قراءات ودراسات

فترة الأَغالِــبة العاصمة: “طبْنــة” من 296-184هــــ 909-800م

أ.د شميسة غربي

نظام الحكم في هذا العهد:
كان أوّلُ أمَرَاءِ الأغالبَة، “إبراهيم بن الأغلب”، الذي تولّى الحُكْم سنة 184هـ/800م أمَّا آخِرهمْ فكانَ: “زيادة الله الثالث” والذي سَيعْتلِي السّلطة سنة 290هـ / 902م.
يُمْكنُ القوْلُ: اِسْمِياً… كانَ الأغالِبةُ تابِعينَ للْخِلافة العبّاسِية، أمّا فِعْلياً؛ فقدْ مارَسَ الأغالبَة حُكْمَهم بِكلّ حرِّية، تحْت سُلطة الأمير المُمْتدّة منْ طرابلس إلى الحُضْنة و منطقة الزَّاب الجزائري الذي « ينْقسم إلى قسميْن: الزَّابُ الأعْلى المُمْتدّ منْ جنوب قسنْطينة إلى ساحلِ البحْر، و هو تابعٌ – إدارِياً – لِوِلاية إفْريقية أيْ تونُس الحَالية، و الزَّابُ الأسْفلُ و يمتدُّ منْ جنوب قسنْطينة إلى سُفوح جبَالِ أوْراس، و هو معْدودٌ في مُدن المغرب الأوْسط، أيْ الجزائر. »29 لمْ تذقِ الجَزائرُ؛ خلال حُكْمِ بنِي الأغْلب، طعْمَ الاسْتِقرار… فقدْ أصْبَحتْ مِنْطقة “الزّاب” مسْرحا لِأحداثٍ و اظطراباتٍ، سببُها ظلمُ الحاكِم و طغْيانُ الوُلاة، وَ تتابُعُ العمليات القمْعية التـي قضتْ على أهْل الزّاب فيمـا بيْن سـنــوات: 268هـ /781م و 280هـ/893م و286هـ/899م و 288هـ/901م، و قدْ جرَتْ هذهِ العملياتُ القمْعية ُعلى يَدِ كلٍّ مِنْ: إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب و أبي العباس بن إبراهيم الأغلبي و أبي عبد الله الأغلبي، ثمّ استيلاءُ مُحمّد بن خرز الزّناتي و تغلّبُهُ على الزّاب سنة 319هـ / 931م.
ويسوءُ الوضعُ أكثر، حين تعيش الجزائر – كغيْرِهَا – ظرُوفَ المجَاعةِ الكبْرَى التي «حمَلتِ النّاسَ على أكْلِ بعْضِهِمْ بعْضا …!»30 و يظهر “أبو عبد الله الشيعي” بوادي الرمل ( سوق حمار ) بنواحي قسنطينة سنة 279هـ/892م و تسود فكرة ظهور المهْدي المُنْتظر… حيْث سيعْملُ عبد الله الشيعي الصّنعائي على نشْرِ دعْوته، طيلة عشْر سنين… إلى أنِ انْكشفَ أمْرُهُ على يدِ الأمير “إبْرَاهيم الأغلبي الأصْغر”، و انْشغلَ الأغالِبَة بمُحَارَبَةِ الشّيعَة؛ في الوقت الذي عرَفتْ أسْرَتُهم الحاكِمَة مَقْتل الوالِد الأمير أبي العبّاس على يَدِ ابْنه “أبي مضر” وَالِي صقلية… فقدْ « أنكر عليْه والدُه أشياءَ فعزَلهُ و أدْخلهُ السّجْنَ سنة 290هـ / 903م، فاغتاظ لذلك أبُو مضر و عَمِلَ الحيلة للتّخلّص منَ السِّجنِ و القضاءِ على وَالِدِهِ… فـقـتلهُ و جلسَ على عرْش الأغالبَة بالقيْروان، ليْلة الأرْبِعاء 29 شعبان 290هـ / فاتح جويلية 903م، و أعْملَ السّيْفَ في جميع مَنْ كان مظنّة الخُرُوج عليْه منْ أهْلهِ و أقارِبهِ و بني عمّه… »31. استمرّتِ الحرْبُ مع الشّيعة، وانتهتْ بانْهزام الأغالبة، « فــسقطتْ ممْلكتُهُمْ بِــمَا فــيـهــا –الجزائر– بيَدِ الشيعة ليْلة الإثنين 26 جمادى الثانية 296هـ / مارس 909م، و هرَبَ “زياد الله” مع ذوِيه إلى بيْت المَقدِس… »32. و مع هذه الاضطرابات و الحروب، وُجِدتْ مذاهب و عقائد، شكّلتْ في مُجْملها بوْتقة من الغليَان، يُؤذِنُ بِانْفجارِ جديد… ويتعلق الأمر بمسألة القول “بخلق القرآن” فقدْ « أرْغم الأغالبةُ – وَ هُمْ وُلاة العبَّاسيين على إفْرِيقية – النّاسَ على إعتناق القول بخلق القرآن (…) وكان هناك بعض فقهاء القيروان؛ مَنْ تحَلّى بِالجدَلِ في مسْألة القدر، و خلْق القرآن، و مسألة الأسْماء، و الصِّفات (…) و لكنّ ذلك لْم يمْنعِ الأغْلبيَةَ السَّاحقة منَ التّمسّك بعقائدِ أهْلِ السُّنة والعمَل على مَذهبَيْ: مالك و أبي حنيفة… »33

الحياة الثقافية:
تميزت الجزائر في فترة الأغالبة بسيْطرة علم الفقه و التّشريع، حيْث أرْسلَ إليْها الخليفة المنْصورُ بِعْثة منَ الفُقهاءِ استقرَّتْ بمنْطقة مرْسى الخرز – القالَة – و « لمْ ينْتصفْ القرنُ الثّالث حتّى تكوَّن شيوخٌ في مُخْتلفِ العُلوم، بلْ كانَ أكثر منْ هذا؛ أن هؤلاءِ الشيوخ شرَعوا في طريق التخصّص و أقْبلوا على التدْوين في الفِقهيات . و من بيْن الجزائريين الذين شارَكوا في الحرَكة الأولى “أبو القاسِم الزواوي” الذي روى عن “ملك بن أنس” و أخذ عنه “أبو العرب” صاحب طبقات عُلماء إفريقية (…) و يَجْدُرُ بالتّسْجيل أنّ الفِقهَ طغَى على الفُنونِ الأخْرى بحيْث نجدُ الفقهاءَ أكثر عددا منَ الأدباء (…) و أخذتْ إذْ ذاك مجالسُ المُناظرَة تُعْقدُ بيْن أنْصارِ المَذاهبِ المُخْتلفة »34
تضلّعَ مِن الفقه: « الفضل بن سلمة البجائي و أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي؛ دفينُ
و قدْ ألّفَ شرْحاً لِصَحِيح البُخاري سمّاهُ: “النصيحة” و له تآليف أخرى في الحديث و الفقه منها كتاب “النّامي” شرَحَ بهِ “المُوَطأ”، و كتاب “الواعي في اللغة،” و “الإيضاح” في الرّدّ على القدرية. و توفي بتلمسان سنة 402هـ و ضريحُه مشهورٌ بباب القلعَة. »35
إلى جانب الفِقْهيات ظهرَ الاهتمام بالتاريخ؛ على يد “إسحاق الملشوني” في أواسط القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي، و ( ملشونة قرية من قرى بِسْكرة ). كان الملشوني عالما ثقة، له دراية واسعة بعلم التاريخ… و يُرْوَى أنّ « سحنون بن سعد، دخل على محمد بن الأغلب الأمير، أول يوم من شهر رمضان، فألفَى الأميرَ خالياً، فقال له: أرَاك أيّها الأميرُ خالياً… فقال: نعمْ… انْفرَدْنا في هذا الشهر المُعظمِ وَ خَلوْنَا فيه (…) فقال سحنون: فأيْن أنتَ أيّها الأميرُ مِنْ إسحاق الملشوني، يُحدِّثكَ بأخبار الأمَمِ السَّالفة و الأعْوام الماضية… فأمَر محمّد بن الأغلب بإحْضارِه، فكان يَحْضرُ في كلّ يوْم يُحدّثهُ بذلك حتّى انْقضى شهْرُ رمضان. »36 وكم يتمنى الباحث معرفة، بماذا كان هذا المؤرخ يُحدّثُ الأميرَ محّمد بن الأغلب، أمْ أنّ الإخبارَ عنْ ذلكَ، ظلَّ شفوياً وَ لمْ يُدوَّنْ ..!؟
أما على مستوى الأدب، وَ نظراً لِشحّ المَصَادرِ و غيابِ النّصُوص الجَدِيرة بالإسْتِشهادات… فرُبّمَا يكونُ – مِنْ بابِ الاسْتحْسان – الإكتفاء بذِكْرِ نمُوذجٍ أدَبِيٍّ “لِلبرِيديّ”؛ خاصّة إذا توَقفْنا عنْدَ مَسْألة مُغادرَةِ بعْضِ الأسَرِ الجزَائرِية إلى المشرق و الأندلس، حيث تشتّتَ النّتاجُ في بُطونِ الكُتب… و تتعلّقُ المُغادرَة بالأسَرِ الطبْنية الآتية: أسرة الحسن بن محمد بن أسد التميمي، التي قصدت قرطبة و اشتهر منها ثلاث إخوة: محمّد وأحْمد وعليّ. و أسرة أبي محمد القاسم بن علي الطبني و التي توَجّهتْ إلى مصْر، ثمّ أسْرَةُ عليّ بن منْصور الطبْني وهذهِ؛ إرتحلتْ إلى مصْر أيْضاَ.37
نموذج من كتابات “البريدي”: رسالة إعتذارية إلى “إبْراهيم الثاني” و الرسالة مختومة بأبيات شعرية…
« مِنْ كرَم العفو وعُلوّ قدْره وجليلِ خطره، تَسمَّى اللهُ عزّ وجلّ به فسمَّى نفسه العفوَّ الغفور، والطبع البشري مركــَّب على النقص، مقرون بالزلل، إلا ما خصَّ الله به الأنبيــاء وأودعه السادات الأمراء من طهارة الأخلاف، ونزاهة النفس، ولست، أيَّد الله الامير، ممن يدَّعي العصمة والبراءة من الهفوة، ولست أمتُّ إليك إلا بفضلك عليّ، وإحسانك إليّ، ولا أعرفك بل أذكرك انّ من غرس غرساً فواجب ألا يجــتــثــه وإن أبطأ بُسوقه، بل يمدُّه بمدّ موارده العذبة، حتى تمتد حيطانه، وتورق أغصانه. أعاذك الله بما أودعك من معالي الأخلاق، من ترك العفو عن مُقرّ معترف لا يعرف إلا فضلك و لا يرجو إلا عدلك، و لو كنت، أعزَّ الله الامير، عواناً في الخدمة، لكان عفوك أكبر من ذنبي، وفضلك في حلمك أعظم من جرمي، فكيف و أنا بكر في خدمتك لم أقف على حدودها و لا معرفة أقسام مراتبــها ؟ فإن يكن ذنب فعلـــي غير قصد او زلة فليست عن عمد… فما سألتك سؤالاً دحضت حــجــتــه، و أحاطت به زلته، و أوبقه جرمه، فالحظني بعين عفوك، و أضْفِ عليَّ ستر نعمتك، و أقول أعزَّ الله الأمير:
هبْــني أسأتُ؛ فـــأيْن العـفْو ُوالكـــــرم​*​قـــد قـــادني نحْوَك الإذعــانُ و النّدم
يـــا خيـرَ مَـنْ مُدّتِ الأيْدي إلـيْـه؛ أمَــا​*​ترْثي لمنْ بكّاهُ عنْدَك الإذْعانُ و النّدمُ
بالغْتَ في الصّفْح، فاصْفحْ صفْحَ مُقتدرٍ​*​إنّ الــملــوك إذا ما استُرْحموا رَحموا38

 

*هذه دراسة بعنوان: محاضرات في الأدب الجزائري من التأسيس إلى التّحْدِيث ننشرها على حلقات، يمكنكم الاطلاع على الجزء الأول هنا: 

العصر الرُستمي العاصمة: تــيهرت أو تيهارت من 299 -160 هــــ 911-776م

*أ.د شميسة غربي أستاذة جامعية وباحثة أكاديمية جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “فترة الأَغالِــبة العاصمة: “طبْنــة” من 296-184هــــ 909-800م”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق