قراءات ودراسات

الفترة الفاطمية العاصمة: “المسيلة” من 361-296هـــــ 972-909م؛

أ.د شميسة غربي*

نظامها الحكومي:
انحصر عدد الخلفاء العُبيْديّين بالمغرب في أرْبعة أسْماء، أوُّلها عُبيْد الله المهْدي الذي كانت توْليتُه سنة 297هـ / 909م، و آخرها أبو تميم معد المعزّ لدين الله بن منصور، و تولَّى السُّلطة سنة 341هـ / 952م. فإلَى الوَالِي الأوَّل “عُبيْد الله”، تُنسَبُ الدّوْلة العُبيْدية.. و أمّا تسْميةُ “الفاطِمية”، فقدْ تعودُ النّسْبةُ فيها إلى فكْرَة الإنْتمَاءِ إلى فاطمة الزّهْراء أي قلبُ بيْت النُبوَّة الشّرِيفة.. قامتِ الدّوْلة العُبيْديَة على أساسِ المذهبِ الشّيعِي « و أشْهرُ فِرَق الشّيعَة الإمَامِيَة و الزّيدية، و لِكلٍّ مِنْهُمَا طوَائف وَ فرُوع، منْها مذهبُ الإسْماعيلية المُتفرِّع عنِ الإمَامِيَة و الّذي تسرّبَ إلى الجزائِرِ (…) و لم يَعْظمْ خطرُهُ حتّى جاءَ أبُو عبْد الله الصّنْعائي و نزلَ بقبيلة “كتامة” و أخذ يبُثّ الدّعْوة الشيعِية الإسْمَاعيلية. »39. يُمْكنُ فهْمُ سياسَةِ الشّيعة الفاطميّين بِتلْخِيصِها في فكْرَة “المَهْدَوِية”… و فيمَا كان يَكْتبُهُ أبو عبْدِ الله الصّنْعائي و هو خارجٌ إلى الحرْب: “المُلك لِله”، يكتب هذه العبارة على أفخاذ الخيل… و “عُدَّة الله”، يكتبها على السلاح… و عبارة: “سيُهزَم الجمْعُ و يُوَلّون الأدْبَار”، يكْتبُها على الرَّاية البيضاء…
عباراتٌ تُوحِي بالبَأس الشّديد… و مَنْطقٌ يُوحِي بِالتّوَجّس…!
و « بقيام هذه الدّوْلة في المغْرب، كانَ في العالم الإسْلامي يوْمئذٍ، ثلاثُ خِلافاتٍ: خلافة العبَّاسيين ببغْداد، و خِلافة الأمَوِيّين بالأنْدلس، ثمَّ هذه الخلافة العُبيْديَة المُسْتقلّة بالمغرِب. »40 استولى الشيعة على عمَالتيْ الجزائر الشرْقية و الغرْبية.. وَ احترقتْ “وهْرَان” بالنّيرَان وسادَهَا الخرَاب على يدِ مُحْتلّها المدعو “يعْلى بن محمّد بْنُ صَالح” و لم تلبث أنْ لحِقتْ بها منَاطقُ أخْرَى شهِدَتْ نفْسَ الخرَاب… و يتعلّقُ الأمْرُ “بتلمسان” و ” تْنَسْ” و “شرْشال” وأصْبَحَ الجزَائِريُونَ على المِحَكّ… ممَّا « سيسْتوْجبُ مُناهضَة الشّيعة لِمُدّة خمْسين سنَة تقرِيبًا… »41
الحياة الثقافية:
اجْتهدتِ الدّوْلةُ العُبيْديَة في نشْرِ الثقافةِ الإسْلاَمِيَة و خِدْمَة العِلْم بمُخْتلف الألْسُنِ وَ اللغات.. وقد كان « الصّراعُ القائمُ بيْن عُلماء و أدَباء الشّيعة و زُمَلائِهِم السُّنّيين مَدعاة لإعَانَة الثّقافة على الإزْدهار. فكلّ فرْقةٍ تدافعُ عنْ آرائها و تتفنّنُ في أسَاليبِ إقناع الخصم، فكثرتِ المقالات النّثرية و القصائد الشّعْرية ….»42
« كان ذلك أول عهد المغرب بالفلسفة و مباحثها الممتزجة بعقائد الشيعة (…) و يوم أنْ توجه المُعِزّ للرّحيل إلى الدّيارِ المِصْرِية حملَ معهُ منْ بِلادِ المَغْرب و الأندلس صُنّاع التّصاوِير وكلّ نوابغ الفنون الجميلة و كان فيهِمْ رجالٌ منَ القبيلة الجزائرية الكبْرى “كتامة” يُسَمّوْنَ المُزَوّقين… كانوا يُزَوّقون الجُدْران بِألوانٍ مُتعدّدةٍ منَ الأصْباغ (…) و كان رئيسُ الجمَاعَة، رَجُلاً يُعْرَفُ بِاسْم: “الكتامي”، صنع صورةً ليُوسُف عليْهِ السّلام و هُوَ في الجُبِّ عرْياناً والجُبُّ كلهُ أسْوَد. و مِمّا أثبته التاريخ، لهذا الخليفة العُبيْدي أنّهُ هوَ الذي أمَرَ بِصُنْع قلم الحِبْر stylographe (…) فقد ورد في كتاب الخصائص و المُسَامرَات للقاضي النّعْماني عنْدَ كلامِهِ عن الإمام المُعِزّ، مُخْترِع هذا القلَم « ثمّ مرّتْ أيامٌ، حتّى جاءَ الصّانعُ يحْملُ قلماً من ذهب، فأوْدَعَهُ المِدادَ، وكتبَ به، و زَادَ شيْءٌ مِنَ الِمدَادِ عَنْ قدْرِ الحاجَة؛ فأمَر بإْصلاحِه… فإذا هو يُقلب باليد و يميلُ إلى كلّ ناحية… ثم إذا رَفعهُ عنِ الكِتاب، أمْسكَ المِداد، فرَأيْتُ صنْعةً عجيبةً، لم أكنْ أحْلمُ أنّي أرَى مثلهَا… »43
بَرَز في فترة العُبيْديّين الفاطميين على مُستوى الشعر، الشاعر الكبير؛ ابن الهانيء الأندلسي الذي اسْتهوتْه مِنْطقة الزّابِ الجَزَائرِي… فنَظمَ فيها و في مَمْدوحِيه الشّعْرَ الكثير…. يقول:
خليليّ أين الزاب مـني و جعفر​*​و جنات عدن بنْتُ44 عنهــا و كوثـر
فـقبْلي نــأى عـن جنة الخلد آدم​*​فما رَاقه من جانب الأرض مـنظــــر
لــقـد ســرّنـي أنـي أمــــرُّ بباله​*​فــيـخـبره عــنــي بـــذلك مــخـبـــر
و قـــد ســاءنــي أنـي أراه ببلدة​*​بها منسك45 و منه عظيم و مَشْعـر46
و قــد كـان لي منه شفيع مشفع​*​بـه يـمـحــص الله الذنـوب و يـغفــر
أتـى النــاس أفــواجاً إليك كأنما​*​من الزاب بيتٌ أو من الزاب محشر
فــأنــت لِــمَنْ مــزّق الله شـمله​*​و مـعــشــره و الأهلَ أهـل و معشر
النص 2 :
ما شئتَ لا ما شاءت الأقدار​​*​​فاحكمْ فأنتَ الواحد القهّـــار
و كـأنمـا أنـت النـبـي محّمد​​*​​و كأنما أنصارُك الأنصـــارُ
أنــتَ الـذي كانت تُبشّرُنا به​​*​​في كتْبها الأحْبار و الأخبـار
هذا إمــام المُتـقـين و مَن به​​*​​قد دوّخ الطغيان و الكفّــــار
هذا الذي تُرْجى النجاة بحبِّه​​*​​و به يُحطُّ الإصْرُ و الأوزارُ
من آلِ أحمدَ كلُّ فخرٍ لم يكنْ​​*​​ينمي إليهم ليس فيه فخــــار47
و كم تمنّيْتُ أنْ أعْثرَ على نُصوصٍ نثرِية لهذه الفتْرة منْ فتراتِ الجزائر، لكنّي لمْ أفلحْ في ذلك… فاكتفيتُ بنموذج ابن الهانيء… وَ كُلّي أسَفٌ… فحتّى الكُتبُ التي أشْتغلُ عليْها، تُشيرُ إلى وُجودِ كتاباتٍ نثرية لـلجـزائـريـيـن آنـذاك، و لكنّ هذه الكتبَ لا تُمَثلُ لِلمَكْتوب، بِنُصوصٍ
تمْثيلية؛ يَسْتفيدُ منْها البَاحِث في التّرَاث الجزائري… فهل هو التّقصير.. أمْ هوَ غيابُ النّصُوصِ فعْلاً؛ في أتُونِ الفِتنِ و الإضْطِرَابَات…؟ و على العموم؛ فأخْذ القليل خيْرٌ مِنْ ترْكِ الجَميع.

 

*هذه دراسة بعنوان: محاضرات في الأدب الجزائري من التأسيس إلى التّحْدِيث ننشرها على حلقات، يمكنكم الاطلاع على الجزء الأول هنا:

العصر الرُستمي العاصمة: تــيهرت أو تيهارت من 299 -160 هــــ 911-776م

فترة الأَغالِــبة العاصمة: “طبْنــة” من 296-184هــــ 909-800م

 

*أ.د شميسة غربي أستاذة جامعية وباحثة أكاديمية جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الفترة الفاطمية العاصمة: “المسيلة” من 361-296هـــــ 972-909م؛”

  1. شكرا لك بوركت
    نسال من الله ادامة الصحة والعافية عليك ايتها الموسوعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق