ثقافة السرد

إصبعا جدّي

ساري موسى*

عثرتُ بين أغراض جدّي التي تعجّ بها منشرته على مسدسه المخبأ بعناية، والآن سأقتل به نفسي.
أتذكّر رؤيتي له في يده منذ صغري، ينظّفه ويزيّته. كان اقتناء السلاح موضة في تلك الأيام، قطعة مكمّلة لأثاث كل بيت.

كان مسدس بَكَرة من نوع كولت، مصنوعا في الولايات المتحدة، ملفوفاً بخرق مزيّتة، وموضوعاً في واحدة من الكراتين الكثيرة تحت الطاولة الكبيرة، التي كان يلصق فوقها قطع الأخشاب المنشورة بالغراء، قبل الظهر، وينام عليها قيلولته بعد غدائه المبكّر، حيث أسمع صوت شخيره يبلغ بوضوح بيتنا الواقع فوق بيته ومشغله، كتحذير لي بعدم النزول.

يوم عثرتُ على المسدس بحثت عن طلقات قربه، لكنّي لم أجد شيئاً. بعد أسابيع من التنقيب المستمر عثرتُ على أربع رصاصات في علبة معدنية صغيرة مدوّرة مكتوب عليها باللغة الصينية، ربما كانت علبة مسامير صغيرة أو كبسات للغرّازة. رميتُ ثلاثاً من تلك الرصاصات لأنها تترك أثراً أصفر على الأصابع، عليها بقع خضراء ولها رائحة معدنية عفنة تثير الغثيان. أما الرصاصة الرابعة فيبدو أنها كانت من تصنيع شركة أخرى أو عثر عليها جدي لاحقاً، إذ احتفظت بلونها اللامع وملمسها الأملس الناعم.

بعدما أزرع هذه الرصاصة الصالحة في رأسي، وأوارى في مقبرة العائلة، سيرفع جدّي رأسه من إغفاءته الطويلة التي بلا شخير، سينظر نحوي بعينيه الخضراوين الصغيرتين الغاضبتين، ويمد يده إليَّ عبر السَّكِينة الباردة. يمسك أذني بإبهامه وسبابته الغليظتين اللتين كالملقط، واللتين جعلتا أذنيَّ غير متماثلتين منذ السنوات الأولى من عمري القصير، سيشدّ أذني لأنّي أقلقت نومه مرة أخرى، ولأنني سرقتُ مسدسه كذلك. لكنَّ هذا كله لا يهمّني الآن.

أنا سأنتحر لأن هذه الحياة لا تعجبني. هذه الكرة الأرضيّة المستمرة بالتدحرج ليست عادلة، ككرة القدم تماماً؛ لا يفوز في لعبتها دوماً من يستحق الفوز، وأنا لم يعد بوسعي تحمّل الخسارات. لم يعد بوسعي خداع نفسي بالآمال في كل مرة كأنّها طفل صغير. لقد كبرتْ نفسي، ولم يعد ينطلي عليها ذلك الكلام.

أضع الرصاصة في إحدى فراغات البكرة. ستنزلق هذه الرصاصة داخل رأسي بسلاسة، أو ربما بصعوبة بالغة، قبل أن تصطدم بدماغي المعقد غزير التلافيف وتفتته، ذلك أنّي أشعر برأسي فارغاً في لحظات معينة كأنّ فجوة انعدام معنى الحياة التي لطالما وقف أمامها متسائلاً قد استقرتْ فيه، وفي لحظات أخرى لا أقوى على حمله فوق كتفيَّ، إذ أجده أثقل من مزحة الوجود ذاتها. أبرم البكرة كي تضرب الإبرة الرصاصة مباشرة، وأغلقها. لكنْ، لم لا ألهو قليلا في نهاية هذه الحياة التي عشتها بجدية مبالغ فيها؟ أفتحها مجدداً. أدوّر البكرة، لكن الرصاصة تعود للأعلى. أدوّرها مرة أخرى، فتستقر حيث ستضربها الإبرة في المرة الثالثة. لا، هذا ليس لهواً. أنا لا أقوم بالأمر على النحو الصحيح. أغلق عينيَّ، أدوّر البكرة بقوة، ثم أغلقها قبل أن تتوقف. دوّى صوت الإغلاق في الغرفة بصخب واختفى، فيما ظلّتْ أصداؤه تتردد في رأسي ورائحة الزيت معلّقة تحت أنفي. لقد أغلقتُ للتو باب حياتي.

يسيل مع دمي مزيج رائع من القوة والشجاعة والخوف والجبن والترقب والحماسة والقشعريرة وجنون القلب وتوقفه. أنظر إلى وجهي في المرآة؛ البريق الغريب في عينيَّ، ابتسامتي الواسعة، شعري المنكوش ولحيتي… وجهي كلّه، إنه وجه مجنون! يخيفني وجهي، فأجلس وأعود لأتطلّع إلى المسدس الأبيض اللامع والغامض. وحده يعرف لحظة النهاية لحياتي.

أقلّب السلاح في يدي. لا أعرف أين أضع فوّهته. لم أفكر سوى بالانتحار، وككل الأفكار الجدّيّة لم أتوقف عند التفاصيل. أدفع الفوّهة في فمي فأتذوق طعم الزيت. أحببتُ رائحته لكنّي لم أستسغ طعمه، ثم إنّي لا أحب طعم الدم أيضاً. أحبّ أن تتناثر دمائي مع قطع من دماغي على الجدار الأبيض. مجرّة حمراء في فضاء أبيض. جميل! لكن هل من الممكن أن تخرج قطع من الدماغ من داخل الجمجمة القاسية لتستقر إلى جانب الدماء على الحائط كما نقرأ في الروايات؟ لن يكون بإمكاني التثبّت من هذا. أعتقد أنه من الأضمن أن أثبّت الفوّهة على الجانب الأيمن من رأسي. نعم، هذا أفضل من أن أطلق على جبيني.

أرفع الدّيك. أضع المعدن البارد على جلدي الذي سيتمزّق بعد لحظات، فاتحاً طريق الموت القصير جداً. وبسرعة تفاجأتُ بها سمعتُ تكّة معدنية. لم أفكر بالضغط على الزناد حتّى. يبدو أن إصبعي مستعجل للموت أكثر من بقيتي! هذه المرة ستتاح لي الفرصة لإغماض عينيَّ على الأقل. أضغط بسبابتي على الزناد. أسمع الصوت مجدداً. ربما يجب أن أغلق أذنيَّ أيضاً كي لا أعود إلى سماع هذا الصوت المعدني البغيض الذي شحن الجو بالتوتر وذخّره بطاقة غريبة كافية لإحداث انفجار، حتى لو ضربتْ الإبرة الهواء مرة أخرى. يجب أن تكون الثالثة ثابتة. أضغط على الزناد، وأسمع صوتاً إضافياً؛ صوت صرخة ألم مكبوتة أطلقتها من بين أسناني المُطبقة على بعضها بقوة. أُنزِل المسدس قبالة وجهي: أتمازحني أيها المسدس العجوز؟ متى ستصطدم إبرتك اللعينة بشيء ما؟ ذلك الصوت البارد يتسبب للقلب بأوجاع تفوق أوجاع الطلقة، ويزعزعه من مكانه كأنّه يركله بحذاء حديدي.

تذكّرتُ مراتِ موتي الثلاث السابقة التي نجوت منها، ربطّتها بالحجرات الثلاث الفارغة، وقلت إنّه ما من فرصة جديدة. رفعتُ الدّيك، أعدتُ الفوّهة إلى مكانها بسرعة وضغطتُ على الزناد فوراً. كأنَّ الإبرة ضربتني في قفاي. انطلقتُ عن الكرسي قافزاً. كانت الغرفة ترتجّ أمام عينيَّ على وقع ضربات قلبي الذي قفز بدوره ليستقرّ في عنقي. أحسستُ به ينبض هناك بقوّة، يمسك بحنجرتي ويكاد يخنقني. شعرتُ بتعب لم أشعر به في أكثر أيام حياتي إرهاقاً. نظرتُ إلى وجهي في المرآة. إنه وجه مرتخٍ لعجوز على حافة الجنون. كأنّي كبرت عشرات السنين في دقيقتين. إنه وجه جدّي ينظر إليَّ من بوابة القبر العائلي. تهاويتُ منكمشاً على الكرسي كأنَّ ثيابي خلتْ منّي. جسدي محطّم. لم أعد أشعر بظهري، واحتاج نصفي العلوي لجهد لم أمتلكه لمجرد إبقائه مستقيماً. جرجرتُ نفسي لأمشي منحنياً مسافة المترين الطويلة التي تفصلني عن سريري وأنا أتجنب النظر في المرآة. استلقيتُ والمسدس إلى جانبي، في يدي المرتخية كعشبة ذابلة. لِمَ كل هذا التعذيب؟ لماذا لا تنطلق الرصاصة وتريحني؟ أضعتُ حياتي في محاولة إيجاد تفسيرات لأشياء لا تفسير منطقياً لها، وسأعود إلى تلك الحياة إن أضعت المزيد من الدقائق. الذنب ذنبي، كان عليَّ أن أختم حياتي بجدّيّة كما عشتها.

حاولت رفع الدّيك، لكنَّ أعصابي لا تزال مرتخية. أضع السلاح على صدري، وأرفع الدّيك بالإبهامين معاً. يستنفد هذا الجهد كامل الطاقة التي كانت قد عادتْ إلي. لم تستجب يدي لي عندما أمرتها بالتوجه إلى صدغي. بدأتُ بالجهد من جديد اعتباراً من كتفي، وشيئاً فشيئاً تحرّك المسدس، لكن فوّهته لم تحطّ في مكانها، حيث أشعر بالحلقة في الموضع الذي ضغطتُ عليه الفوهة في المرات السابقة. لم أستطع توجيه السبطانة إلى مكانها، ظلّت تحوم حول صدغي كفكرة مزعزعة. كانت يدي ترتجف بكيفيّة جعلتني أقلق من انحراف الرصاصة وعدم إصابتها لرأسي، أو جرحه دون أن تستقر فيه، فأفشل حتى في قتل نفسي. استعنتُ بيدي اليسرى. قبضتُ على أنبوبة المسدس، وغرستُ الفوّهة في مكانها. لست مرتاحاً في هذه الوضعية الانتحاريّة الغريبة. فكّرتُ بتغييرها لأمسك قبضة المسدس باليدين معاً، وأثبّتها تحت ذقني، لكنّي رفضت ذلك لأن من شأنه أن يوسّخ الكتب في مكتبتي، التي أنام منذ سنوات تحتها. إذاً، سيبلل دمي وسادتي وغطاء السرير الأبيضين. سيكون مشهداً جميلاً بألوان ساطعة كأنّه حلم رومانسي، أو رسمة طفل في الصف الثاني. أحكمتُ قبضتي اليسرى حول سبطانة المسدس، ودفعته بيدي اليمنى إلى صدغي. في اللحظة ذاتها التي انطلق بها ذلك الصوت الناعم والخادع كصوت حبيبتي، زوجة الرجل الآخر، رجل الأعمال، تدفّقت الدموع من عينيَّ المغلقتين بإحكام، وتفجّر صوت نواح كئيب وخشن من بين أسناني. بقيتُ في وضعيتي المتيبسة تلك، دون أن آتي بأية حركة، كجثة، جثة باكية. ثم انهارت كتفاي تزامناً مع فتح عينيَّ وارتخاء فكي السفلي. بقي السلاح معلقاً بقبضتي اليسرى التي لم تنفكّ عن السبطانة. انقلب بكائي إلى صوت قوي متتابع لم أقوَ على إيقافه، صوت لم يصدر عني من قبل ولم أسمع شبيهاً له. كنت ألتقط أنفاسي بصعوبة عبر شهقات مدوّية، لأطلقها في ذلك الصوت المترافق مع دموع من نوع آخر. نهضتُ وجلستُ على حافة السرير. تلمّستُ صدغي حيث لا تزال حلقة الفوّهة محفورة. كان وجهي مبللاً تماماً، تقطر الدموع منه على فخذيَّ عبر لحيتي التي يمكنني عصرها. بعد الولادة الأولى يبكون بصخب، وبعد الولادة الثانية يضحكون بجنون.

عندما كنتُ طفلاً صغيراً ألهو في منشرة جدّي النجّار، كان العجوز القوي يعاقبني إذا ما حملتُ المنشار الكبير أو المبرد الثقيل أو تلاحقت عطساتي على نحو أزعجه بسبب المبالغة في شمّ النشارة التي أعشق رائحتها، كان يعاقبني إضافة إلى شد أذني حتى جعل غضاريفها تطقطق، بعقوبة أخرى كنت أجدها أقسى من الأولى رغم أنها لا تؤلم، وذلك بنكز رأسي العنيد بإبهامه وسبابته طويلتي الظفرين عند صدغي، كأنّه يعيد توجيه رأسي في الاتجاه الصحيح.

نهضتُ عن السرير، ووجّهتُ المسدس نحو المرآة. أطلقتُ دون أن أنظر إليها. دوّى صوت الطلقة في الغرفة متبوعاً بتناثر الزجاج وتحطّمه. توجهتُ خطوتين إلى طاولتي وجلست.

القلم في يدي اليمنى، المسدس في اليد اليسرى. أبدأ، وكلما توقفتْ اليد اليمنى تتحرك اليسرى لتنكز صدغي بإبهام جدّي وسبابته، لتعيد توجيه رأسي في الاتجاه الصحيح.

الآن انتهيت.

*كاتب من سورية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق