قراءات ودراسات

الهروب من الرجل إليه في قصة ” عيناك قدري” لغادة السّمان

د سناء شعلان

القصة القصيرة تقدّم من دون شك خطاباً يقدّم في مجمل نظمه وبناه اللغوية رسالة إلى متلقٍ بهدف التأثير فيه، وصولاً إلى قيمة تعبيرية إيصالية تفاعلية([1]). والقصة القصيرة قد تشكّل نوعاً من الخطابات اللّغوية التي تحتاجها المرأة في طريقها نحو تأسيس قيمة إبداعية للأنوثة تضارع الفحولة وتنافسها، وتكوّن عبر كتابة تحمل سمات الأنثوية، وتقدّمها في النص اللغويّ، لا على أنّها استرجال، وإنّما بوصفها قيمة إبداعية تجعل الأنوثة مصطلحاً أنثوياً مثلما هو مصطلح الفحولة([2])

ولكن غادة السمّان  في قصتها ” عيناك قدري “تقع في شرك الفكر الذكوري، فهي أنثى تكتب باسم الأنثى، ولكن بلغة الرجل، وكأنّ طريق الإبداع والكتابة لا يكون إلا بلسان وقلم الذكورة، ومن خلال منظارها([3]).

تروي غادة السمّان حكاية عن امرأة وُلدت أنثى، ولكنّها عاشت وتصرّفت كأنّها (رجل). وهي حكاية الأستاذة (طلعت). وهي بنت من أصل خمس، كان والدهن يأمل بولد ذكر يسميّه طلعت، وقبل ولادة هذه البنت الخامسة كان الأبّ قد هدّد الأم وتوعدّها إن لم تلد له ولداً ذكراً. ولقد بذلت قصارى جهدها لتنتج غلاماً !! يسعد الزوج ويلبيّ رغبته، ولكنّها ولدت بنتاً خامسة مما جعل الأب يثور ويرغي ويزبد، ويهجم على الفراش وبيده سكين ،وكأنه يريد إرجاع الطفلة إلى بطن أمّها بالقوة.

لا يريد الأب بنتاً خامسة، إنّه يريد ولداً ذكراً اسمه طلعت. ولمّا أعجزه مجيء الولد، اضطر إلى أن يسمي البنت (طلعت) ” لتكون جسداً مؤنثاً يحمل علامة مذكرّة”([4]). ومنذ هذه اللحظة تكتب غادة السمّان، وكأنّها مسلوبة بلغة الرجل وبأحكامه بل وبأحاسيسه، وتجيّر طلعت لحساب الرجل الذي تدّعي السمّان أنها تفارق ما يكتب، ولكنّها لا تبرح أن تكون رجلاً، ولكن في قلم امرأة.

فبطلة القصة تقرّ أنها سعيدة وتملك الحرية بل وتملك قدرها فقط؛ لأنّها رجل([5]) وكأنّ السعادة لا تكون إلا هبة السّماء للرجال. وتظلّ بطلة القصة تردد في نفسها (أنا حرّة سعيدة)([6]) وكأنّ ثنائية السعادة والرجولة تلّح على ذهن غادة. وحتى عندما تحاول بطلة القصة أن تجعل لها تصوراً خاصاً عن السعادة. فهو تصوّر يسيّغه الرجل ويقدّمه لها لقمة سائغة.

عماد قال لها ذات مرّة: ” عندما نكون سعداء فعلاً لا يخطر لنا نتساءل إن كنّا كذلك أم لا؛ السّعادة تصبح جزءاً بنا. ، نحن نتحسسّ الأشياء عندما نشكّ بوجودها”([7]).

وهذا الرجل الذي يصوغ المفاهيم لها عن السعادة، هو نفسه الذي يحاصرها مرة على هيئة والدها الذي لا يربو بنفسه عن مداعبة الجارات الحسنوات، ثم يحاصرها مرةً أخرى عندما يسفّه مشروعها الذاتي في أن تصبح رجلاً “ولكن قضيتك كانت فاشلة منذ البداية. كنت تحاربين الشمس… تريدين أن تشرق من الغرب، أن تخرس الأمواج، أن يضل الليل طريقه إلى دروب المدنية”([8]).

وبذا تفشل (طلعت) في أن تكون الرجل الذي تحتاجه بالضرورة لكي تحققّ احترامها الذي تفتقده أولاً عند والدها وثانياً في المجتمع فهي” تريد أن يشعر (أي الأبّ) بأنّها تساويه… تريد أن يحبّها؛ لأنّه يحترمها لا لأنّه ينفق عليها كما ينفق على إخوتها وعلى أمها”([9]).

وفي سبيل ذلك تجدّ وتجتهد وتحصل على الشهادة تلو الأخرى؛ لتثبت أنّها جديرة بأن تكون رجلاً، وكأنّ غادة السمّان تشعر بأنّ الرجل هو الجدير بالاحترام، أمّا المرأة فقد ولدت محتقرة ومفتقرة لهذا الحق، وتحتاج إلى الكثير لتحصيله، وقد يكون الحصول على العلم السبيل إلى ذلك، وبذا تصبح غادة امرأة تلهث مع بطلة قصتها في سبيل الحصول على فتات الاحترام على موائد الرجال الذين تصفهم بتلك الشهادات في أوّل فرصة تلوح لها كما فعلت بطلة القصة (طلعت)([10]).

ورويداً رويداً يصبح الجسد نفسه خطيئة – أعني الجسد الأنثوي – فغادة التي تمثّل المرأة التي تكتب بلغتها، تغدو أسيرة لتلك السلطة الذكوريّة التي تجعلها تتعالى على جسدها، وتحاول الهروب منه”وكأنّ الكاتبة لا تكون كاتبة إلاّ إذا تذكّرت (استرجلت)”([11]).

وفي طور التجنيّ على الجسد والشعور بالخزي والعار تغدو طلعت نمرة؛فهي في البيت تجلس مثل الرجال مع والدها تسامره وتشاركه في نرجيلته، وأمّها تروح وتجيء لتخدم رجال البيت : وهما الزوج وهذه البنت المسترجلة([12]).

وفي الشارع هي نمرة أو رجل لا يعترف بوجود كلّ من حوله، وكأنّ هذه المحاولة البائسة لنفي الآخر ليست إلا تأكيداً بائساً لنفي الذات والتّضحية بها في سبيل تكريس ذاتها للهروب من الأطر التي هددت كيانها واستقلالها وحرمتها من الحبّ والاحترام([13]).

وهي لا تحمل لذلك الرجل ممثلاً بالأب ابتداءً إلاّ” الهدوء الصامت في غمرة الإحساس القائم”([14]).

وفي العمـل الذي تذهب إليه بسيّارتها تغدو نمـرة تجبر زملاؤها الرجال على احترامها والتعامل معها بجـدّ، “وكلما وقفـتْ لتتكلّم بصراحتها المعروفـة، ينصت الجميع بإجلال وإكبار”([15]).

“ومن الواضح أنّ الحكاية تنطوي على بعد رمزي يكشف عن حالة انتقال المرأة من عالم الأنوثة التقليدي حيث الدار والخدر إلى عالم جديد مارست فيه المرأة أنماطًا من السلوك لم تكن من تقاليد النساء ومن وظائفهن”([16]).

وهو انتقال لم يكن سهلاً ولا طبيعياً، ولذا فإنّ الأستاذة طلعت كانت تضع النظّارة السّوداء على عينيها؛ لتغطي أنوثتها من جهة، ولتساعدها على عدم رؤية حقيقتها المؤنّثة من جهة ثانية. وتأتي النّظارة السوداء، وكأنّها الحروف والكلمات منقوشة على صفحة اللغة. وهذه النّظارة التي تغطي عينيّ الأستاذة طلعت هي لغة الكتابة بعد أن اتخذتها المرأة الأديبة وسيلة للخروج من الظلام الحالك إلى النهار الساطع.

ولكنّ هذه النّظـارة لا تمنعها من أن تقع في الحُبّ، ولا تمنعها من أن تشعر بـ “جوع ونهم، وحنين وحرمان تختلط فيهما مع ظلال خمر لكاهنة شهوانية نُذرت عروساً لإله من رُخام”([17]). وكأنّ المرأة لا تستطيع أن تشعر بإنسانيتها إلاّ من خلال الجسد الذي كرّسه الرجل عبر التاريخ لمتعته وللهوه.

فغادة السمّان تقع في أشباك هذا التقزيم الإنساني للمرأة الذي يجعل منها امرأة تشعر بالعريّ أمام نظرات عماد، وتتمنى أن يلمسها، وأن يحطّم ضلوعها بثقل صدره، ابتسامته قادرة على بعث دفءٍ مسعورٍ في أطرافها.

وعندما تدرك غادة / البطلة أيّ جسد للمرأة ينهشه الرجل بنظراته للمرأة، تتمنّى طلعت لو أنّها ماتت ولم تعش([18]) وتسقط في تناقض الشعور؛في جمال وسوء كونها امرأة([19]) وعقدت الجسد هذه نجدها دائماً في كتابات غادة السمّان التي تبتهل لأصنام الحُبّ كي تكون بلا جسد كي يموت العُريّ من العالم([20]).

وتُقرّ البطلة (طلعت) في النهاية أنّ قضيتها كانت فاشلة منذ البداية، وأنّ النصر فيها أعظم فشل، نعم فشل المرأة الرجل([21]) ومن سينقذها من فشلها في أن تكون رجلاً؟

بالتأكيد الرجل ذاته هو من سينقذها. فعماد الرجل الذي تعمل معه والذي تحبّه يعرض عليها الزواج، ترفض في البداية، وتقاوم رغبة الاستسلام والسّقوط في المعركة التي نذرت حياتها من أجلها.

وتتدخّل الصدفة لتغيّر مجرى تاريخ الصمود في حياة (طلعت)!!! وإن كان صموداً مشكوكًا فيه منذ البداية، فعنوان القصة ذاتها يحيلنا مباشرة إلى النتيجة المتوقعة، التي تجعل من عينيّ الرجل قدراً يستعبد المرأة ويستلب إرادتها.

تزور طلعت إحدى صديقات الدراسة بعد انقطاع طويل، تتمنىّ أن تجدها سمينة مشقّقة اليدين، ولكنّها تجدها امرأة جميلة، سعيدة في حياتها الزوجية، فينهار آخر خط للمقاومة في نفس البطلة، وتستحضر عماد “وتتمنّى أن تفنى عند جذوره ليمتصها قطرة قطرة”([22]).

وأخيراً تنساق طلعت إلى المصير الذي رُسم لها منذ البداية على يدي غادة، وتصبح مسألة تدجين طلعت وعودتها إلى حظيرة الرجولة مسألة وقت، تفنيه غادة في فتات الكلمات، ورسم الحروف، وابتداع الأحداث، فغادة التي رسمت المرأة المسخ، أو الرجل المرأة، ما كانت تريد لها أن تحيا بكامل إرادتها، بل جعلتها مثلاً لاستحالة انعتاق المرأة من عبوديتها للرجل، الذي باتت تطارده في كلّ مكان، وتتغنّى بجمال القرب منه، وباتت تُحسّ” بحاجة مجنونة إلى أن تركض وراء ذلك الرجل المجهول وتسير بجانبه ويحميها ويدفئها بصوته القوي الخشن… مخلوق رائع هو ذلك الرجل”([23]).

وفي النهاية ماذا يحدث ؟

تقطع طلعت الطرقات راكضة تحلم بأحضان عماد / الرجل وتقول له: “عيناك قدري لا أستطيع أن أهرب منهما، أنا أرسمهما في كلّ مكان، وأرى الأشياء خلالهما… عيناك قدري… لا أحد يهرب من قـدره يا عماد… أنا سعيدة…  سعيدة بين أبخـرة غيمـة الدفء…”([24]).

وبذا تحصل طلعت / المرأة على السّعادة؛ لأنّ عماد / الرجل قد وهبها هذه السعادة، التي تتمثل في القرب منه، أمّا البعد عنه فهو الجحيم، ويغدو وجود البطلة / المرأة في هرم الوجود الذي تمنته في اللقاء بعيداً، وذلك لزمن قصير، لزمن تمردي محدود لا تقوى غادة على تسويغه، والدفاع عنه، وتعود البطلة / المرأة إلى حضرة الرجل صاغرة بل وراكضة، بعد أن عرضت نفسها ذاتاً ترفض اللّحاق بركب هذا الرجل.

فهذا الخطاب النسائي الذي يحاول أن يقدّم نموذجاً لأدب المرأة من خضم همومه وذاتيته لم يقدّم حسب رأيي في هذا العمل على الأقل إلاّ نصاً ذكورياً، بل وجمعتنا في الذكورة على يدي كاتبة حاولت أن تتمخّض عن رؤية نسائية خاصة، ولكنها أخفقت في ذلك، فقدّمت صورة نمطية لامرأة تعاند نفسها، ثم تعود مهزومة إلى حضن الرجل الذي لطالما استلبها كما تذكر في قصتها، وكان رمزاً من رموز السّلطة التي تقهرها وتسحق إرادتها، وبهذا فشل هذا النّص النّسوي في عرض مشكلته، وفرض خصوصيتها.

الهوامش



[1] ) عصام نجيب : الأسس النفسية للخطاب العربي، من كتاب تحليل الخطاب العربي، 77.

[2] ) عبدالله الغذّامي : المرأة واللغة، 55.

[3] ) نفسه : 166.

[4] ) نفسه، 160.

[5] ) غادة السمّان : عيناك قدري، 8.

[6] ) نفسه : 8.

[7] ) نفسه، 8.

[8] ) نفسه : 8.

[9] ) نفسه : 10.

[10] ) نفسه، 10.

[11] ) عبدالله الغذّامي : المرأة واللغة، 166.

[12] ) غادة السمّان : عيناك قدري، 10.

[13] ) نفسه : 9.

[14] ) نفسه : 9.

[15] ) نفسه : 14.

[16] ) عبدالله الغذّامي : المرأة واللغة، 161.

[17] ) غادة السمّان : عيناك قدري، 11.

[18] ) نفسه : 9.

[19] ) نفسه : 12.

[20] ) نفسه، 34.

[21] ) نفسه، 14.

[22] ) نفسه، 16.

[23] ) نفسه،17

[24] ) نفسه : 20.

أوّلاً : المصادر :

1-   غادة السّمان : عيناك قدري، ط2، منشورات غادة السّمان، بيروت، 1993.

2-    غادة السّمان : ليل الغُرباء.

3-   ليلى بعلبكي : أنا أحيا، ط1، بيروت، 1985.

4-   مي زيادة : المؤلفات الكاملة، ط1

ثانياً : المراجع بالعربية :

1-   إبراهيم خليل : في النقد والنقد الألسني، ط1، أمانة عمان الكبرى، عمان، 2002.

2-   أنور الجندي : أدب المرأة تطوره وأعلامه، ط1، مطبعة الرسالة، القاهرة، سنة ؟

3-  إيمان القاضي : الرّواية النّسويـّة في بلاد الشـام، السّمات النفسيـة والفنيـة، 1950 -1985، ط1، دار الأهالي دمشق، 1992.

4-  عبدالله الغذّامي : الخطيئة والتكفير من البنويّة إلى التشريحية، ط1، 1985، النادي الأدبي الثقافي، جدة، السعودية.

5-   عبدالله الغذّامي : الكتابة والمتخيّل، ط1، المؤسسة العربية للدراسات، عمان، 1998.

6-   عبدالله الغذّامي : اللغة والمرأة، ط2، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1997.

7-   عفيف فرّاج : المسار الإبداعي للمرأة اللبنانية، ط1، 1992.

8-  عصام نجيب : الأسس النّفسية للخطاب العربي، تحليل للخطاب العربي، جامعة فيلادلفيا، 1997.

9-   محمد عناني : المصطلحات الأدبية، ط1 مكتبة لبنان، بيروت، 1996.

10-هدى النعيمي : عين ترى، ط1، دار الكتب القطرية، الدوحة، 2002.

ثالثاً : المراجع المترجمة :

1-  إ. م فورستر وأركان الرواية، ترجمة موسـى عاصي، ط1، جروس بدس، طرابلس، بيروت، 1994.

2-  تزفتين تودوروف : مدخل إلى الأدب العجاتبي، ترجمة الصديق بوعلاّم، ط1، دار شرقيات، القاهرة، 1994.

3-    رامان سلدن : النظرية الأدبية المعاصرة، ط1، دار الفارس، عمان، 1996.

رابعاً : أوراق الملتقيات :

1-  نزيه أبو نضال : الشرط الاجتماعي وقصور الوعي في الرّواية النّسوية، أوراق عمل الإبداع النسائي الأوّل، وزارة الثقافة، عمان، الأردن، 2001.

2-  رفقه دودين : رواية النّص وتوظيف النص العجائبي، خشخاش إنموذجاً، أوراق ملتقى الرواية في الأردن، 2002.

3-    كورنيليا الخالد : المرأة العربيـة والإبداع النّسائي، أوراق عمل الإبداع النسائي، عمان، 1997.

خامساً : الرسائل الجامعية :

1-  رزان محمود إبراهيم : أعمال سلوى بكر في سياق الأدب النسائي، رسالة ماجستير، الجامعة الأردنية، 1997.

سادسًا : الصحف والمجلاّت :

1-    حكمت نوايسه : سميحة خريس في رواية خشخشاش، أفكار، ع 137، عمان، 1999.

2-  مصطفى الشاذلي : إشكالية تلقي العجائبي، آفاق مجلة اتحاد كتاب المغرب، ع 55، الرباط، 1994.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق