الموقع

ألا يحق للمواطن أن يثور على أشياء غير السكر والزيت؟ !

كيف يمكن وصف الأيام الأخيرة التي مرت عليها الجزائر (وتونس)، سوى أنها قمة في الفوضى، إزاء العلاقة التاريخية بين الشعب وبين دولته. لقد ثار جيل آخر، ولد في زمن الطوارئ، وكبر داخل الفراغات الكثيرة، الفراغ الفكري والثقافي والاجتماعي والديني، والسياسي، وحتى الفراغ إزاء هويتهم الضائعة بين الأصل وبين التغريب ! لقد اكتشفنا مرة أخرى أننا نعيش في وطن التناقضات حقا، ورأينا من جديد أن غياب الوعي ليس حكرا على الشباب العاطل عن التفكير، بل صار حكرا على الدولة الغائبة عن إصرار… فعندما يحدث فيضان أو زلزال، يجد المواطن نفسه قبالة مصيره، عليه أن ينقذ نفسه بنفسه (أو أن يغرق)، كما عليه أن يمد يده من باب الأخوة الإنسانية إلى جيرانه لإنقاذهم، لأن الدولة تأتي دائما بعد نزور الستارة وخروج الناس من المسرح، تأتي لتأخذ صورا تصلح لنشرة الأخبار.. تماما كما أخذت صورا عن “الجزائر الجديدة” التي صار فيها لاعب الكرة (مزدوج الجنسية) أهم من المثقف ومن المفكر ومن المبدع، بل وقدمه تساويهم كلهم مجتمعين ! لقد كبر جيل الجزائر على كل هذه الخسائر، كبروا على واقع مترد، وعلى دولة محمولة على ظهور الشهداء، ولكن يسكنها اللصوص، ويتاجر باسمها المرتزقة، فما الذي يمكن انتظاره من جيل حالة الطوارئ في الجزائر؟ من شباب أغلبه خارج مقاعد الدراسة، بلا أمل وبلا ثقافة، وبلا وعي، وبلا مستقبل، لا يتجاوز عمرهم العشرين سنة، يخرجون للثورة دون فكرة مسبقة عن ماهية الثورة، لهذا تتحول ثورتهم (الشرعية) إلى تخريب ودمار ذكّــر الجزائريين بزمن الثمانينات بكل ما فيه من فوضى، ومن مسالك أوصلت الوصوليين إلى الزعامة كلّ داخل حزبه! لقد عاشت الجزائر هذه الأيام على وقع الأسئلة، في غياب الأجوبة الشافية والحلول، وفي غياب قراءة حقيقية وصريحة إزاء الوضع، وفي غياب موقف حقيقي من المثقف نفسه، الذي يبدو اليوم خارج التغطية لأن ” لا أحد طلب رأيه” ! هل تكفي زيادة في أسعار الزيت والسكر ليخرج الشباب غضبا؟ ماذا عن الانتقاصات الكثيرة في الكرامة، وماذا عن النهب الذي مورس على الجزائريين طوال سنوات طويلة، وماذا عن الوطن، وطن الخيرات الذي يعيش شعبه على حافة اليأس والإحباط و”الشيرة” والقتل النفسي بالانتحار أو على متن قوارب الموت نحو دول يعتقدون أنها أقدر على حماية ما تبقى من “إنسانيتهم” ولو تحت سقف” الحرقة”! مشهد الوطن وهو ينهض صباحا على الخراب يجعلنا نتساءل عن “وعي الشعب” إزاء مكاسبهم، وإزاء مصالحهم أيضا، فالتخريب لم ولن يكون أبدا سبيلا إلى التغيير، وعليه نتساءل أين هي العائلة الجزائرية (الأب والأم) من كل هذا؟ أين هو الأداء النضالي الواعي الذي استطاع في دول أخرى أن يزعزع أعتى العروش.. تستوقفنا عبارة قالها المفكر الجزائري مالك حداد بأن الشخصية الجزائرية مبنية على العنف، وهذا لعمري أخطر ما نكتشفه اليوم ونحن نلمح شبابا في العشرين يستمتعون أيما استمتاع بالحريق، وتلك النظرات الحاقدة إزاء واقعهم وحياتهم وأنفسهم وإزاء الآخرين.. فكم تبدو ثورات الوعي والحق البناء بعيدة المنال إذا !

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق