ثقافة السرد

الدّمية

عبد الحفيظ بن جلولي

رمى بعينه اليسرى مُحوَّلة بصعوبة دون اليمنى إلى معصمه الأيسر ليحدّد الزّمن، فلم يتبيّن سوى عقرب الثواني لاهثا خلف ضجر الحركة البطيئة لعقربي الساعات والدقائق، مسح العرق المتصبّب على جبينه، تدلّى كُمُّ القميص على قرص السّاعة، حرّك يده بخفّة لتنزلق السّاعة إلى الأمام، ثم أدلف مسرعا إلى المقهى، حيث تنسّم رطوبة المكيّف الهوائي، وقبل أن يلقي بجثته على الكرسي بحث عن مصدر الانتعاش لينزاح عنه، كي لا يشرب عرق ظهره سم البرودة.

لم يحضر النادل كما العادة، فقط صوت الموسيقى الصّاخب ينبعث من مصوّتات، معلّقة، ناتئة كأذني شيطان فوق حافتي المحسب، الطاولات الموزّعة على فضاء المقهى نصف شاغرة، ومن يعمّرون المكان شباب ترقص بأياديهم الشيشات الملوّنة ومن أفواههم تنبعث أدخنة بمذاقات الفواكه، دار يمنة وازداد انحيازا لليسار، مسح المقهى بنظره دون أن يكترث لوجوده أحد، أشار بيده لأحدهم يبدو أنّ هيئته تدل على شبه “ندالة”، من بُعد طاولتين أو ثلاث أجاب مستفسرا عن طلبه، أشار إليه بأن يقترب منه، انقبضت ملامح وجهه واقترب مرغما، فطلب منه إذا كان بإمكانه أن يحضر له مزهرية، ازداد انقباض وجه النّادل وظهرت عليه علامات الحيرة ثم انصرف غير مجيب.

من بعيد لمح النّادل يوشوش في أذن أحدهم خلف المحسب، ثم انصرف بسرعة خارجا من المقهى، بعد دقائق عاد وبيده مزهرية، اقترب من الطاولة بعد أن أضاف سفرة بيضاء موشاة بالورود، سحبها على وجه الطاولة، وضع المزهرية في المنتصف ولم ينتظر سماع طلب الزبون، فقط وهو يدير بظهره رطن: “مال حبيبتي ما جاتش.. مالها”، قام متوجها صوب المحسب طلب قهوة خفيفة وتخفيض صوت الموسيقى ثم عاد إلى مكانه، وهو يهمّ بالجلوس توافق مستوى نظره بمساحة المزهرية، فرأى انزواء الغبار في خطوطها الدقيقة. أخرج مسّاحة نظارته وأخذ ينظّف بدقة تلك الخطوط الدقيقة وينسف بفمه.

أعاد المزهرية كما كانت، حضر النّادل وبيده كأس قهوة، امتعض شيئا ما، وطلب فنجانا. لم يتأخّر النّادل في تلبية طلبه، وضع الفنجان بالقرب من المزهرية وراح يتأمّل المشهد خلف الزّجاج. كان الليل قد بدأ بسحب غطائه الشّفيف على المدينة، لم يزل التراب ينام على جنبات الرّصيف والحفر ترقد على الأسفلت والمارّة يمشون وسط الطريق دون منبّهات. قبالته كان محل الإلكترونيات يبيع آخر صيحة من الحوامل النقّالة وبالقرب منه يزدحم النّاس أمام فرن بيع الخبز التقليدي، وعلى الواجهة المضاءة بالألوان تعلّقت السّراويل ذات الأكمام المقصوصة إلى نصف الساق، تخيّل أنه لو يقوم ذات صباح ولا يجد في المحلات سوى تلك السراويل، فكّر في حلق نصف رأسه الأمامي، وهكذا يستوي المشهد نصف سروال ونصف شعر، “والقهوة في كأس الشّاي”، ردّدها بنغمة خفيفة، ثم عاد بناظريه إلى الطاولة.

كان الزّبائن قد بدأوا في الانصراف ولم يعد هناك ذلك الهرج، أسكت النّادل صوت الموسيقى، فشعر وكأنّ المقهى انفصل عن المدينة، لاحت له جزر نائية بشواطئ دافئة خالية من البشر، وأمواج لا تنكسر إلا بصوت خفيف يبعث بإيقاع مجهول ولكنّه لذيذ، وليل لا يشد نجومه جبل، مساء من أروقة السّمر الماضية على كثبان النّبكة (الرمل)، صحارى واسعة تمدّدت داخل فراغه، اختلط في نداءاته الداخلية صوت شرشرة الشّاي بدلق القهوة، أبوه وهو يمسك بفنجان كبير من قهوة بدون حليب، أخرج من كيس حمله معه شيئاً لم يتبيّنه النادل الذي كان قد انزوى في ركن بعيد نوعا ما عن الطاولة، وأخذ يراقب صاحب المزهرية. راح ينفخ في ذلك الشّيء حتى استوى دمية بلباس محتشم. أجلسها على المقعد المقابل ثم أوقد شمعة. أخرج هاتفه النقال وأدار مخزّن الموسيقى، انطلقت أنغام “ذكرى أندلسية” على أوتار عود العازف هشام شرايبي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق