ثقافة السرد

عذبة: رواية المأساة الفلسطينية- جزء 10

صبحي فحماوي

لم يجلس أبي كثيراً، فشعوره بالمسؤولية، جعله يذهب إلى مكان خارج المعسكر، إلى أين؟ لم أعرف! ثم عاد، وقد أحضر لنا، زنبيل عجوة، وتنكة مملوءة بدبس التمر الأشقر. أنزلها من على ظهر دابته، ثم قال:” هذا هو أساس الطعام، فإذا كان لدينا خبز وتمر، أمِنّا شرّ الموت جوعاً “! أشعر الآن أن أبي كان يفهم فلسفة الجوع، ففي اليوم التالي ثبّتَ ثلاث أحزمة من قش الذرة ،على شكل مثلث، أو هرم، أو مصغَّر خيمة هرمية الشكل، ووضع تحتها زنبيل عجوة، وتنكة دبس، وكتب عليها (دكان معسكر أنصار 7) وهكذا قامت أول تجارة في المعسكر. وفي اليوم التالي، ذهب إلى قرية مجاورة اسمها قرية أنصار8، فاشترى كيس طحين، وكيس قمح، حملهما على ظهريّ الحمارين المجهزين في الخدمة، وأحضرهما إلى الدكان، وقال لجدتي سعدة التي كانت بانتظاره: “الطحين هو أساس صناعة الخبز،والقمح هو أساس صناعة طعام البرغل؛ أرخص طعام ممكن توفيره في مثل هذه الأحداث “!
صار أبي يناضل لإيجاد الأولويات، بهدف محاصرة الجوع أولاً، ومن ثم لإشعارنا أن الدنيا ما تزال بخير، وكان متحدثاً لبقاً، ومُعلماً لمن هم معه. أتذكره يقول لنا:”لاتحزنوا وأنا بينكم، وإذا خسرنا الجولة الأولى في الحرب، فلن نخسر عقولنا وصحتنا”. وطالبنا بأن نكون متوازنين عقليا وصحيا أمام الأحداث. ولكن تعليقي الآن على وجهة نظر أبي، هو أنه إذا كان مظهر الإنسان متوازناً، ليظهر أمام الناس على أنه بكامل قواه العقلية، فلا يعني ذلك أنه متوازن كذلك من الداخل، فلقد تم تدمير الإنسان الفلسطيني من الداخل بهذا التشرد والقتل، فصارت شخصيته مهشمة مطعوجة مجعلكة مشوهة من الداخل ، صار الفلسطيني مثل بذور التجارب التي يضعونها في مختبر فرن ذري، يرسل عليها أشعة ذرية، فيغير معالم كروموسوماتها، وخارطتها الوراثية، ثم يخرجونها ويزرعونها للإكثار، فيموت بعضها، وبعضها ينبت بأشكال جديدة، منها الهزيل الضعيف، ومنها العملاق الهائج، ومنها المختلف في الشكل أو الطعم أو الحجم أو اللون، ومنها المتطور المنماز عن كل ما حوله، ومثل تلك البذور، خرج الفلسطينيون من فرن الإحتلال الذري، مختلفين في سلوكهم عن الآخرين، فبعضهم حفر الأرض بأظافره، وسكن في مدن مشيدة تحتها، بهدف الإصرار على البقاء ، وبعضهم استطاع بعد لأي أن ينفذ من أقطار السموات، وبعضهم تهاوى وبقي قاعداً كاللطخة في وجوه المحتلين. هكذا كان الناس يُجمِّعون أشلاء أسرهم تجميعا، مثل مكعبات الأطفال المسماة”الليجو”. فلا يهم من هو غائب! المهم تعاون من هم حاضرون، لتثبيت أسس البقاء، مجرد البقاء! وبسرعة أنشأ فرج أبو ظريف غرفة مقهى من الصفيح المضلّع، في قاع المعسكر، وثبّت فيها بعض تنكات الدبس الفارغة المقلوبة، وفوقها قطع من زنابيل العجوة الفارغة، لتكون على شكل مقاعد، ووضع أنصاف براميل مفرغة، أسطوانية كبيرة، لتكون على شكل طاولات صغيرات كالمناضد، فأخذ الرجال يتحلقون حولها، بهدف لعب الورق، أو شرب الشاي أو القهوة، أو مجرد التجمُّع حولها – فالإنسان مدني بالطبع – ثم أخذ يطورها بمقاعد صغيرة، أرجلها مصنوعة من خشب الحور، أو ما شابه ذلك، وقواعدها من جدائل البوص، يضعها حول طاولات خشبية واطئة، يدقدقها من أخشاب صناديق تائهة. وجاءت وكالة الغوث. ولا أفهم لماذا سموها وكالة، فنحن لا نعرف غير الوكالة اليهودية، والوكالة التي تعطيها البنت القاصر لوليِّ أمرها ليزوِّجها، فيوقِّع نيابةً عنها على عقد زواجها من رجل كريه على شبابها ورِقَّتها. وكلها تعمل بالوكالات! كل يتصرف بالوكالة، على مبدأ”الدومينو”!
أنا أخرِّفك يا عذبة، ولا يعني هذا أن الخرّافيات، مأخوذة من العجائز الخرفة، فلم أصل بعد إلى سن الخَرَفْ، وأنا أراكِ في مخيلتي تتماوجين كأوراق النباتات البرِّية الندية،وأشم رائحتك في عبق الغابة الظليلة.. فرغم تداعيات الهجرة؛ من الشهداء والقتلى، وهدم البيوت، والتهجير، ورغم الأسلاك الشائكة، وتلوث البيئة، والفقر والجوع والمرض والحرمان الذي أتلف الكثير من كينونتي، وما بداخل صدري، إلا أن قلبي ما يزال فيه متسع كبير لحبك. وحبي لك هو المسوِّغ الوحيد لبقائي. إنك الشعلة التي تنير دربي في ليل حالك السواد، خلال خمسة وأربعين عاما مضت، لم يظهر نهاره بعد، ولن أرى النور، إلا بلقائك! ترى كيف سيكون هذا اللقاء؟ هل يكون كاندفاع الموج العاتي، على رمال الشاطىء الحالم، حيث يقذف الموج غيلماً وسلحفاة، يَغُذّان خطاههما، مقتربين من بعضهما على رمال الشاطيء بالأحضان؟ أو كتلمُّس الغيوم الرطبة الباردة لأوراق الأشجار المكتظة في قمم الجبال، والتي تتحوّل ليلاً إلى قطرات ندى، ثم تتلألأ صباحاً تحت أشعة الشمس الدافئة، الممزوجة برطوبة وظلال الكرمل؟ هل يكون لقاؤنا كلقاء الأمطار الغزيرة بالأرض المشقَّقَةِ التربة عطشاً؟ سيكون لقائي بك كالماء الذي يُسقى به المتهالك في الصحراء، من شدة العطش. أنا الأرض العطشى، وأنت المياه العذبة، أناشدك أن لا تغيبي، وأن لا تكوني كالقمر الذي يختفي، تاركاً عشاقه في لجّةٍ من الظلام، وسالباً منهم كل لذة امتصوها من رحيقه، وتحت أنواره الرومانسية الهادئة! أناشدك أن تسكني إليّ حسب قوله تعالى:
” وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً..” أريد أن أسكن إليك! أريدك..!
وفوراً جاءت وكالة الغوث بالمؤن والطحين، وجبنة القشقوان الصفراء، وزيت “الكوكز”، وكذلك البطانيات، فوزعوها علينا، لإثبات إنسانية القاتل، وكان الناس متعودين في فلسطين على زيت الزيتون، فرفضوا زيت “الكوكز” ولكن أبي كان يقول: “الجوع ذلاَّل! والعطش قَتّال”! وبسبب الذّل؛ أقصد بسبب الجوع، رضخ الناس لأكل زيت الكوكز، وتعودوا عليه، ولماذا لا يرضخون؟ ألم ترضخ نمور زكريا تامر في اليوم العاشر بسبب الجوع، فتتحول إلى قطط هزيلة تموء؟
وبعد ثلاثين سنة من ذلك التاريخ، ركبت سيارة أجرة، في لوس أنجلوس بأمريكا، وكان سائقها رجلاً أسودَ، فسألني وهو يتابع النظر إلى الأمام: “من أين أنت “؟ قلت له بتصغير الأكتاف:” من فلسطين”. فانفعل السائق الأسود، وهو يحاول أن ينظر إليّ قائلاً: “هؤلاء المجرمون”! قال وهو يهز قبضته الفولاذية “يقتلون الفلسطينيين، ويتهمون المقتولين بأنهم إرهابيون، ثم يتبجّحون بكرمهم، فيتصدقون عليهم ببطانيات وأغطية، للف جثث القتلى! وهذه قمة الكرم الغربي! إنهم يقتلون القتيل، ثم يمشون في جنازته!
وعندنا هنا تحت نظام رأس المال” تابَع الأمريكي الأسود حديثه قائلاً : ” يضطر الفقير أن يقتل ليعيش! ويضطر الغني أن يقتل ليعيش! فالفقير ليس قاتلاً بطبعه، ولكن الحياة أمامه أحياناً تبدو على وشك التوقف، فيضطر للقتل، ليفتح لنفسه طريقاً استمراريةً للحياة، وكي يعود إلى بيته ولو بحدِّ الكفاف من الطعام والشراب، ولأطفاله وزوجته مشحوناً بالحب والعاطفة! إنه القتل من أجل البقاء! والغني الذي يشعر أنه محاصر بين الحسد والنكد والمنافسة التجارية، وضغط زيادة ساعات عمل موظفيه، واقتطاع الأموال من أجور العمال، بهدف التوفير، ونمو رأسماله ، ليقوى فينافس الحيتان الواقفين له في عرض السوق، والمحاولين تحطيمه، ليصعدوا هم على قمة جبل رأس المال، فيضطر للقتل ليس بهدف القتل، بل ليفتح الباب الذي أوشك على الانغلاق. يقتل بهدف البقاء أيضاً، ثم يعود إلى بيته فيسمع موسيقى بيتهوفن وموزارت”!
ولكن هؤلاء الذين قتلونا في حيفا ودير ياسين والطنطورة ، لم نكن منافسين لهم في رأس المال، ولم يكونوا فقراء، ليتطاحنوا معنا على حُب البقاء. لقد جاءوا من بلاد الغرب وروسيا الجميلة! كنا نعتقدهم سيّاحاً أو زواراً كرام، فإذا بهم..!
وبسبب الجوع أيضا، قامت معارك جانبية، ففي الوقت الذي لم يكن فيه للمهجّرين أي مصدر رزق، لا أرضاً يزرعونها، ولا عملاً يعتاشون منه، فإن وكالة الغوث، أعطت المؤونة والغوث للاجئين؛أهل المدن وأهل القرى، وحرمت منه البدو. إذ قالوا يومها:” لم تكن للبدو أرض يفقدونها، فهم رعاة متنقلون في مرج بن عامر، وصحراء النقب، وبئر السبع وغيرها، ولذلك فهم غير متضررين من الهجرة، وهم متعودون على الهجرة بمواشيهم القابلة للنقل، وعندما تمت الهجرة، فالذي هاجر بمواشيه وأغنامه، ليس منكوباً كأهل المدن والقرى، ولذلك فالخدمات التي تُقدِّمها وكالة الغوث، ستوزع فقط على أهل المدن والقرى الذين فقدوا بيوتهم وأراضيهم ومتاجرهم ومصادر أرزاقهم، فثار البدو، وهجموا على خيمة مكتب الوكالة، وكأنهم يخرجون من بيت دبابير متضرر، فيهاجمون كل من في وجههم. وفوراً سحبوا الأعمدة من تحتها .
كانت خيمة كبيرة وطويلة، ومتميزة عن باقي خيام اللاجئين، ترفعها عدة أعمدة، لتغطي مساحةً يتحرك تحتها اللاجئون والموظفون، ويوضع تحتها التموين المراد توزيعه. فوقعت الخيمة، وتدافع الناس يدوسون عليها، وثار غبار كثيف غطى السماء والأرض في وجوه العباد، فصار الناس لا يعرفون هل هم في الأرض أم في الفضاء، وأعاد المشهد لهم روح حروب داحس والغبراء في وديان ذات خضرة داكنة تغرد على أغصانها البلابل وتهاجم البوم صغار عصافيرها وتهرب سباع أبو زيد الهلالي من مغاراتها فتلحق بها دبابات لكل منها أربعة أرجل فولاذية تمتد الرجل الواحدة فتمسك بالسبع بأظافرها التي تقدح شرراً فيتحول السبع إلى أرنب هزيل مرعوب ضامر ليس له سوى الجلد والعظم فتمتد له يد امرأة من الفلاحين برغيف خبز خارج من تنور طابونها فيقول لها باسماً مليش نفس وتقع الفلاحة في سيل الينابيع الحمراء فترتوي عطشاً وماءً أحمر تشربه خيول الفرنجة المصطفّة على جانبي جدول البركان الناري الجميل فتزداد صحة وبهاءً وتخضر ألوانها فينهرها راكبوها ذوو الأجساد الفولاذية ويقولون لها لقد تأخرنا يا سفن الصحراء تبّاً لك فترتدع الخيول من تلقاء أنفسها وتبتسم بخجل وتلوي أعناقها اتقاء نيران المعسكر التي بدأت تذوي وتضمحل على أثر سيارات إطفاء الحريق التي انتشرت تحاصر المكان محمولة على جحوش تنهق بأصوات أنكر من صوت الحمير ثم هجموا على عباس حمزه؛ مدير مكتب الوكالة في المعسكر وضربوه! فهرب وهو يتلقى ضربات مدمِّرة ! وضحك الناس يومها وهم يشاهدون المدير؛ أكبر شخصية دولية في المعسكر، يركض هاربا ! كانت تلك أول انتفاضة مجنونة داخل المعسكر، ويومها صاح البدوي المخضرم أبو مشعل قائلا: ” نحن العرب في بلاد الهجرة، ممنوعون من الإسعاف الغذائي، من قِبَل الوكالة، وكذلك العرب داخل فلسطين المحتلة، مفروض عليهم التجنيد الاجباري مع المحتلين. البدو هنا مستهدفون، وهناك مستهدفون! يبدو أن هناك استهدافا باستضعاف العرب. يا قوم، نحن لم نهن بعد، وسنقاوم كل استضعاف لنا”! وهكذا تجمَّع العرب، ومعهم معظم رجال المعسكر من فلاحين ومدنيين وبدو، وقرروا؛ إما أن تصرف الوكالة المساعدة للجميع، وإلا سيرفضها الجميع! وبعد مداولات واتصالات، تم ترقيع القضية، وأعيد عباس حمزة، من حيث هرب، وقام أبو مشعل، فتصافح مع المدير بالأحضان، وطلب منه التصالح، وأيضاً طلب عباس حمزة من الناس التسامح ، وتمتم الجميع بعبارات التضامن، في تلك الظروف التي لا تحتاج.. وقال أبو مشعل:”كلنا أهل وأخوة”. وعدّل المدير ربطة عنقه الزرقاء مثل شعار الوكالة الأزرق، وقال بعد أن تنحنح:”لقد اتصلت من أجلكم بإدارة الوكالة، فأبلغوني أن صرف بطاقة التموين سيكون للجميع بلا استثناء “.
ظهرت تغيرات اجتماعية سريعة، خلال أيام معدودات، وأخذ الناس يتجمعون ويتزاورون، ويبحثون الّلعنة التي حلّت بهم! ففي مقهى فرج أبو ظريف الصفيحية الترابية الأرض، جلس شبان وشيوخ يتناقشون، ويفكرون بأصوات عالية: هل هي مجرد أيام أو أشهر، أم سنين وعمر، والذي فات مات؟ ترى من هُجِّر مع المُهجّرين، ومن بقي هناك من الأقارب والجيران والأصدقاء؟ من قُتل؟ ومن مرض؟ ومن بقي حياً يرزق، حتى هذه الأيام؟ من جاع ؟ ومن عري؟ من تعرض لتعذيب وحشي؟ ومن اختبأ بين الغابات؟ من أغلقت عليها نيران الدبابات طريق بيتها، فلم تستطع احضار طفلها من سريره، فوجهوها بالنار باتجاه سيل البركان الهادر، فبقي الطفل هناك يصرخ إلى أن خلص كازه! من ركب هو وعائلته قارباً من قوارب الصيادين، وغادر مبحراً إلى قاع البحر؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق