ثقافة المقال

المثقف.. والسلطة

بقلم: محمد جبريل

المبدع يكتب من أجل عصره، ومن أجل الآنية، ومن أجل الإضافة والتطوير والتقدم، الإبداع الحقيقي هو الذي يمتلك حيوية المواصلة والتأثير والحس الإنساني، حتى بعد انتهاء المناسبة التي كتبت فيها، أو ـ ربما ـ عبر عنها، من المهم أن تخترق شخصيات الكاتب زمانها، فلا تستقر في زمان محدد، وتتلاشى من ثَمّ بتلاشيه. يقول أرسطو: “كل من كان غير قادر على العيش في المجتمع، أو لا حاجة له بذلك لأنه مكتف بنفسه، فإنه إما وحش أو إله” أدين ذلك المثقف الذي وُصف بأنجوليوس بأنه ينحني أمام أية قوة، وأية سلطة، وأي عات مستبد، يحيا كل من يحكم بشرط ألا تقع متاعب، والديكتاتوريات تولد منه، والأنظمة الشمولية يدعمها ويؤازرها ( المصدر السابق 112)…

وإذا كان “جيتان بيكون” قد عاب على “أندريه مالرو” أنه لم ينضم إلا إلى الثورات التي كانت على وشك النجاح، وأن مالرو لم يكن على استعداد لأن يظل مخلصًا لوضع سياسي تغيب عنه الفرصة الحقيقية، فإن الكاتب النيجيري كين سارو ـ ويووا في المقابل ـ حقق أرباحًا طائلة من مؤلفاته، شجعته على الهجرة إلى بريطانيا، وشراء بيت ريفي فاخر في إحدى المقاطعات هناك، لكنه عاد إلى وطنه ليقف إلى جانب مواطنيه، وأسهم سارو في تأسيس حركة “من أجل بقاء الشغب الأوجوني”. وبصرف النظر عن صواب النزعة الانفصالية من عدمه في إنشاء تلك الحركة، فقد دفع سارو حياته ـ وكانت حياة مرفهة بكل المقاييس ـ مقابلاً لإيمانه بما يرى أنه حق لأبناء قبيلته.

البسطاء يتعاطفون ـ عادة ـ مع آراء المثقفين التي يجدون فيها تعبيرًا عن واقعهم، ومناصرة لقضاياهم، وإن كان ذلك لا يحدث في كل الأحوال، يقول تشيكوف على لسان أحد أبطاله: “إن أقسى الأمور على المرء هو أن يعمل دون أن يلقى الود والتعاطف من أي إنسان”، ويقول الفنان في قصة محمود تيمور “السماء لا تغفل أبدًا”: “نحن الآن نعمل وكلنا يسعى لغرض أسمى، ولإسعاد البشرية، ولكن: هل تحس البشرية بعملنا، وما نلاقيه من صعاب، أبدًا! أبدًا! ويسأل الراوي في قصة رفعت السعيد ” السكن في الأدوار العليا” ماذا يجدي الأمر كله؟ الشعب نائم، بل هو صوت يتظاهر ضدنا، ضدنا نحن الذين نهب نسمات حياتنا من أجله، تبدو الأمور جميعًا بغير معنى، نحن نضحي من أجل من لا يريد… لو أن الناس تحس بعذابنا لهان الأمر، لهان كل العذاب، لكن الناس بعيدون عنا، وكلماتنا: ماذا تجدي؟ هل تقنع أحدًا؟ (السكن في الأدوار العليا 28).

لكن المثقف الحقيقي هو الذي يعمل دون أن ينتظر المقابل، وعلى الرغم من قول الراوي في قصة عبد العال الحمامصي ” الشاعر والبنت الحلوة” : “ما أقسى أن يقابل الإنسان بالكراهية من الذين يحبهم”. فإن على المثقف ـ المهموم بمشكلات الوطن ـ ألا ينتظر المقابل لما يبذله، حتى لو كان تضحية جسدية.

المثقف الحقيقي لديه رؤية نقدية للمجتمع الذي ينتمي إليه، وللمجتمع الإنساني الأوسع، بحيث لا ينغلق عن العالم، ويأخذ من التجارب المتنوعة بلا عقد ولا حساسيات. ومن منطلق الفهم والتفهم والثقة بالذات والقدرة على الفعل، لن يمارس المثقفون/ الصفوة دورًا مع المطلوب، ما لم يدركوا أن هذا الدور لصالح المجموع، وليس ضد الحاكمين في الوقت نفسه، وكما يقول بولاك Polak فإن ما يؤدي إلى تقدم مجتمع ما، هو الصور المستقبلية التي يكونها الصفوة من مواطنيه، فإذا تباينت المصالح بين الحاكم والمحكوم، فإن قيمة المثقف في ابتعاده عن السلطة الحاكمة بقدر اقترابه من مواطنيه المحكومين، دور المثقف الإيجابي ـ في كل الأحوال ـ هو الإضافة والتطوير والتقدم، والحديث عن مشروع ثقافي عربي يبدو حلمًا ورديًّا وصعب المنال، ما لم تتحقق ديمقراطيات ـ أو حتى شبه ديمقراطيات ـ تتيح للثقافة الحقيقية أن تتنفس، وتؤدي دورها المأمول لصالح الجميع.

المثقف ـ في رأي سارتر ـ ليس مسئولاً عن نفسه فحسب، وإنما هو مسئول عن كل البشر، والإنسان الذي يرى قيمة الاختيار لا يستطيع إلا أن يختار الخير. والخير لا يكون كذلك إلا إذا كان للجميع، المثقف قائد للجماعة، وهو من يسعى إلى التغيير في الجماعة التي يقودها بأفكاره.. إنه يوجه، وينصح ويحذر، ويقدر وعي مواطنيه.. ثم تأتي استجاباتهم لأقواله، وهي استجابات تذكرنا بحديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي يطلب من الناس أن يغيروا ما فسد، بدءًا بالسيف، وانتهاء بالقلب، وهو أضعف الإيمان.

ولعل أخطر ما يعانيه المثقف هو الانفصام بين الفكر والفعل، وبين الرأي والمبادرة إلى نقيضه، الحكمة اليونانية تقول: ” إذا أراد الله بقوم سوءًا، جعل عشقهم الأول للسلطة السياسية”. وهذا هو المرض الذي يعاني تأثيراته معظم مثقفي الوطن العربي، فالسلطة شاغلهم، وربما توسلوا إليها بمغازلتها، بمداهنة الحاكم وتملقه، ومعاونته ـ في أحيان كثيرة ـ على القيام بأدوار سلبية في حياة شعوبهم، وكما يقول بورديو فإن السلطة لا تحكم ولا تأمر إلا بمساعدة من تحكمهم.

إن المثقفين ـ في تقدير ميشيل فوكو ـ طرف من السلطة. مجرد كونهم عناصر وهذا خطاب يجعل منهم طرفًا في لعبة السلطة.

دور المثقف الحقيقي ـ المطلوب ـ هو النضال ضد أشكال السلطة، لكن المثقفين ـ في أحيان كثيرة ـ يمثلون القوة الخفية الحقيقية في مواقع السلطة، فتبدو السلطة لملك أو سلطان أو رئيس جمهورية، لكن السلطة الفعلية تظل في أيديهم؛ حيث يمسكون بكل خيوط اللعبة، ويتحول الحاكم إلى مجرد واجهة. يصفهم عبد النبي المتولي في رواية ” زاهرة الصباح” : “لا أحد يعرف وظائفهم، ولعلهم بلا وظائف محدودة، لكنهم أخطر من خاصة الملك”.

لقد أظهر عبد الرحمن الجبرتي حيرته عندما قارن بين أي مملوك محسوب على الإسلام، يقطع رقاب دون جريرة حقيقية، وبين قيادة الاحتلال الفرنسي التي حرصت على تقديم سليمان الحلبي إلى المحاكمة، بعد أن قتل كليبر، واعترف بما فعل وانتدب له محام، وأجريت المحاكمة في العلن، قبل أن يصدر الحكم بالإعدام.

فأي فارق..؟!

الصفوة هي التي تمسك في يدها بمقاليد الأمور في المجتمع من خلال إمساكها بمقاليد الأمور في مراكز البحث العلمي والجامعات ووسائل الإعلام ودور النشر وإستديوهات السينما والمسارح. الصفوة هي القيادة الحقيقية للرأي العام، هي التي تشير وتوجه وتؤثر وتحرك. أذكر قول توفيق الحكيم: “إن انقراض طائفة الخاصة التي تفكر بعقلها الممتاز، وتقود الشعب وتبصره وتنهضه وتهديه، معناه زوال الرأس من جسم الأمة، هل رأيت جسمًا يسير بلا رأس؟! (عصا الحكيم ـ مكتبة مصر ـ 23).

يطالب صلاح الدين حافظ “الصفوة المثقفة، أو النخبة” بأن تجيب عن السؤال: ماذا تريد مصر، وأية صورة تتخيل وتعمل من أجلها، الآن وفي المستقبل؟

هذا هو ـ في تقدير صلاح الدين حافظ ـ دور النخبة المثقفة، بدلاً من الدور الذي تتزاحم عليه الآن بتهالك شديد ونفاق قبيح؛ طلبًا لمنصب زائل، أو طعمًا في مال سائب، فهي “تعزف لحن الانهيار، وترقص على أنغام الفرقة، وتبيع المحرمات الوطنية والقومية في سوق النخاسة بأبخس الأسعار”.

أخطر الأمور حين تصبح الأحزاب والمؤسسات الدستورية مجرد واجهة (كومنبارس) لحاكم فرد، ديكتاتور، يملي إرادته فلا راد لها ولا معقب على ما يصدر عنها من قرارات.

لقد ورثت أيام الاحتلال قوى “وطنية” ركبت الموجة، أو أفادت من تاريخها النضالي في الحصول على مكاسب طارئة ودائمة، بصرف النظر عن عدم مشروعية الوسائل. خرج الوطن من سلطة الاحتلال الأجنبي؛ ليقع في قبضة سلطة أخرى، تنتمي إلى الوطن نفسه، باعتبار أن قادتها من أبناء الوطن، لكن ممارسات هذه السلطة ـ في الحقيقية ـ أشد قسوة من سلطة الاحتلال، وإذا كان تعسف سلطة الاحتلال يسهم في تجميع كل القوى سعيًا لاستقلال الوطن، فإن تفتت القوى الوطنية ما بين معارض لسلطة الحاكمين من أبناء الوطن، ومؤيد لهذه السلطة، يعني ـ ببساطة ـ تفتت الوطن جميعًا وغياب الوحدة التي يفرضها وجود محتل أجنبي…

الحكمة العربية تقول: “خير الأمراء الذين يأتون العلماء، وشر العلماء الذين يأتون الأمراء”.

والحق أنه من الظلم للمثقف إهمال محاولات السلطة لاحتوائه، وإدماجه داخل جهازها الحكمي، وأن يتحول إلى مجرد حاشية أو بطانة أو بوق دعاية أو أداة تسلط. باختصار يتحول إلى خصم مناوئ للجماعة، وليس جزءًا منها، ومتفاعلاً معها…

من الصعب ـ على سبيل المثال ـ إغفال الدور السلبي الذي قامت به الصفوة العربية في إسقاط تجربة دولة الوحدة، فقد تغاضى مثقفو مصر وسوريا عن سلبيات القيادة في الممارسة، ولم يرتفع الصوت الشجاع بالنقد، أو حتى بالملاحظة، فبدأت عناكب التآمر ـ وهي محسوبة ـ للأسف على الصفوة ـ في نسج خيوطها، حتى فاجأت القيادة والعالم العربي بتقويض التجربة. والطريف، والمؤسف ـ أنها احتفظت بعلم الوحدة، وذرفت الدمع ـ فيما بعد ـ على ما واجهته التجربة الوحدوية، بل إن الوقفات تتوحد كل عام في مناسبة إعلان قيام دولة الوحدة.

إن الحاكم في عالمنا العربي يأتي ـ غالبًا ـ بالقوة المسلحة، ولا يذهب ـ غالبًا ـ إلا بالقوة المسلحة. وإن معظم الحكام العرب ذوو نزعة كارزمية، بمعني أنهم هبة أرسلتها العناية الإلهية لإنقاذ الأمة، والصفات الخارقة التي يتحلون بها إنما تفجرت من نبع إلهي…

وقد أعلن أحمد بهاء الدين يومًا ـ بصراحته الذكية ـ أنه كان أقل الصحفيين نفاقًا للسلطة الحاكمة، فهو يدرك جيدًا أن السلطة لن تظل صامتة، مقابل الإصرار على مناقشة تصرفاتها. فضلاً عن تلك التصرفات، فإنه قد يلجأ إلى وضع “السم في العسل”، ويغلف الدواء بالقليل من السكر، حتى يسهل على السلطة ابتلاع النصيحة! لكن أحمد بهاء الدين لم يكن يشغل ـ مع من يماثلونه في الفهم ـ إلا حيزًا محددًا ومحدودًا، فثمة من رفضوا حتى رأس السلطة. إنه يرفض النفاق وأغنيات الإشادة، واعتبروا رفض رأس السلطة نفاقًا للجماهير، وزادوا من إيقاع النفاق بما تعجز الكلمات عن وصفه!

الصوت الوحيد الذي يستطيع أن يسمعه الخطاب السلطوي هو صوت القوة، وعندما يسمع هذا الصوت في النهاية، فإن صوت السلطة يلوذ بالصمت، قد تفلح السلطة في السيطرة على المثقف بالترغيب والترهيب، الذي قد يصل إلى حد التصفية الجسدية، وعلى المثقف أن يصمد وأن يناضل. أذكرك بمقولة غاندي “أفضل للإنسان أن يناضل بدلاً من أن يخاف”.

روائي وأديب مصري.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق