يقول لأخيه “إلى هذا الحد ماقدرتش تصبر حتى نكمل الصلاة؟ خلاص كل شيء لازم يتغير…”(52)

تبدو لغة الأنا قلقة هل ينتمي صوت عبد القادر الجزائري إلى اللغة الرسمية (الفصيحة) أم إلى اللغة الشعبية (المحكية) قد يجد بعضهم العذر لقلق اللغة في الحوار! لكن هل يمكن أن نعذر المؤلف حين ينطّق الأمير بيتا من الشعر الجاهلي، الذي يستشهد به على عادة العرب، بعد أن يحوّله إلى المحكية! فيقول “أتأمل هذه الدنيا بنت الكلب، صعبة، أتذكر دائما كلام زهير بن أبي سلمى، كان محقا، مسكين اللي جاء في طريقها” (53)

يفتقد،هنا، المتلقي العربي لغة تتناسب مع السائد في حياته، إذ يتم الاستشهاد بالشعر دون تغيير لغته الفصيحة، إذا كانت هذه  حال الإنسان العادي فما بالكم بمثقف مثل الأمير عبد القادر، لهذا يحس المتلقي بغربة الشخصية عن لغتها، أو بالأحرى عن منطق اللغة المناسبة لبنيتها المثقفة!

كما تبدو لغة الأمير غريبة عن مستوى وعيه الديني! فقد جعله المؤلف جاهلا أحكام الصلاة أثناء القتال، فيقول: “في الكثير من الحروب قتل أناس كثيرون، وهم يصلون، ولم يستطيعوا توقيف صلاتهم للدفاع عن أنفسهم.”(54)

ينطق الأمير بلغة لا تتناسب وتربيته الدينية وثقافته، إذ كان حافظا للقرآن الكريم منذ طفولته، ولا يمكن أن ينسى أن ثمة آية تدعو المؤمنين إلى أخذ الحذر أثناء القتال، فينقسم المسلمون إلى فريقين (فريق يصلي وآخر يحرسهم) يقول تعالى “وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة، فلتقم طائفة منهم معك، وليأخذوا أسلحتهم، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأتِ طائفة أخرى لم يصلوا، فليصلوا معك، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم…”(55)

هنا نتساءل: هل يتوجب على الأمير أن يكون صورة عن مؤلفه (فيجسد ثقافته ورؤيته للحياة) إن قهر الشخصية بإلزامها صورة مؤلفها أساء إلى خصوصية الشخصية واستقلالها عن مبدعها! خاصة أنها شخصية تملك جذورا حية في ذاكرة المتلقي! وتكاد تشكل أمثولة في وجدانها!

حتى لغة الراوي التي تجسد حالة صوفية بدت غير مقنعة فنيا “ترك موجات الروح تهدهده وتقوده إلى مشارف الاسكندرية، قبل أن تدحرجه نحو أرض الحجاز.”(56)

يناقض فعل الدحرجة الذي استخدمه الراوي في سرده السياق الصوفي الذي بدأه، فينسى المتلقي الهدهدة وموجات الروح لتعلق بذاكرته صورة إنسان يتدحرج كالكرة إلى الحجاز! مما ينفي أي أثر صوفي نجحت في إيحائه الجملة الأولى!

كما لا حظنا أن لغة الراوي قد تعزّز، أحيانا، سوء التفاهم في علاقتنا الآخر، مما ينعكس سلبا على عملية التلقي، وهذا نقيض ما جهد المؤلف في تأسيسه في فضاء “كتاب الأمير”! فقد لاحظنا أنه بعد أن أصدر نابليون قرار حرية الأمير وسفره إلى بلد إسلامي، يأتي الراوي ويستخدم فعلا يستفزّ المتلقي “بعد جولة كبيرة (قام بها الأمير بصحبة نابليون) اقتيد لزيارة القصر نفسه…”(57) فيحس أن فعل (اقتيد) لا يتناسب والحالة التي تعيشها الشخصية، إذ سلبت دلالاته الأمير الحرية التي نالها، وأعادته إلى الأسر!! كان بإمكانه استخدام فعل يوحي بالمشاركة الندية (اصطحب، رافق…) والابتعاد عن فعل يوحي بالمشاركة القسرية والأسر!

لعل أبرز ما عانته شخصية الأمير افتقادها لغة خاصة بها، وهيمنة لغة المؤلف عليها، التي طغت حتى في استشراف المستقبل “سيأتي زمن لا أحد يعرف ملامحه، أكثر تطرفا وأكثر قسوة مما عشناه…”(58)

يحس المتلقي أن معاناة المؤلف من التطرف الذي شاع في عصره دفعه لينطق الأمير بتلك النبؤة، وإن كانت تتناقض مع بنية الشخصية الوجدانية التي ترتكز الإيمان، فتستمد روح التفاؤل والقوة منه!

لقد افتقدنا في “كتاب الأمير” اللغة الحميمة التي يستطيع الأمير الإفصاح عن أعماقه، فافتقدنا الحرارة الإنسانية، طغت لغة الحوار (ذي النبرة العالية) خاصة مع أصدقائه الفرنسيين! فلم نجده يتحدث مع إحدى نسائه (لديه ثلاث زوجات لم نعرف أيهما أقرب إلى قلبه) وقلما يتحدث مع أولاده! لهذا طغت شخصية المناضل الأسير على الوجه الإنساني للشخصية! فأحسسنا بمسافة بيننا وبينها! لم نجده يسترسل في الحديث عن ضعفه البشري وأشواقه، ربما بسبب إقصاء لغة الاعتراف التي منحها للراهب (الآخر) وضنّ بها على الأمير!

الحواشي:

  1. واسيني الأعرج “كتاب الأمير” منشورات الفضاء الحر، الجزائر، ط1، 2004، ص532
  2. المصدر السابق، ص515
  3. القرآن الكريم ، سورة المائدة آية(32)
  4. “كتاب الأمير” ص358
  5. المصدر السابق، ص363
  6. المصدر السابق نفسه، ص368
  7. نفسه، ص368
  8. نفسه، ص111
  9. نفسه، ص156
  10. نفسه، ص251
  11. عبد القادر الجزائري “مذكرات الأمير عبد القادر” تحقيق د. محمد الصغير بناني، د. محفوظ سماتي، د. محمد الصالح الجون، شركة دار الأمة، الجزائر، ط1، 2007،ص190
  12. كتاب الأمير،ص264
  13. المصدر السابق، ص345
  14. المصدر السابق نفسه،ص265
  15. نفسه،ص196
  16. نفسه، ص370
  17. نفسه، ص181
  18. نفسه، ص310
  19. نفسه، ص391
  20. نفسه، ص345
  21. نفسه،ص 447
  22. نفسه،ص128
  23. القرآن الكريم، سورة المائدة آية 82
  24. برونو إيتيين “عبد القادر الجزائري” ترجمة ميشيل خوري، دار عطية، بيروت، دمشق، ط1، 1997
  25. “كتاب الأمير”،ص232
  26. المصدر السابق،ص157
  27. المصدر السابق نفسه،ص237
  28. نفسه،ص245
  29. راجع د. أبو القاسم سعد الله “تاريخ الجزائر الثقافي، ج4(1830-1954) دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1998، ص202
  30. عبد القادر الجزائري “المقراض الحاد لقطع لسان الطاعن في دين الإسلام بالباطل والإلحاد”ص137
  31. د. فيصل دراج “الرواية وتأويل التاريخ” المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط1، 2004، ص17
  32. “كتاب الأمير”، ص181-182
  33. المصدر السابق، ص464
  34. المصدر السابق نفسه، ص473
  35. برونو إيتيين “عبد القادر الجزائري” ملحق الوثائق التاريخية، ص266
  36. نفسه، ص542
  37. راجع كتاب “فكر الأمير عبد القادر الجزائري وكتاباه “وشاح الكتائب” والمقراض الحاد” تأليف وتحقيق الأميرة بديعة الحسني الجزائري، دمشق، توزيع دار الفكر، ط1، 2000 ص209
  38. برونو إيتيين “عبد القادر الجزائري”ص167
  39. “كتاب الأمير” ص44
  40. عبد القادر الجزائري “المقراض الحاد لقطع لسان الطاعن في دين الإسلام بالباطل والإلحاد”ص137
  41. “كتاب الأمير” ص45
  42. المصدر السابق، ص43
  43. المصدر السابق نفسه، ص432
  44. نفسه، ص51
  45. نفسه، ص45
  46. نفسه، ص180
  47. نفسه، ص409
  48. نفسه، ص520
  49. الأميرة بديعة الحسني الجزائري “دراسة لكتاب تحفة الزائر ومآثر الأمير عبد القادر” لمحمد باشا، طبعة خاصة، دمشق، 2009، ص56
  50. كتاب الأمير ص237
  51. المصدر السابق ص83
  52. المصدر السابق نفسه، ص82
  53. نفسه، ص452
  54. نفسه، ص464
  55. (سورة النساء آية 102)
  56. “كتاب الأمير” ص456
  57. المصدر السابق، ص 510
  58. المصدر السابق نفسه، ص443

*ناقدة وأستاذة الأدب المقارن في جامعة دمشق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق