قراءات ودراسات

ابن سينا وتفسير القرآن ( 4 )

عبد المنعم همت*

النفس عند ابن سينا

يعتقد ابن سينا أن” النفس كمال أول لجسم طبيعي آلي”. ويقسم الكمال الى كمال اول وهو الذي يصير به النوع نوعاً بالفعل كالشكل للسيف . أما الكمال الثاني هو أمر من الأمور التي تتبع نوع الشيء من أفعاله وانفعالاته كالقطع للسيف وهذا يعني أن الكمال الأول هو تمييز الشي وتصنيفه بينما الكمال الثاني ما يقوم به الكمال الأول من أفعال .
وفي تقدير ابن سينا فان النفس جوهر قائم بذاته ومستقل عن الجسد وهي أعلى مرتبة من الجسد . والشي يكون جوهرياً بمعنى أن لا يكون هنالك عرضاً يلحق بالشيء وأن يكون له وجود مستقل وبذلك فالنفس الانسانية هي التي يمكن وصفها بالوجود الجوهري . والنفس عند ابن سينا منفصلة عن الجسد ولكنها على اتصال وتواصل معه ويقول ابن سينا في كتاب ( الاشارات ) مبرهناً على ذلك : ” انك اذا استشعرت جانب الله وفكرت في جبروته , كيف يقشعر جلدك , ويقف شعرك , وهذه الانفعالات والملكات قد تكون أقوى وقد تكون أضعف , ولولا هذه الهيئات ما كانت نفس بعض الناس بحسب الحاجة اسرع الى التهتك أو الاستشاطة غضباً من نفس بعض “.

أنواع النفس
يقول ابن سينا ان للنفس ثلاثة وجوه :
1/ النفس النباتية
قسم ابن سينا النفس النباتية الى وجوه ثلاث :
أ/ القوة الغاذية : وهي التي تمد الجسم بالغذاء حيث تقوم بالتمثيل الغذائي والشراب كما تقوم بتعويض الجسم ما فقده من خلايا .
ب/ القوة المنمية : هي التي تزود الجسم بالطاقة ليزداد طولاً وعرضاً وعمقاً .
ج/القوة المولدة : هي التي تعمل على التكاثر .

2/ النفس الحيوانية : هي التي تدرك الجزئيات وتتحرك بالإرادة ويقسمها الى قوة محركة وقوة مدركة .
3/ النفس الناطقة : وهي التي يتميز بها الانسان عن النبات والحيوان ويعنى بها ( العقل ) وقسمها الى عاملة وعالمة .

كتب ابن سينا قصيدة موضحاً فيها كيف أن النفس هبطت من العقل الفعال واتصلت بالبدن , ثم عودتها الى العالم العلوي لتظل خالدة حيث قال :

هبطت عليك من المكان الأرفـــع ……….. ورقـــــاء ذات تعــزُّزٍ وتـمنــــعِ

محجوبةٍ عن كلِّ مقـلـة ناظــــــٍر ………… وهي التي سفرت ولم تتبرقــعِ

وصـلت على كـرهٍ إليك وربـمــا ………….. كرهت فراقك وهي ذات توجُّـع

أنـفت وماأنسـت ولمــا واصـلـت ……….. ألفت مجــاورة الخـراب البلقـــع

وأظنهـا نسيت عهـودا بالحمـى …………. ومــنــازلا بفراقهــــا لم تقـــنـع

حتى إذا حصلـت بهــاء ثبوتهـــا ……….. في ميـم مركزهــا بذات الأجـرع

علقت بهــا ثاء الثقيل فـأصبـحـت ………. بيـن المنـازل والطلـوع الخضَّـع

تـبكي إذا ذكرت عهودا بالحمـى ………… بمدامــــعٍ تهــمــي ولمـا تقلـــع

وتظلُّ ساجعـة على الدمـن التـي ………… درست بتكـرار الريـاح الأربـــع

إذ عاقـها الشكل الكثيف وصدها ……….. نقـصٌ عن الأوج الفسيح الأرفـع

وغـــدت مفـارقـِـــةٌ لكل مخلِّــــفٍ ……….. عنهـا خليـف الـترب غير مشيِّـع

حتـى إذا قـرب المسير إلى الحمى ………. ودنا الرحيل إلى العطاء الأوسع

سجعت وقد كُشف الغطاء فأبصرت ………. ما ليس يدرك بالعــيون الهجَّـــع

وغـدت تـغرِّد فـوق ذروة شاهـــقِ ………. والعلـم يرفـع قــدر من لم يرفــع

فلأي أمـرٍ أُهـبـطـت من شاهـــقٍ ………. سامٍ إلى قصر الحضيض الأوضـع

إن كان أهبطهـــا الإلـه لحـكمـــةٍ ……….. طويـت عـن الغــزِّ اللبـيب الأروع

فهبــوطهـــا لاشـكَّ ضـربـة لازبٍ …………. لتعــود سامعـــةً لمـا لم تسـمـع

وتكــون عالمــةً بـكلِّ خفـيَّــــــةٍ ………….. في العـالمين وخرقهــا لم يرقـع

وهي التي قطع الزمان طريقهــا …………. حتى لقـد غربت بعـين المطلـــع

فكأنهـــا برقٌ تألـَّـــق بـالحمــى …………… ثمَّ انطـــوى فكأنــه لم يلمع

تفسير المعوذة الثانية

يستخدم ابن سينا مصطلحات يصعب ادراكها بسهولة ولذلك قمت بشرح النفس عند ابن سينا لتكون مدخلاً لتفسيره لسورة ( الناس ) والتي تناولها في الرسالة الرابعة .
قال تعالى : ” قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَٰهِ النَّاسِ (3) ” الناس : 1- 3 . يقول ابن سينا ” أن الربوبية عبارة عن التربية والتربية عبارة عن تسوية المزاج فان الانسان لا يوجد ما لم يستعد البدن له ” حيث أن هذا الاستعداد – حسب راي ابن سينا – يتم اذا كانت هنالك تربية لطيفة وهو المقصود بقوله تعالى : ” فَإِذَا سَوَّيْتُهُ” . الحجر : 29 فالله يخلق الانسان ويسوي مزاجه وبعدها تتم التربية بالغلبة والقهر وذلك عندما يفيض الله على الانسان بالنفس الناطقة .ابن سينا يذهب الى أن كل الحواس والقوى النباتية والحيوانية و كل ما يصدر من هذه النفوس” تحت تدبير النفس الناطقة الروحانية الشريفة الكاملة ”
اذن النفس عند ابن سينا هبطت من الخالق على الجسد بعد سوي المزاج وصارت تحت امرة وقهر النفس ومن بعدها تصير النفس مشتاقة للاتصال بتلك المبادئ التي جاءت منها وذلك ” الشوق الثابت في جبلة الانسان الحاصل في غريزته يحمله في الطلب والبحث ” . ولتحقيق هذا التواصل والاتصال ولتظل الروح مشتاقة لابد لها من أن تعي فضل الله وتكون ” دائمة التضرع الى المبادئ التي تفيض عليها شيئا من تلك الجلايا المقدسة ” . التجليات ونزول الفيض على النفس تتم بواسطة ” حركات عقلية انتقالية ” وتأخذ هذه الحركة اشكالاً مختلفة ويقصد بها العبادات وبذلك تصير النفس في هذه الدرجة ” متعبدة” وتلك المبادئ “معبودة “. ويعني ابن سينا ان النفس التي تكون مستعدة لقبول الفيض تكون في حالة عبادة وسمى تلك المبادئ حسب الوقت , الاسم الأول : بحسب تكون المزاج هو الرب , والاسم الثاني : بحسب فيض النفس هو الملك ,والاسم الثالث : بحسب شوق النفس هو الاله . وتبين كيفية ان يستعيذ الانسان بالمبدئ الأول وهو ” مبدأ الانفلاق أي المبدئ للوجود ” .
اما في تفسير “مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ” الناس :4 فيقول ابن سينا أن القوة التي تقوم بالوسوسة هي ” القوة المتخيلة ” ويقصد بها تلك القوة التي تركب بعض ما في الخيال من بعض وتفصل بعضه عن بعض بحسب الاختيار . ويسمي هذه القوة مفكرة بالنسبة للنفوس الانسانية . والقوة المتخيلة تقوم بتركيب الصور من الخيال حسب ما تم اختياره للحدث من صورة . وحركة هذه النفس تكون عكس اشتياق النفس للمبادئ والتي حددها بالرب و والملك والاله . والنفس تسعى الى الخير والفعل الايجابي المرتبط بمكان هبوطها , فهي فاضت من الله وكل ما يفيض من الله هو الخير , فالشر لا يأتي من الله مطلقاً . وما تقوم به القوة المتخيلة هو جذب النفس وتغيير مسارها وحركتها ولذلك يعتقد ابن سينا انها تخنس بمعنى تتحرك بالعكس .
قوله تعالى ” الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ” . الناس : 5 فيقول ابن سينا الخناس هو القوة المتخيلة وهي توسوس في الصدور ” التي هي المطية الأولى للنفس لما قد ثبت أن المتعلق الأول للنفس الانسانية هو القلب ” . فالوسوسة تبدأ بالقلب والذي يقوم ببث هذه القوى الى بقية أعضاء الجسم .
ثم قال عز وجل ” مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ” الناس : 6 ويصف ابن سينا الجن بانه مستتر وغير ظاهر والانس هو المستئنس . فالمستتر هو المتعلق بالحواس الباطنة والمستأنسة هي الحواس الظاهرة .
ما قام به ابن سينا من” تفسير” لسورة الناس هو ارضاء لميوله الفلسفية حيث أنه اسقط تقسيمات الفلاسفة للنفوس على التفسير . فالنفس وجوه متعددة وتتدرج من النباتية للحيوانية للناطقة والاخيرة هي التي تأتي في المقام الاعلى لأنها تمثل قمة الرقي العقلي وهي أكثر ارتباطاً بمبادئ الخير . والنفس في نظر ابن سينا صورة للجسد ولا يمكنها أن توجد بدونه , فالصورة تحتاج الى مادة ويصل بذلك الى أن النفس لا تبقى بعد فناء الجسد وتفارقه ولكنها لا تفنى.

*كاتب أكاديمي سوداني مقيم في سلطنة عمان

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “ابن سينا وتفسير القرآن ( 4 )”

  1. أستاذي
    لك التحية على التناول المميز لتفسير الشيخ الرئيس وننتظر بقية الحلقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق