ثقافة السرد

عذبة- رواية المأساة الفلسطينية- الجزء11

صبحي فحماوي

أسئلة كثيرة دارت بين جلوس مقهى فرج أبو ظريف، وحكايات كثيرة تشيب لها الولدان! “هاجم المحتلون قرية صفورية.. لم يبقوا فيها أحداً، كان الناس بعد تلك المداهمات قد تبخروا من القرية، ما بين قتيل وجريح ونازح ومختبىء! وكانت أم فرحات قد اختبأت هي وأطفالها الثلاثة، داخل مغارة بجوار قرية الرينة، بعدما قُتِل زوجها؛ أبو فرحات، وهو يدافع عن بيته قائلاً لهم: إلى أين أذهب؟ بيتي هذا بنيته حجراً حجراً، وكل حجر بعذاب! تريدونني أن أغادره وأهرب؟ ولكن إلى أين؟ بقي قاعداً، غير قادر على المواجهة! فطخّوه أمام أطفاله وزوجته، ثم وجّهوا بنادقهم نحوها ، بينما هي تحتضن أطفالها، وتنظر برعب نحوهم. فقال لها أحد المجنّدين: اغربي عن وجوهنا، قبل أن يفلت العيار من أيدينا! فخرجت وهي تلملم العصافير والأرانب، واللحوم الغضة الطرية. تجدها من شدّة الرعب، ساعةً تحملهم، وساعةً تنزلهم من على ظهرها المنحني، وهي ما تزال شابةً! وبعد هروب كبير، داخل غابات الجليل الداكنة الخضرة، احتضنتها عتمة مغارة موحشة.
راقبت الأم بحذر شديد، ما إذا كان هناك داخل المغارة ذئب، أو ضبع، أو أفاعٍ سامة! ولكنها كانت امرأة جسوراً، مقتنعة أن أبشع الوحوش لا تقتل أكثر من شخص واحد، كي تُشبع معدتها الخاوية، وتسد رمقها، ولكن هؤلاء الغرباء لا يشبعون من القتل! والغريب أنهم لا يأكلون فرائسهم، فللوحش الجائع مبرر للقتل، لأكل فريسته، ولكن هؤلاء المتحضِّرين القادمين من الغرب، ليس لديهم مبرر للقتل، لأنهم ليسوا جوعى! كان شعورها نحو الوحوش أكثر ألفة واطمئناناً، فدخلت المغارة بسلام آمنة على أولادها .
وبعد عدة أيام من الاختباء، والابتعاد عن الطاخ – طيخ! لم تستطع أن تمحو صورة قتل زوجها أبو فرحات، أمام ناظريها وأمام عيون أطفاله! وفجأةً سمعت دبيباً وهمهمات تقترب من المغارة! نعم شاهدتهم؛ ثلاثة مجندين، يدخلون جحرها! وسمعت أمر أحدهم للآخرَين :فتشوا المغارة.
احتضنت الأم ، فرحات ابن السنتين، وخضرة بنت الثلاث، ومجيدة بنت الخمس سنوات، وتشنجت نظراتها تجاه باب المغارة، رعباً وتحسباً! دخل الجنود المغارة، وأضاءوا كشافاً عسكرياً كان معهم، فكشف المستور من الأطفال وأمهم، وكل عمق وثنايا المغارة، هكذا وجهاً لوجه ! “ماذا تفعلين هنا يا امرأة “؟ سألها أحدهم، فأجابت محاولة ضبط نفسها: “كما تشاهدون! أنام مع أطفالي”! فسألها مجند آخر قائلاً: “لماذا لم ترحلوا إلى بلاد العرب؟”
“ليس لنا أحد ينقلنا” أجابت بحسرة ضياع ” نحن في متاهة” !
“أين زوجك يا امرأة”؟ سألها ذو الملابس المبرقعة .
“قتلتموه أمام ناظري في صفورية ” نظرت إله بخوف، وهي تلملم أطفالها ! فلكمها المدجج بالسلاح ببسطاره العسكري في وجهها، وهو يسألها:” هل كان زوجك مُخرِّباً يا قحبة “! صار الأطفال يتصارخون، بينما هي تتجاهل نزف قطرات دم من أنفها.راحت تجمعهم حولها مجيبة: “لم يكن معه سلاح. قتلتموه وهو قاعد هناك على الأرض “! وهنا تلفت المدجج إلى زميله المبقّع الملابس العصاباتية قائلاً:” نقتل (أخدهم)، فنرعبهم، ونضطرهم، هم والآخرين الذين سيسمعون (خكايتهم)، للفرار من البلاد كلها! نريد أن نُطهِّر البلاد منهم، فلا يبقى مطالب بأرض فلسطين بعد اليوم”! فقال المدجج بهدوء، وبعد تفكير بسيط:”أفكارك جهنمية يا إيجال “! وبسرعة سألها المجنّد سؤالاً، كان مفاجئاً لها:”من هو أبغض أطفالك إلى قلبك “؟ فارتعبت الأم وهي تجيبه مجبرة: “لماذا تسأل هذا السؤال يا خواجة؟ فكلهم أحشائي وفلذات كبدي”! وهنا تبسم المبقّع ساخراً وهو يتحرك حولها، كحركة الذئب حول فريسته، وقال: (نخن بصراخة) نريد أن نخلصك من الطفل الأشقى، كي (نريخك) من عذابه ونكده! ونبقي لك طفلين،(ترخلين) بهما إلى بلاد العرب!
“ومن الذي شكى لك عن عذابي ونكدي “! استنفرت الأم كدجاجة تحمي كتاكيتها وهي تقول “أنا أعيش فقط من أجلهم كلهم، وإذا سألت عن الأقل أهمية، فهي أنا! أنا أقدم روحي فداء أيٍّ من أطفالي يا خواجة! ولكنني أريد أن أعيش لأربيهم، دعونا نخرج من هنا أحياء، فنغادر إلى أي مكان”!
كان في حديثها مزيج من التحدي والاستكانة، والضعف والهوان، والشراسة والرجاء، والأمل والتضحية والخوف! كانت امرأة سريالية، تمتزج بداخلها كل الألوان والتعابير والأفكار! كانت كالحمامة التي طلب منها الثعلب أن تُسقط له فرخاً من فراخها الآمنين بطمأنينة داخل عشهم في أعلى الشجرة.. ولكن تلك الحمامة عرفت مؤخراً من مالك الحزين، أن الثعلب لن يطالها في عشها، البعيد عن متناول يده.. ولكن هؤلاء الأطفال يقبعون الآن تحت سونكيات بنادق الغزاة، وفي متناول أيديهم! وكذلك فإن للثعلب حجّة أنه جائع، ويريد أن يأكل، ولكن هؤلاء الصهاينة قادمون من بلاد النعمة والطعام الوفير، فلماذا، وبأي حجة يقتلوننا؟!
وخلال ذلك الحوار الدائر أمام الأطفال، الذين شاهدوا أباهم يُقتل أمامهم، وهم الآن أمام مصيبة أكبر! شاهدت الأم والمجندون منظراً عجيباً غريباً.. ! فخلال ثوانٍ معدودة أخذ الأطفال يهرمون بتسارع عجيب دون أن تكبر أحجامهم، وشعروا أنهم صاروا يعون ما يدور حولهم، وأخذت الأم تشاهد شعر أطفالها، وهو يشيب خلال دقائق، ويتحوّل من اللون الأسود، إلى قطن أبيض! لم تكن تفهم أو تدرك، هل هي في حلم ، أم في علم! لقد شاب شعر أطفالها في لحظات أمام بنادق الغزاة… واشتعلت رؤوسهم شيباً خلال دقائق!
كانت أم فرحات تفكر بالأمر؛ هل تتجاوب معهم تحت تهديد السلاح، فتسلِّم أحد الأطفال، ليسلَمَ الآخران! أم ترفض الفكرة من أساسها، فهي تحب ابنها فرحات، وابنتيها خضرة ومجيدة، دون تمييز، ولكلٍّ من أطفالها الثلاثة، روحه وبقاؤه ومتعته وفرحته ومتابعته الخاصة! كان عقلها يدور ألف دورة في الثانية، وهي تفكر متوترة :” هل هؤلاء الإرهابيون جادون في القتل؟”
صرخ المُزَنّر بحزام الرصاص والقنابل في وجهها قائلاً:
“لا بد أن تقدمي لنا (أخد) أطفالك قرباناً، وإلا قتلناكم جميعاً!
صحيح أنه كلام مجانين، وأيضاً من يسمعه صار مجنوناً! صرت أنا المجنونة! يناقشني رجال غلاظ شداد، أشكالهم داخل مخيلتي مشوهة، مدججون بآلات القتل والدمار، ويخيرونني: أي أولادك نقتل؟ وحتى لو قلت لهم: اقتلوا هذا الطفل، أو تلك الطفلة، فهل سيتقيدون بما أقول؟ بالتأكيد سيفعلون العكس! وسيقتلون الطفل الذي استبقيتُه، بهدف التلذُّذ بزيادة عذابي وجنوني! وقد يقتلونهم واحداً إثر واحد، ويبقون عليّ أنا لأتشرّب حسرتهم! وساعتها فسأطلب منهم أن يقتلوني، كي يريحوني من العذاب، ولكنهم سيرفضون طلبي، ذلك لأنهم لا يريدون راحتي! وبينما هي وأطفالها في زنزانة تعذيبية لا يمكن وصفها، دخل عليهم ثلاثة رجال مسلّحين، عرفت الأم فيما بعد أنهم من جماعة عز الدين القسام، وأنهم ثوّار كانوا يبحثون عن مغارة ينامون فيها، فبعد أن تنصّتوا على ما يدور داخلها، ليعرفوا ما إذا كان فيها أحد، سمعوا صراخاً، وفهموا ما يدور بداخلها، فهاجموا المغارة، وصرخوا في الإرهابيين؛ أن ارفعوا أيديكم، وعندها ارتبك الصهاينة ولم يعرفوا كيف يتصرفون، فصوبوا بنادقهم الرشاشة نحو الثوار، الذين بدورهم لم يعطوا الصهاينة الفرصة، بل باغتوهم بتقويسهم عند باب المغارة، بينما ارتمت الأم على أولادها، فاقدةً وعيها، فأسعفها الثوار واحتضنوا أولادها، وساعدوهم بما يستطيعون! ” لم يكن لدينا مذياعات تنقل الأخبار. كان حديث الأحياء للأحياء الذين لم يموتوا هو الإذاعة والمذياع، والمنصتون منذهلين بما يسمعون!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق