ثقافة السرد

لوحة و جدار Portrait and wall

بقلم: نازك ضمرة

الساعة الآن حوالي التاسعة، اخبرته سكرتيرته قبل قليل ان السيدة (سميحة “بنت ابو محمود”) تريد مقابلته، سألها مستغرباً : سميحة ؟ جبل الجوفة؟!! انتبه فجأة، ندم انه نطق (جبل الجوفة) طلب من سكرتيرته الانتظار لحظة، فكر لثوان فطن للهجته فغيرها،قال باتزان وبطريقة رسمية ــلتسترح عندك حتى انهي ما في يدي! اراد ان يتم قراءة المعاملة، كانت المعاملة الاولى التي يتناولها اليوم،ذيلها بتوقيعه، فزّ من مكانه، اتجه الى المرآة التي بمكتبه، تأمّل وجهه,ولمس شعر رأسه الذي يغلب عليه الشيب، عدّل ربطته وامتدت يده الى معطفه المعلق على المشجب، وحينما سّوىّ وضعه على كتفيه… تذكر كتفها، حينما فاجأهما والدها يده على كتفها، ليلتها عاقبها والدها اشد العقاب، وعندما اعترفت له انها تحبه، وينوي طلب يدها بعد سنة او سنتين، اقسم والدها انه لن يزوج ابنته لولد يتيم معدم، هز رأسه ومن يومها صمم على التحدي والوصول لأقصى ما يستطيع من نجاح.

قرع على باب غرفته، يأذن للطارق، مدير المشتريات يحمل عينة جديدة من انتاج (شركة الرفاه)، عرضها عليه، القى نظرة سريعة، عاد للوقوف خلف مكتبه، ابلغه بعدم التسرع و إمهاله، ليحدد الموقف بعد العصر بحضور مدير المبيعات، ومع خروج الرجل عاد يتأمل هندامه، توقف ثانية امام المرآة ثم خرج ليدعو الضيفة.

ــاين السيدة سميحة؟!

نهضت امرأة، نهضت ببطء عن الكرسي، التفتت صوبه، تأملته ثم مدت يدها الممتلئة قائلة :

ــكيف حالك يا سليمان؟!!

التقت يداهما،هزت يده بحرارة، ثم سحبت يدها، اعادتها لجانبها بسرعة، اضطرب للحظة، انتظر، انتظر، ان تتكلم اولاً، الا انها ظلت مطرقة، تتجه بنظراتها نحو سجاد غرفة السكرتيرة النظيف.

تدارك الموقف.

ـــاهلاً و سهلاً ، تفضلي (يا ست) سميحة!

فتح لها الباب بنفسه ، ودعاها للدخول قبله، لم تدخل قبله بل اصّرت ان يسبقها، ارتد الباب بنفسه للاغلاق ، حرك الكرسي الذي دعاها للجلوس عليه، بينما دار هو متجهاً الى مقعده خلف المكتب، ثم بدأ بتعديل جلسته، تشاغل لثوان بترتيب بعض الاوراق امامه، اراد ان يفكر من اين يبدأ بالحديث معها، رآها تتأمل يمنة ويسرة ، مرة على المكتب ومرة على الجدران، قال لنفسه اثناء ذلك،توقعت انها كبرت وشابت مثلي، كانت اجمل فتيات الحارة، وبالرغم من مرور اكثر من خمسة وعشرين عاماً، على تلك الايام، فما زالت جذابة، كنت اقلّ الشباب مالاً في الحارة، الا انها فضلتني وتحاببنا، ثم حصل ما حصل، كيف عرفت موقعي؟ وما السبب الذي جعلها تتذكرني أو حتى تزورني؟!)

م زالت تتجول بعينيها، تتأمل غرفته الواسعة وقعت عيناها على مكتبه المصنوع من خشب الزان اللامع الثمين بأسلاك تطول وتقصر، تتسارع التأملات في زمن قياسي، كأنه زمن ضائع متفق عليه، هي تتأمل، وهو يتشاغل او يسترق النظر لها،بينما يبدو عليها الانبهار، وقع نظرها على الكنب الفخم، الكنب المريح المكسو بألوان زاهية ومرتب على شكل نصف دائرة امام مكتبه، وعلى جانبي المكتب من الامام استقر كرسيان خشبيان بمساند وتنجيد بالجلد الطبيعي وهي تحتل الان احداهما. في الطرف المقابل لها، خلف المدير العام تنتصب مكتبة بعرض ثلاثة امتار يزينها اطار ذهبي، ويعلو رفوف المكتبة كتب ومعاجم وأدلة تجارية، نظرت الى الجدار، فتوقفت على كل صورة جدارية لثوان، لكن لاحظ ابتسامة خفيفة على شفتيها حين تمعنت في لوحة معلقة على الجدار , كانت اللوحة لحصان وفرس.

ركزت نظرها على صورة الحصان،/ حصان قوي فتي، رافع الرأس، بارز العضلات، لم يكن لوحده، كانت تقف بالقرب منه فرس رشيقة، مدت الفرس رأسها تحت رقبة حصانها، وكأنها تخاطبه بلغتها، وبدا ان الحصان ، يتأمل ما حوله ليتأكد ان لا احد ، دخل المراسل يحمل كأسين من الشاي، لم ترغب إزعاجه حتى يتفرغ لها ، وتمنت ان يبدأ هو بالكلام، حلم هو خلال ذلك، حلم طويلاً، طويلاً جداً، رأى احداثاً وذكريات، مترابطة احياناً، ومتباعدة احياناً اخرى. (ماذا سيقول لها؟ عليه ان يكون لطيفاً مع حبيبته ايام الصبا). رحب بها مرة اخرى، ودعاها لتناول كأسها من الشاي بعد ان قرّبه قليلاً صوبها، انحسر اليم، وبدأت الارض تهتز بالحياة

ــكيف ذكرتني يا سميحة؟!

ــ لا تفتح جروحاً يا سليمان!

ارتشفت مرتين من كأسها، اتجهت ثانية بنظرها الى صورة الحصان والفرس، كانا يقفان عادة ملتصقين في الزقاق او امام البيت يتبادلان النظرات واللمسات، قبل اكثر من خمسة وعشرين عاماً. يراقبان كل حركة في الشارع، وعلى الرغم من القلق والخوف كانا ينتشيان، يسترقان متعة الالتصاق واللمسات، او تشابك الاصابع ، كانت تسمح له ان يعبث بشعرها ويلامس رقبتها وشفتيها،وتعض على اصبعه بدلال احياناً، فتقول له: (اكلت بصل او ثوم)، في موقف كهذا، صادفهما والدها، ونالت ما نالت ليلتها من العقاب، اجابها:

ــ كانت اياماً جميلة يا سميحة رغم صعوبتها!

ــ بعد سنتين احس والدي بالندم الشديد من تزويجي من ابن اخيه، يبدو ان المرأة في بلادنا ستظل اسيرة الماضي.

تم الطلاق بيني وبين زوجي بعد اربع سنوات، كثرت مشاكله، وحكم بالسجن مدة طويلة،ولا زلت اعيش مع اولادي بالمنزل الصغير، ذلك المنزل الذي تعرف كل شبر فيه يا سليمان، فهل قادتك اقدامك خلال الاعوام الاخيرة لحارتنا؟ وهل تذكر الزقاق وباب بيتنا الذي تخترقه فتحات كثيرة؟

لم يجب على سؤالها، لمح مذكرة المكتب التي امامه. يزينها صورة لآثار و أعمدة جرش ،اعاد النظر لها: (تبقى تلك الآثار ممتعة للنظر، وتستحق الوقت لزيارتها) رفع رأسه صوبها قال لنفسه 🙁 لا بد من ترميمها والمحافظة عليها).

ــ وما اخبار اولادك يا سميحة؟

ــ لم يجتز احد منهم المرحلة المتوسطة، زوّجنا البنت اولاً مع انهم اصغرهم، وقبل عام تزوج مصطفى، اكبر اولادي، وها هو وزوجته يعيشان معنا.

انساب بعض العرق مرة ثانية على وجه سميحة، لاحظ سليمان ذلك قام وأدار المروحة، قائلاً :

_ هل نشرب الشاي ثانية؟ او ما رأيك بفنجان من القهوة؟

_ لا اريد ان اؤخرك عن عملك.

طلب فنجانين من القهوة، ثم قال لها مداعباً، ان نعمة المشي التي تمارسينها في التسوق والزيارات أبقت سميحة بشباب متجدد!

تشجعت قليلاً، عابت عليه كثرة الشيب في رأسه، تلاقت عيناهما، فايتسمت واحمر وجهها، لخص لها قصة سفره الى المانيا للدراسة والعمل هناك لسنوات عدة، ثم العودة للوطن، وها هو يعمل المدير العام لهذه الشركة الكبيرة.

ــ وماذا يعمل ابنك مصطفى؟

_ في صيانة الاجهزة الكهربائية، وأخوه ما زال يتدرب على النجارة وما يتقاضيانه لا يكفينا، لكن اتمنى ان تجد عملاً إضافياً لمصطفى او راتباً افضل.

دخل المراسل بالقهوة، مد يده لفنجانه، فسبقتهوارتشفت اول جرعة من فنجانها، وعيناه على صورة آثار جرش. قال في نفسه (تستحق التحسين لتظل صامدة وتقاوم الزمن)

اتجه نظرها  الى لوحة الجدار، فبدت انثاه اكثر قرباً منه.

_ سيقوم مصطفى بإصلاح الاجهزة الكهربائية في شركتنا بعمل مسائي او في منزله وسأحاول ان اجد لك عملاً بجمعية خيرية لرعاية وحضانة اطفال الموظفات.

اتصل بسكرتيرته، طلب منها ان تأخذ عنوان ام مصطفى وناولها ورقة صغيرة. ودّع الزائرة لبوابة الشركة، ومشت معها السكرتيرة ودعتها الدخول للمعرض ، معرض الشركة بجانب المكتب.

_ لقد كتب المدير ان نصرف لك قاورة عطر، وطقم شاي.

نظرت للسكرتيره بحده، ترددت قليلاً ثم قالت :

_ ليتني اعود لاشكره ثانية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق