حوارات هامة

علاوة كوسة: كثيرا من دارسينا أسّسوا للمحسوبيّة الضّالة في تعاملهم مع الأعمال الجادّة

حاورته: جميلة طلباوي

علاوة كوسة اسم لكاتب شاب جزائري يعمل في صمت دون أن يثير صخبا، يعرّف بأخر إصدارات الكتاب و الشعراء الجزائريين، يحاول أن يقارب مختلف الأجناس الأدبية بحسّ جمالي. صاحب “ارتعاش المرايا” يحاول أن يرى في مرايا الواقع ذلك الحرف المدهش والكلام النّابض بالصدق فيما يُكتب من نصوص. كان من بين الذين دعوا إلى تنظيم جبهة لكتاب القصة القصيرة في الجزائر، وفعلا رأى الحلم النّور بتأسيس الرابطة الوطنية للقصة القصيرة بمدينة سطيف في مارس2010م. صدرت له مجموعة شعرية “ارتعاش المرايا” و له في الشعر مخطوط “الظل”، في القصة القصيرة له مجموعتان قصصيتان تنتظران النشر: “أين غاب القمر؟ و “هي..و البحر”، في الرواية له تحت الطبع:أوردة الرخام. لنتعرف أكثر على رحلته مع الكتابة و النقد كان لنا معه هذا الحوار.

في صمت الأنبياء تعمل لا ضجيج تحدثه، كلّما تفعله قراءات لكتب صدرت، متابعة نصوص نقديا، نشر أعمالك في الصحف والمواقع الالكترونية، هل في هذا رسالة لنا جميعا بأنّ الوقت وقت عمل ولا مجال للثرثرة و الصخب؟

صدقت… للأنبياء رسالة وللإبداع أنامل تحميه.. وأنا لا أملك إلاّ أن أعمل في صمت. وسمت… بعيدا عن ثرثرة الأرصفة الأدبيّة الفارغة  وضوضاء السّاحة الثّقافية الموبوءة.. ببساطة.. أحاول أن أكون قارئا جيّدا للنّصوص الأدبيّة، مطوّرا في ذلك من أدواتي القرائيّة، لأكون في مستوى إبداعات الآخر الذي أحترمه بعيدا عن صخب الانتماءات  ودنس التّنظيمات، فالأطر أبدا لم تصنع المبدعين ولا الإبداع.. لي واجب كما أعتقد وأنا الباحث في الأدب الجزائريّ – أن أقارب مختلف الأجناس الأدبيّة بحسّ جماليّ، وأساهم قدر ما استطعت في إعطاء صورة مشرقة عن أدبنا الجزائريّ الذي يحمل تميّزه.. رقيّه.. في ذاته ولو كره المتنكّرون من أبناء جلدته، كما أريد أن أضيف شيئا آخر.. قلقا آخر: وهو أني أعمل جاهدا للتّعريف بآخر الإصدارات ومقاربة كثير منها لأنّ كثيرا من دارسينا- أقولها بكلّ مسؤوليّة ـ أوجدوا وأسّسوا للمحسوبيّة الضّالة القذرة في تعاملهم من كثير من الأعمال الجادّة .. القيّمة.. وصارت دراساتهم لأشخاص مقصودين للتشهير. والمجاملة، ومآرب أخرى لا تخدم الإبداع والأدب… وظلمت كثيرا من الأقلام، ووجدتني في كلّ هذا أحاول أن أعرّف بكلّ جديد في أدبنا الجزائري.. والنّص تأشيرتي إلى ذلك وليس صاحبه

ارتعاش المرايا عنوان مجموعتك الشعرية ، إلى أيّ مدى يمكن أن ترتعش المرايا دون أن تتشظى أو أن تنكسر ؟

علاوة كوسة: بصراحة “ارتعاش المرايا” هو عنوان مجموعتي الشعرية الأولى.. وللمرايا وجود غريب في حياتي.. وفلسفتي ورؤاي ؟؟ لأنّها أنتَ وغيرك في الحين نفسه..لأنها ضروريّة حدّ التّماهي.. صادقة أكثر من أقرب النّاس إليك ..تقولك متى شئت وكيفما أنت.. لا كما تشاء أن تكون. وحين ترتعش المرايا.. فبرد بأعماقك أو رهبة على محيّاك،  أو دهشة بين ذا….وذاك، أسهل المواقف على المرايا أن تنكسر، أو تتشظّى. والأصعب  المقلق المدهش الرّهيب عليكما معا أن ترتعش.. فتستنطقك رعشة الكتابة.. لحظتها.. وتقولها ـالمرآةـ كما لم تقلك من قبل.. فتتعدّد أيّها الشّاعر. وتتشظّى. وتنكسر وتبقى المرايا ناظرة إليك مستمتعة.. أليست المرآة هي الدّافع .. والمحفّز، والسّامع، والوفيّ.. وهذا ما لا يتوفر في أيّة أنثى إلاّها.. أمّا عن تجربتي الشّعرية فهي بسيطة طبعا مقارنة بتجربتي القصصية والرّوائية.. أكتب الشعر منذ ما يفوق عشرة انكسارات وصدمة..حسّست من خلالها الخليل بأنّ أجمل ما في أوزانه العلل وأنّ الجوازات الشّعورية نابت عن الشّعرية.. وبأنّني بنيت على بنائه ولست سعيدا بذلك.. فبداوتي.. وتناثري.. وترحالي أهمّ.. أجمل من ثباتي -أنا المتحوّل -.. لي في الشّعر “ارتعاش المرايا” و”الظّل” مخطوط، وبصراحة، لا أعتقد أنّني شاعر، فلن أضيف فيه شيئا.. هو مجرّد وفاء .. أو محاولة تحقيق نبوءة لعرّافة ما.. قالتها يوما ورحلت، وبدل أن أهبها كفّي لتقرأها وهبتها مرايا مرتعشة  فوحدها تعرف سرّ ذلك.

خيالات عنوان إحدى قصائدك الشعرية، ناجيت فيها بلقيس واستحضرت البراق و قلت أنّك تكابر ألف جرح، إلى أيّ مدى يسندنا توظيف الموروث في البحث عن نص حداثي يساير العصر؟

أعتقد جازما أنّ لكلّ شاعر مرجعيته/مرجعياته التي ينطلق منها، ولهذه المرجعيات أجهزة مفاهبمية  وإحالية كثيرة.. متعددة وفي خضمّ هذا التّباين والاختلاف في المرجعيات لا يستطيع أيّ شاعر في اعتقادي أن يجعل نصّه نابعا من فراغ، إذ لكل شاعر موروث إنسانيّ.. دينيّ.. أسطوريّ يتّكئ عليه في إنتاج نصّه ويتعالى على النّص كمعطى إبداعيّ.. هذا المسلّم به.. لكن ّالأهمّ هو كيفيّة التّعامل مع هذا الموروث ؟؟ فمن السّهل أن توظّف الرّمز الدّيني.. أو الأسطوريّ فهل فقهنا استعمال هذه المتعاليات النصّية حتى تكون ذائبة منصهرة في ثنايا نصوصنا.. مشعّة أكثر بالقدر الذي نتوقّعه وتتموقع فيه هي داخل هذا المعطى الإبداعي؟؟ والحداثة ليست أبدا قطيعة مع التّراث بكلّ أشكاله، إنّما هي رؤية واعية إليه.. ورؤيا بعيدة من زواياه.. فالنّصّ الحداثيّ ليس انفلاتا وتخلّصا من إرث السّابقين.. وليس تمرّدا على قوالب الأوّلين.. وليس تجريبا بما لم يجئ به الأوّلون. إنّه انصهار اللحظة الراهنة في أمسها.. لتنطلق إلى غدها متكاملة.. إنه قراءة التراث بأدوات الحاضر التي لا تخرّبه ولا تلغيه.. بل تعيد تجزئته.. تفكيكه وبناءه.. لن أتصوّرني أكتب نصّا شعريّا أو حتىّ قصصيّا /روائيّا دون أن يكون معطّرا.. بمسك التّراث ولو في الجيل السّابع التّناصي /الالتفاتي.

قلت في قصيدة أخرى : أو تعشق الفنّ الأصيل و تترك العود العراقي الطروب يخدعه الوتر؟ هل هي كتابة الوعي التي يتطلّبها الراهن العربي؟

آه..أنا أكتب عن أدقّ تفاصيلي، وأموري الحياتية الخاصّة، فأجدني ذاكرا..هموم وطني.. وأمّتي، وإنسانيتي، إنّي الجزء من هذا الكل. إني أقرأ أيضا الرّاهن العربي بعيدا عن لغة السياسة العرجاء، والعنتريات الشوهاء.. أنا لست إلا عاشقا للطرب الأصيل، فكيف لا أنتفض حين يخدع الوتر عوده، وتخون الأصابع ناياتها، وتقدّ الأظافر أوتارها.. يبكيني فراق حبيبتي نعم/وغدر صديقي نعم/ويؤلمني جوع جاري ربّما../ولكن أبدا أبدا لن يسرّني أن أرى أوطاننا العربية مذبوحة، وأقطارنا الإسلامية على مرمى خطر.. لذلك..أحاور في شعري كثيرا هذا الذي يحدث هنا وهناك بألم كبير..فليس ثمة ما يدعو للفرح..

من هم أولئك الأدباء و الشعراء الذين مكثت في محرابهم قبل أن تُخرج كلماتك إلى النور؟

أقولها ثانية، إنّ هدفي في الحياة هو أن أكون قارئا جيدا لما حولي ومن حولي، وإني أجتهد كثيرا كي أقارب وأقترب من تجارب السابقين غير معجب حدّ الانصهار..ولا رافض..حد ّالنفور، وكانت مطالعاتي منذ سن المراهقة الجميل المحزن، الأسيّ، تتركز حول كل نص رومانسي غارق في الذاتية، العاطفة الطبيعة والخيال، والمآسي.. فقاسمت جبران مآسيه، والمنفلوطي دموعه، وطاغورا الهندي غناءه الحزين المتفائل، وتنفتح أبواب الجامعة- هذا الوهم الجميل-أمامي لأصبح قارئا لكل نص أصادفه، لكل كاتب ألاقيه روحا إلى روح في ثنايا الكتب….وبدأ- ربما – يتشكل الوعي الميل في نفسي وذاتي القارئة مؤخرا، وأصبحت أميل إلى قراءة القصة الجزائرية والعربية عموما، وما تيسر من مترجمة إلى العربية من نصوص أجنبية..أما التأثر، فكان في زمن ما، ومرحلة ما، أما في الحاضر، فأتأثر بالجمال الكائن في تفاصيل النصوص المدهشة، المقلقة، القائلة، السائلة لا بأصحابها، أو هكذا يبدو لي..

علاوة كوسة قاص أيضا، كيف تبني عوالمك القصصية؟

لعل القصّة القصيرة هي الجنس الأدبي الذي يستهويني أكثر، وكانت لي محاولات عديدة من زمن مضى. لي في القصة مجموعتان تنتظران النشر: ” أين غاب القمر؟؟”” هي.. والبحر “، هذه الأخيرة هي عبارة عن ومضات قصصية مكثفة، قصيرة جدّا، ربما هي تجريب بالنسبة إلي – على الأقل- في هذا الجنس، وبهذه الطريقة، وبصراحة تجيئني الفكرة أّوّلا، أجيئها بلغة مناسبة ثانيا، نراود الشّكل ثالثا، ليلد النّصّ مرضيّا عنه رابعا، وللقارئ حقّ الحكم. هذا ما كان مني اتجاه مجموعتي القصصية الثانية” هي والبحر”.

كنت من الذين دعوا إلى تأسيس جبهة لكتاب القصة القصيرة في الجزائر، هل ترى بأنّ هذا الجنس الأدبي ظلم بين الشعر والرواية؟

أقولها بكلّ واقعيّة وحيرة علميّة:إنّ القصة القصيرة جنس أدبيّ لم ينل حظه من الاهتمام والمتابعة من المهتمين والأدهى والأمرّ تغييبها حتىّ من ذوي الاختصاص، ولك أن تتساءلي معي كيف أن هذا الجنس لم ينل حظّ الدّرس الأكاديميّ في جامعاتنا – في مذكرات ورسائل وأطروحات التخرج-إلا بنسبة ضئيلة وعلينا أن نتساءل بمسؤولية وروح علمية عن أسباب هذا العزوف الكبير.

بعد تنظيمكم للملتقى التأسيسي لرابطة القصة القصيرة، ما هي الآفاق، وهل تحضّرون لجديد في هذا الإطار؟

كانت الفكرة جماعية مع أدباء، أكاديميين، ومهتمين، حيث أردنا تشكيل جبهة/رابطة لكتاب القصّة القصيرة والمهتمين بها، وسطّرنا لذلك عدّة أهداف، وبالفعل أسّسنا هذه الرابطة بمدينة سطيف مارس 2010، ولا زلنا ننسق لعقد لقاء ثان نتدارس فيه نقاطا جديدة.. ولكن الأهم في الوقت الحالي هو اقتراب موعد إطلاق أوّل موقع اليكتروني جزائري يختص بجنس أدبي خالص ألا وهو موقع القصة الجزائرية القصيرة، فالموقع جاهز، فقط هناك بعض الترتيبات واللمسات الأخيرة ليكون الموقع جادا، ومرجعا هاما للباحثين والمهتمين بشؤون القصة الجزائرية القصيرة.. وأوّجه دعوة بعدها إلى دارسي الأدب الجزائري والغيورين عليه، وهم كثيرون بالالتفاف حول هذا الموقع، وهذا الإنجاز ليكون مرآة من مرايا أدبنا الجزائري العظيم.

ماذا تقرأ حاليا؟

أصدقك القول إني أقرأ لكاتبين في الآن نفسه، ولا أدري لماذا، أو هي برمجتي الصيفية هكذا.. أقرأ للدّكتور محمّد الصالح خرفي كتابه الرائع: “بين ضفتين “وهو مرجع هامّ لكلّ دارسي الأدب الجزائري، والدكتور خرفي كاتب وناقد فذّ، ومقارب جيّد نموذجيّ للإبداع الجزائري المعاصر، أما الكتاب الثاني فهو للدكتور سفيان زدادقة تحت عنوان “الحقيقة والسراب” قراءة في البعد الصّوفي عند أدونيس مرجعا وممارسة، ومن خلاله أعيش الآن بعض فصول التحول بوعي.. كما أنني في بعض الفترات أقرا نصوصا في العالم الافتراضي، ويفترض أنها هامة أيضا، فكثير من صانعيها- مبدعيها- لم تتح لهم فرصة النّشر الورقي، وهم أهل لذلك باستحقاق، ولنا في أقلام أصوات الشّمال أمثلة كثيرة.

على ماذا تشتغل حاليا ؟

جديدي الأدبي، هو كتاب فرغت من إعداده مؤخرا تحضيرا للطبع، وهو في مجال  الأدب الجزائري، تحت عنوان:”انطباعات في الأدب الجزائري” وهو عبارة عن مجموعة مقالات سبق وأن نشرت في الصحافة الوطنية، ولكن ّالأهم بالنسبة إليّ هو انشغالي على كتابة رواية ثانية، أكاد أضع آخر شهقاتي/لمساتي عليها، في انتظار صدور روايتي الأولى “أوردة الرّخام” قريبا بحول الله..

لك أن تقول ما تشاء.

سأقول..سأقول.. ..أشكر لكم.. وأقول أيضا.. ” لو يتاح لي أن أعود ثانية إلى تلك الشواطئ.. لألمح الوجه الذي صيغ من مليون زهرة، وأحمل إليه أصابعي وقد أعدت ترتيبها، لتكتب، وتكتب، وحين تتعب، تكتب أكثر وأجمل وأرقى..وأخلد..”

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق