الرئيسية | الموقع | ثقافة السرد | البحث وراء جرجس عطا فانوس

البحث وراء جرجس عطا فانوس

ابراهيم المطولى*

يبدو عم عطا في كل مرة قادما فيها كاؤلئك الدراويش السائرين في دروب البلاد بلا نهاية, كل يوم يوقف حماره في بلد مختلف ..الثلاثاء كان لنا . يمسك بلجام حماره العجوز ويخطو ببطء ..قصيراً وضئيلاً …يُجهد عينيه كي يرى تفاصيل الطريق وتتجنب قدماه روث البهائم.
خلف الحمار عربة، وخلف العربة ابنه جرجس يمسك عصا يهش بها الأولاد الذين يحاولون التعلق في الخلف، فلو فعلوا سترتج العربة فيرتبك الحمار ويتوقف الركب لثوان ، لكنه لا يترك للأولاد الفرصه لفعل ذلك راسما على وجهه تعبيرات يحاول أن يجعها مخيفة، لكنها فى الحقيقة تخفي طفلا معتلا بنزوات مكبوته. يلوح في الهواء بعصاه ذات اليمين وذات الشمال فيبدو حينها كائنا هلامياً شاحباً بلا ملامح، سمينا شاحبا ، قصيراً ذا وجه ممتلئ يهتز كلما مشي أو انفعل على الأولاد الذين يتلمسون مؤخرته ثم يجرون في إتجاهات مختلفة ضاحكين، فيسبهم و تخرج حروفه كأنها من أنفه لا من فمه.
أمام بيت الحاج فتحي, تحديدا تحت تكعيبة العنب العملاقة , يقف الحمار تلقائيا. يُخرج عطا أولاً حصيرة البردي العتيقة ثم يسحب أربعة قوائم حديدية، يحفر الحفر القديمة ذاتها ، يثبت القوائم وفوقها يشد قماشا لمنح المكان بعض الظلال. يخرج الأشياء التي بباطن العربة ..يأخذ وقتا طويلا حتى لتخال انه لن ينتهي ..يحاول جرجس المساعدة ولكنه وبدون قصد يمنح المكان المزيد من الفوضى. عم عطا يضع كل شيء في مكانه كما كان في الثلاثاء الماضي وكل ثلاثاء منذ سنين لم يهتم أحد بإحصائها.
تفوح رائحة أشيائه عندما يفك أربطة الأكياس ويحملها الهواء إلى البيوت فيأتون.
لقد جربوا أشياءه منذ زمن فليس هناك مجالا للتشكيك والفصال. حناء ..زيت للقمل ..أمشاط للشعر ..أبر وخيوط ملونة ..وصفات تذهب مغص الصغار ..صابون بلدي بلا رائحة.. حبال لنشر الغسيل.. حجر أسود مملوء بالفراغات لغسل الأرجل ..كحل يجعل عيون البنات أجمل وأشياء أخرى كثيرة.
تجلس النساء والبنات حوله حيث تدلى برأيها من جربت وتتشمم من لازالت تحاول. يسمع البعض جرس دراجته فيلتفتوا .. جاء عم صلاح. ينزل من عجلته وهى لتزال تجرى ويأخذ عدة خطوات على قدميه “السلام عليكم يا خواجة ” فيرد عطا بصوته المنخفض العجوز ، ثم يلتفت إلى الابن ويقول “أزيك يا جرجس”.
جرجس يجلس خلف أبيه يراقب ما يحدث كأنما سيكتب عنه يوما. ماتت أمه وهى تلده كأمهات كثيرات، لم يتزوج أبوه ،تمنى ولكن لم يستطع إذ كان عليه أن يكسب عيشه ويعتني به. ترك محل العطارة الذي عمل فيه طويلا وحمله على يديه وارتحل، في كل مكان رضع جرجس من أي إمرأة وأكل في أي بيت. ولكنه إلى اليوم لا يسره إذا نظر إليه , فهو يتقافز كالكرة ويأكل الكثير ويسمع الأولاد يشككون في رجولته حتى بدأ يصدق هو الآخر.
لا أحد يلتفت إلى جرجس أو يهتم بما يفعل. لا يشعر أحد بغيابه بعدما يشبع عينيه من صدور البنات اللائي يملن على الفرشة. يحس بحرائق داخله… يمد يده كأنما يرتب الأشياء ويسحب صابونة… يذهب نحو حنفية نادي كأنما سيشرب، لكنه يقفز إلى الجنينه التي خلفها فتتحطم أوراق جافة كثيرة تحت قدميه ويهرب اليمام . هناك يكتشف ضعف نفسه من جديد ، يلقي بالصابون ويفرك يده بالتراب ، يعود وهو يود أن يحرق العالم ونفسه. يكتشف أبوه غياب اشيائه فيحرجه بنظرة حارقه ولا يتكلم.
يبدأ عم صلاح في إصلاح البواجير المعطلة وتتلوث يداه بالهباب ولكنه لا يبدو مهتما. تتوقف ذبابة على وجهه فيضربها فيتلوث وجهه أيضا . يخرج الحاج فتحي حاملا الشاي للرجلين وقد بدا فخورا بذلك السوق الصغيرة أمام بيته. يمسك كلا الرجلين بكوبه ويستريحان من العمل. يميل صلاح بالقرب من رأس عطا ليسمعه ويشتكى من زوجته العاصية فيرد عطا بحكمة ويهدئه ويكرر بأن النساء نعمة البيوت ومصابيحها. يظهر التناقض بين من حُرم ومن كَره؛ فصلاح كره زوجته فقط بينما أحب كل نساء العزب والقرى حيث يطيل التأمل وحرق سجائره وقد صارت كل النساء عنده جميلات ما عداها. في العادة يشتكى عطا من تعب السنين الذي يثقله وابنه الذي لا يريد أن يصير رجلا. في قرارة نفسه، يكره صلاح جرجس لبلادته، لكنه يترك في حجر الأب بعضاً من كلمات الأمل لتهدئه إلى حين “ياعم عطا ده راجل والراجل ميتخفش عليه “.
يجوعان فيأكلا البيض والجبن ، وحينها يبدوان منسجمين تماما كأخوين. بعد الظهر يذهب صلاح وبعد العصر يذهب هو. تنتظر البنات اللائي لم يتمكن من الشراء الثلاثاء القادم. وهكذا هناك دائما من ينتظر كل ثلاثاء إلى أن أتى ثلاثاء ولم يأت عم عطا.! صار جرجس صاحب العربة . بعد فترة مات الحمار ربما لأنه عجوز جدا، أو تعب من ثقل جرجس، أو أنه حزن على صاحبه.

يأتي جرجس عدة مرات حاملا جوال أشيائه على ظهره بعدما قلل مما يحتويه،
ولكنه يصل شاحبا يغطيه التراب وسخرية الأطفال . صار صلاح يجلس بعيدا ولم يعد الحاج فتحي يخرج شايا .
يأتي ويفتح أكياسه ولكن لا تبدو للأشياء نفس الرائحة . انقطع ولم يشعر أحد بذلك.
يؤكد الناس أنه صار خادما في الكنيسة منقطعا للعبادة، بينما آخرون ينكرون ذلك فقد رأوه مجنونا يطوف الشوارع ويجمع في جواله أشياء لا قيمة لها وقد زاد سمنة وشحوبا.

*عضو اتحاد كتاب مصر

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

يحكى أن

محمود الرحبي* يحكى أن دجاجتين هبطتا من جبال ظفار إلى السوق لشراء مؤونة. (حين كانت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *