قراءات ودراسات

رواية “مانديل بائع الكتب القديمة”.. التحوّل العنيف في أوروبّا

لونيس بن علي*

ما الذي حدث لهذا العجوز اليهودي، بائع الكتب القديمة؟ سؤال يهجم عليك وأنت تُنهي قراءة “مانديل بائع الكتب القديمة” (مسكلياني، 2018، ترجمة أبو بكر العيادي) للروائي النمساوي ستيفان زفايغ.

تروي رواية ستفيان زفايغ القصيرة القصة العجيبة للعجوز اليهودي جاكوب مانديل، بائع الكتب القديمة، الذي قضى جلّ حياته في قبو أسفل مقهى “غلوك”، في أحد شوارع مدينة فيينا العريقة، محاطًا بالكتب القديمة، وبالمجلّدات النادرة، منفصلًا تمامًا عن حياة البشر. إنّه “آخر سلالة باعة الكتب القديمة قبل الطوفان” (ص 12).

أمّا شغفه بالكتب فلا يتجاوز حفظ عناوينها وأسماء مؤلفيها وأسماء ناشريها، وثمنها. حتى أنه أصبح فهرسًا عجيبًا يحتفظ بتفاصيل الكتب ويخزنها في عقله الباطن. إنّ موهبته الخارقة تتجلى أمام طاولته التي لم يفارقها منذ ثلاثين عامًا، فارضًا على نفسه نمطًا قاسيًا من الحياة، وحالة تقشف رهيبة، يكتفي بما يساعده فقط على البقاء حيًّا قدر الإمكان.

مانديل من أصول يهودية، هاجر من بولندا الروسية منذ ثلاثين عامًا ليستقر في فيينا كي يصبح حاخامًا، لكنه سرعان ما تخلّى عن حياة المتدينين، لينغمس بقوة في ملذات الكتب، ويستقر في مقهى غلوك، وتحديدًا في قبوه، القبو الذي أصبح مركز العالم بالنسبة له، بل هو العالم بكل بهائه.

بعد نشوب الحرب العالمية الأولى تغيّرت حياته، وكانت نهايته ملغزة، بقدر ما كانت تراجيدية على نحو مؤلم. موت مانديل، على حد تعبير السارد، كان بمثابة انقراض سلالة نادرة، في عالم صار يتداعى بسرعة فائقة، يزحف نحو مدنية فاقدة لما هو أساسي.

أدرك السارد أنّ هذا العجوز من النوع النادر الذي يترك أثرًا عميقًا في ذاكرة من كان يعرفه، وهو يجسد المفهوم الأصيل للفنان الحقيقي، ولمعنى الهوس، والاستغراق في التركيز. إلاّ أنّ الجميع تناساه بعد وفاته، وامحى مثل ذكرى عابرة، تحت طغيان اللامبالاة التي هي سمة الحياة الجديدة. إذ تبدو الحياة المتطورة فاقدة لهذه القدرة على التركيز. “لقد كان تاجر الكتب الصغير والمجهول تمامًا ذاك أفضل من شعرائنا المعاصرين” (ص24).

يلتقي السارد بالعجوز سبورشيل، التي كانت تعمل في مقهى غلوك، وهي آخر من ظلّ يحتفظ بذكريات عن مانديل العجوز. فالملاّك الجدد للمقهى يجهلون من يكون هذا الشخص.

تروي العجوز ما آلت إليه حياة مانديل في أيامه الأخيرة، وقد بدأ كل شيء بعد اندلاع حرب 14 -18، حيث كان مانديل الأوروبي الوحيد الذي لم يكن يعرف بنشوب الحرب. كان عمله داخل القبو، يفرض عليه اعتزال العالم الخارجي، وقطع صلاته بالناس، بل لم يكن يطّلع حتى على الجرائد اليومية التي تنقل أطوار الحرب الكبرى. إلا أنّ الحرب تسللت إلى داخل قبوه، مثل وباء غير مرئي، وحوّلته إلى متّهم!

مانديل بائع الكتب

حدث هذا بعد أن اكتشف المكلّف بمراقبة المراسلات، بطاقة بريدية أرسلها شخص يدعى جاكوب مانديل إلى شخص يعيش في بلد عدو (فرنسا)، تضمّنت الرسالة احتجاجًا كتبه مانديل للسيد لابوردير على عدم تسلمه للأعداد الثمانية الأخيرة من شهرية “النشرة الببليوغرافية لفرنسا”. للوهلة الأولى، ظنّ مراقب المراسلات أنّ البطاقة البريدية مجرد مزحة ثقيلة، فلم يأخذها بعين الجد.

وبعد أيام، تقع يد المراقب على بطاقة ثانية أرسلها نفس الشخص إلى لندن – البلد العدو الآخر-، لكنه هذه المرة، تعامل مع الرسالة بجدية أكبر، وبتوجّس حقيقي: “ألا يكون في واقع الأمر ما وراء هذه المزحة الفظة هو رسالة مشفرة؟” (ص29).

وبسبب هذه الشكوك، قُبض على مانديل، وخضع لجلسة مساءلة دقيقة عن أصله وجنسيته، ولأنه لم يكن يعرف لماذا قبض عليه، كانت إجاباته تلقائية ومباشرة، مع أنّ كل إجابة تخرج منه تزيد من منسوب الريبة عند الضابط الذي كان يسائله.

حين سأله عن مكان ولادته، أخبره بأنه ولد في قرية ببولندا الروسية، أما عن الجنسية النمساوية، فأخبره أنه لا يجد أي جدوى في المطالبة بها، ولم يشغل طيلة حياته بهذه المسائل الجانبية. النتيجة التي خلص إليها الضابط أن هذا العجوز اليهودي الروسي هو مجرد جاسوس، وكل الأدلة تؤكّد أنّه يعمل لصالح الأعداء.

هكذا، اقتيد جاكوب مانديل إلى أحد المعتقلات، العالم النقيض لعالم الكتب. لم يكن يعلم بوجود عالم فظيع، يتحوّل فيه الإنسان إلى وحش حقيقي، عالم تتحكم فيه قوانين إساءة الفهم، عكس عالم كتبه الذي لم يكن فيه “سوء الفهم، ولا حرب، وإنما رغبة وحيدة على الدوام، هي أن نعرف دائما مزيدًا من الكلمات والتواريخ والعناوين والأسماء.” (ص32).

تجسّد شخصية مانديل لحظة التحوّل العنيفة في أوروبا، وهي لحظة العبور من مرحلة الأنوار إلى لحظة الدمار الذي طال الحضارة الأوروبية، وليست الحرب العالمية الأولى إلا التمثيل العنيف لهذا العبور نحو عصر جديد، تخيم فوق سمائه غيوم تنذر بعواصف عاتية. لقد كان حسّ زفايغ تنبؤيًا أكثر، لأنّه فهِم مُبكّرًا أنّ العالم الجديد سيكون عالمًا يطغى عليه سوء الفهم في كل الشيء.

تلمّح الرواية إلى العالم البشري الذي يزداد إصرارًا على إساءة الفهم، والتعامل مع البشر وفق مبدأ “متهم إلى أن يثبت العكس”، وهذا القانون، يتجاوز أفق الأفراد، ليبسط سلطته على العلاقات بين الحكومات، وبين الثقافات، والحضارات.

رسالة عادية، تتحوّل إلى رسالة مشفّرة، ومن خلفها تتحرّك الاحكام المسبقة، التي تؤثر على نظرة الإنسان للآخر. بهذا المبدأ، تقوم الحروب.

ومن جهة أخرى فإنّ مانديل هو صورة الفنان الذي يفارق فجأة عالمه المثالي، عالم الأفكار والكتب، إلى واقع على نقيض العالم الأوّل. يرتطم وعيه بقساوة الواقع الإنساني، واقع الاعتقال، والمحتشدات التي تزج بالبشر داخل أسوارها المسيّجة. فشل مانديل في التكيف مع الواقع الجديد، وما رأته عيناه كان كفيلًا ليدمره من الداخل، قبل ان يجهز عليه المرض. مع أنّ الرواية لم تخبرنا ما الذي رآه هذا العجوز.

يخسر مانديل عالمه القديم، يأخذون منه بعض كتبه، مذكرته، تتهشم نظارته على الأرض، ويقضي شهورًا في ذلك المعتقل. سيُفرج عنه لاحقًا بتدخل من معارفه، لكن الوقت يكون قد فات، لأنّ تجربة المُعتقل غيّرت مانديل إلى الأبد، “كلا لم يعد حقًا هو نفسه” (ص35).

يموت مانديل، ليحمل إلى العالم الآخر تجربة فظيعة لن يكتب عنها أحد، بل مات لتموت معه تلك الحقيقة المروعة، حقيقة أوروبا الجديدة المقبلة على كارثة إنسانية. لقد نسي الجميع بائع الكتب القديمة، والتهمت الحرب تلك الذاكرة، فلم يبق إلا أنقاض الدمار، دمار الإنسان.

 

*ناقد من الجزائر

 

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق