الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | الكتابة إذ تتصف ببوح الروح.. حنان بيروتي نموذجا

الكتابة إذ تتصف ببوح الروح.. حنان بيروتي نموذجا

بقلم: أسعد العزوني

تستحق قصص المبدعة القاصة حنان بيروتي الحصول على أفضل الجوائز واكبرها، كونها لغة انثوية بإمتياز ،تمتاز بالرقة والحنان وتتسلل داخل ثنايا النفس البشرية بسلاسة ككلمة مغنجة ،صدرت من بين شفاه حسناء تعرف لمن توجه كلامها وكيف تخاطبه للوصول إليه ،وهكذا وصلت المبدعة القاصة حنان بيروتي التي لا أعرفها شخصيا ،إلى ما تريد وتربعت على عرش القصة العربية ملكة متوجة تستحق التاج بجدارة.
قبل أيام وقعت بين يدي مجموعة قصصية صادرة مؤخرا عن دار فضاءات الأردنية للنشر والتوزيع بعنوان “ليت للبحر لسانا يحكي”تحتوي على18 قصة ،في نحو 200 صفحة من القطع المتوسط ،مزدانة برسومات للفنانة ربى باروتجي،ولم تستغرق المجموعة مني سوى سويعات حتى أنهيتها بتمعن مفعما بالإنبهار ،وقدرة الكاتبة على نسج الكلمات والمشاعر وتصوير الأحاسيس ،وشعرت تماما أنني رفيق الكاتبة في جولاتها البوحية ،تماما كما أشعر وأنا أقرا لكتاب امريكا الشمالية.
الإنطباع الأول والأخير الذي خرجت به عن كتابات حنان بيروتي أنها تسلب اللب والروح ،لأنها نابعة أصلا من اللب والروح ،ولذلك كان وصولها إليّ سهلا كسهولة خروجها من نفس ومشاعر كاتبتها ،التي تتميز بالصدق والحلاوة التي تضفي على الكلمات الطلاوة.
كلمات القاصة المبدعة حنان بيروتي مفعمة بالطلاوة وهي طرية لخلوها من الجفاف ،وطبيعية لبعدعا عن التكلف ،وهي تشبه نبع المياه الذي يتفجرمن جبال لبنان على سبيل المثال في شهر آذار بعد هطول مطري وثلجي كثيف في الكوانين وشباط على وجه الخصوص،وهي ليست من طراز الوعي والإرشاد ،وبعيدة عن الفوقية .
تمتاز كلمات القاصة حنان بيروتي بجزالة اللفظ وحلاوة المعنى ودفء الأحاسيس وبسهولة إشتقاق المعنى، الذي نجح في الوصل والتواصل حتى مع الحواس الخمس ،فالأذن تتقمص سماع الكلمات والعين تتقمص رؤية الحركات والإنتقال إلى الأمكنة الحوارية لتصوير المشاهد ،فيما يتقمص الأنف شم رائحة المكان الذي تتحدث فيه بيروتي مع شخوصها ،حتى ان اللسان يتلمظ ويسيل لعابة أيضا تضامنا مع إخوانه من الحواس ،بينما اليد تتقمص الإمساك إما بيد حنان بيروتي او بأيدي شخوصها لتحضرهم لها طائعين.
هذاالوصف الذي تستحقه حنان بيروتي لا يقتصر على قصة دون أخرى ،بل ينطبق على عموم نتاجها الأدبي المطعم حد الدمج بالفن ،لأن مخاطبة الآخرين والكتابة إليهم تعد فنا لا يجيده إلا من المبدعين، الذين تشربت أرواحهم دفء المشاعر والأحاسيس الصادقة ،والتي لا يبغون من ورائها سوى إيصال رسالتهم بطريقة جزلة مقبولة غير مكلفة ولا تتعب المتلقي أو تصعب عليه إشتقاق المعنى.
تجذبك القاصة المبدعة حنان بيروتي لمتابعتها وهي تكتب امشاعرها واحاسيسها الصادقة ،حين تربط الإسم بالمسمى ،ففي قصتها بعنوان “ليت للبحر لسانا يحكي”وهو عنوان المجموعة ،تبدأ القاصة المبدعة قصتها ب”حنين معتق تحمله أمواج البحر المتتابعة وهي تتكسر على الشاطيء بل ملل منذ مئات السنين ،للبحر سحر خاص يستثير الحواس ويأسرها،تحسه يفهمك يتفاعل مع أحاسيسك ويحاورك، لكنها المرة الأولى التي أحس فيها ان البحر غريب عني، والوطن أدار لي ظهره،وبدأ الحنين ،الدفء يتنصل مني ،أريد الرجوع ،ليتني….، “ليت”الكلمة الملعونة التي لا تفيد!لم يسمعني أحد، وحدى أصرخ بلا صوت،والقارب المتخم بأجسادنا المتراصة يشبه علبة سردين، ونحن ننظر وننتظر بعيون محدقة نحو المجهول.شريط ذكريات طويل يمر أمام عيني…”ليت للبحر لسانا يحكي”.
اما في قصتها الثانية بعنوان “حلم”فتبدأ بالقول :قالت المرأة للسجان انها لا تطلب هذه المرة زيادة كمية الطعام او تحسين نوعيته ،ولا زيادة ربع ساعة فسحة وإنما تطلب شيئا آخر هو الحلم.”
وتبدأ في قصتها الثالثة بعنوان “جرح مفتوح” بالقول :هل هو الألم الذي يعتصر قلبي إتجاهك؟!لكنه ليس ألما عاديا يحتمله البشر ويذرفون الدموع التي تطفيء اللهيب واللوعة ،ألمي عليك أخرس ،ولا أستطيع البوح به لإنسان لأجلك ،لأنه –إن تجرأ على إعلان نفسه سيتبع بألف طعنة لاحقة!
وهكذا دواليك فإن قصص المبدعة حنان بيروتي مترابطة العنوان والمضمون وتخلق ألفة غير عادية بينها وبين شخوصها من جهة ،وبينها وبين قرائها من جهة أخرى،كما ان حسن إختيارها لعناوين قصصها يدل دلالة واضحة على تمكنها من إبداعها وتطويع بوصلتها لمشاعرها.
كلام الصورة

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

أضواء على كتاب جميلة بوحيرد

بقلم: الدكتور محمد سيف الإسلام بوفـلاقــــة* يظل الحديث عن المجاهدة الأسطورة الرمز جميلة بوحيرد، وتجلياتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *