ثقافة السرد

سمراء

يعقوب درويش

قرية متعبة لم يتجاوز عمرها الأربعين, استرخت بهمومها وبجدائلها بالقرب من الحدود وكأنها على موعد أو هي تستعد للهجرة ومغادرة البلد, حطت ترحالها على طرفي طريق إسفلتي, أنهكته عجلات السيارات وأقدام المارة, يحرسها من الشرق واد قادم من الشمال , وتحيطها روابي مبعثرة تخفي خلفها حكايات العشق , وصوت ناي يصدح بحزن يداعب أهداب الحب , فتتمايل أزهار الهوى وأجساد الصبايا , قرية تزين جيدها بقلادات الهوى , وبيديها تحمل أزهار البساتين , استقبلت أهلها المتعبين بهموم الحياة , حاملين أسمالهم وأطفالهم , قادمين مرغمين وعيونهم للخلف عيونهم تحدق بحنين صوب ما تبقى لهم من جذور.

في تلك القرية المنسية ترعرعت ابنتها السمراء, ومرت طفولتها الريفية دون أن تدري بأزقة القرية, مرت بساحاتها المفتوحة والممتدة, وعبرت للأفق اللا محدود, انتقلت من ساحة الفرح والدلال , إلى باحة الحزن والحرمان. . وبدون أن تدري تفتح ورد عمرها, بعيون ملأ بالتحدي والألم والضياع. . ألم يحمل أسئلة دون جواب, وألم الفراق الأبدي, وضياع بين الحلم والواجب والواقع, لكن بدون أن تدري باتت الغيمة السمراء في السماء. غيمة كلها إغراء لا لأهل قريتها وحسب , بل لكل البساتين والحقول العطشى, للأرض التي شققها الحرمان .

هذا الصباح.. كان يوم إدمان الحقول والأرض للغيمة السمراء, وكانت جراح القلوب, أرادت أن تشتكي للرياح. .  فخانتها الكلمات. . صوت حب غريب عن جذورها ناداها. . سمراء. . سمراء. .  لم تستطع الكلام أو التعبير. . لجمت , لم تستطع الكلام, صوت خطاه يقترب. . يناديها. . جاءها الصوت بعد فوات الأوان. . ؟ ! قبل الأوان. . ؟ ! هي لا تدري, عندها شاخ لديها الزمان, وباتت كالحقيقة, صوت مبحوح في قربة ممزقة وسط البحر, قبلت فوقعت على هذا الدور دون نقاش أو حوار. . تساءلت أين الصدى؟ علمت حينها بأنها بواد والعالم بآخر. . انكسرت. . اختبأت وسط الليل, ناداها : لا تهربي. . ستلاحقك الانكسارات , لكن كل شيء تحول إلى كلمات . . كلماتك مكسورة . . كلماتك يا سمراء بدأت ترسمها الأقلام , أنت لعبة هذا الزمان. . الكحل الأسود ضاع في ضوء النهار . . لا تهربي فأنت الأنثى عشتار آلهة الخصب والجمال. . أنت زنبقة المساء.

تلحفت بالكلمات. . تدثرت بالبكاء. . كتمت الصراخ ولوعة الأحلام . . قال لها: دعي الحبق أمام النافذة , فعندما نجافي الحب وتغادرنا الأرواح تبقين أنت الأنثى جلنار .

الكل سيقول سمراء. . وأنا أيضا أقول السمراء لكن وحدي أعلم بما تعانينه لكن بدون كلام, واعلمي بأن العودة إلى الوراء انكسار . . انكسار المشروع والأحلام. . عندها تزرع الخناجر في الظهر والموسى بالأرواح. . لا تلتفتي للوراء, أعلم أنك تمشين وسط أناس يحملون كل التناقضات والمفارقات . لكنك تبقين السمراء.

في لحظة العودة تنهار أحلامي, وتبكي آلامي, وتستصرخ أوجاعي, وتدمع جميع أوصالي, هذه هي اللحظة التي أخافتني. . وتخيفني لحظة الوداع. . وداع الروح للجسد, لحظة صمت الحب للأبد.  لحظة الفراق الأبدي .

لا زالت تسمع الصوت يقول: سمراء. . مررنا في محطات كثيرة اقتربنا بها. . وفي أخرى افترقنا..  تباعدنا أكثر. . أكثر. . لكن في هذه اللحظة بالذات انهارت أحلام وبكت آلام وصرخت أوجاع ودمعت جميع أوصال الحياة , تابع الصوت بحزن: قد نكون أقوى وأكثر تماسكا لكن أمام هذه الفاجعة نعود كنعجة مذبوحة, أو كحال أم ثكلى, لست ادري أية أوجاع ستتملكنا غدا, قلوب تنزف دون أن يسمعها أو يراه احد , لنحاول أن نقاوم هذا. . ونحاول التصدي لجميع النبال, ويح لروحينا المعذبتين. . ويح لعمرين الواحد دون الآخر. . ويح لأيامنا يا سمرائي. . ويح لكلماتنا التي لم يعد لها عنوان. . ويح لكل لحظة تمر الواحد منا بعيد عن الآخر, وآه على تلك اللحظات, أنبكي أم نتوجع ؟ .. بصوت أم بصمت ؟! اخبرني ..

آه على عين. . على دمعة. . ويح لهذه السطور. . ويح لكلمات حبنا الذي مات, حبنا الذي قتلناه.

ماذا أكتب؟ نعوة أم دعوة للفرح؟ ؟

كيف نتكلم أجيبيني؟ بلغة الكلام أم بصمّ الآذان؟

أحبك فيا ويح عمري , ويا ويل قلبي الذي أحب الكبرياء. يا ويح اللقاءات التي شربت بها السم بكل رضاء , رضيت بالحب, والحب كان لي الجرح .

ارتجفت ركبتاه. . تلعثم. . ضاعت منه الكلمات. . استند بكلتا يديه على الجدار. . عيناه تحدقان في أصيص الحبق. . سقط متهاويا تحت النافذة. . اصطدم رأسه بزجاجة صغيرة من بقايا زجاج النافذة المهشم, وفي الصباح وجدته القرية وجرح برأسه, لكن بدون دماء, زغاريد الفتيات شيعته, سرب الحمام حلق عاليا, وشبان القرية أودعوه الرابية القريبة وعادوا بصمت.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق