قراءات ودراسات

ماريو فارغاس يوسا بين السياسة والإبداع

بقلم: د. ماجدة حمود

ما إن فاز الروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا بجائزة نوبل للآداب، حتى رأينا بيننا من يهاجمه لكونه عنصريا ضد العرب، خذل قضيتهم المركزية! كأنهم يلمحون إلى أنه لولا خيانته لنا، ودعمه لإسرائيل، وتملقه أمريكا، لما استحق نوبل! في البداية لابد أن نتساءل: أيهما أكثر أهمية للمتلقي ما يبدعه الروائي أم ما ينشره من آراء سياسية قد تهجس بالمصلحة الآنية!؟ أين نجد المتعة في الفن أم في مقال مرتجل تمليه لحظة عابرة؟! بعبارة أخرى: أين أجد المبدع أكثر صدقا في إبداعه أم في تصريحاته السياسة؟ ثم ألا تتأثر هذه التصريحات بما تبثّه أجهزة الإعلام الغربي، التي لا تتفهم قضايا العرب، وتنطق بوجهة نظر أعدائهم؟ هل يحق لنا أن نحاكم يوسا لعدم تعمقه في تاريخنا وقضايانا؟ فقد اتهم بأنه لا ينظر لإسرائيل بصفتها كيانا معتديا!!!أين العرب في نشر قضاياهم في الغرب، وفضح الممارسات العدوانية للكيان الإسرائيلي؟…

لقد حوصر يوسا بتهم استمدت من بعض مواقفه السياسية (تخلى عن الحزب الشيوعي، تخلى عن شعبه في البيرو، يعيش في الغرب، ويحمل الجنسية الإسبانية، يمالئ أمريكا وإسرائيل…)

أعترف لكم بأنني لن أحاكم يوسا انطلاقا من مواقفه السياسية، التي تخضع لمؤثرات خارجية أهمها سيطرة الصهاينة على وسائل الإعلام الغربي! وإنما انطلاقا من إبداعه، حيث يكون المبدع أكثر صدقا مع نفسه! لكن من الملاحظ أن كثيرا من مهاجمي يوسا، كالعادة، لم يقرؤوا رواياته أو مؤلفاته في نظرية الرواية!!!! ومن قرأه اتهمه بإتقان اللعبة الفنية على حساب العمق الفكري ونصرة القيم الإنسانية! بل وجدناهم يتساءلون: أين روح الكاتب؟ هل لديه انفصام ضميري، حتى أصبحت الكتابة ترفا، كما قال سارتر؟(1)

إذاً سأناقش بعض هذه الآراء انطلاقا من مؤلفات يوسا نفسه خاصة أنه وهب حياته للرواية (تنظيرا وإبداعا) وسأحاول دراسة صورة العرب وأمريكا في روايته “حفلة التيس” لكن قبل ذلك سأقدم رؤيته لعلاقة الكتابة الروائية بالأيديولوجيا، وما هي صلتها بالحياة؟

من أجل ذلك عدّت إلى مفهومه لنظرية الرواية، ففي كتابه، المترجم إلى العربية، وهو بعنوان “رسائل إلى روائي شاب” يدعو فيه إلى الكتابة في مواضيع تفرضها الحياة عليه، بعيداً عن الأيديولوجيا التي يتبناها، وهذا ما ينقص بعض الروائيين العرب، لهذا نصح (يوسا) المبدع أن بتجنب تلك المواضيع المفتعلة التي لا تولد بصورة حميمة من تجربته الذاتية، ولا تصل إلى وعيه بطبيعة لها سمة الضرورة، من هنا تتلخص حقيقة الروائي وصدقه في تقبل شياطينه الخاصين، وخدمتهم بقدر ما تسمح به قواه! هنا نتساءل: هل تكون القضايا العربية في صلب تجربة (يوسا) الحميمة!؟

ثم يلفت النظر إلى أن الكتابة مؤثرة حين يؤسسها التخييل، الذي يتدخل في جميع عناصر الرواية (المكان، الزمن، الراوي…) فيستطيع تحرير الإبداع من معطيات الواقع الآني وتزويده بالاستقلال الذاتي، عندئذ يمتلك القدرة على الإقناع بعالمه الروائي المتخيل، والذي لم يقطع صلته بالإنسان وبأحلامه! من هنا يمكننا أن نلاحظ هاجسه بالهم الإنساني، فقد انتقل مثلا في روايته “الفردوس على الناصية الأخرى” من هم تحرر المرأة (فلورا تريستان) إلى تحرر الإنسان المقهور أيا كان! بل حاول أن يخترق عوالم جديدة حين قدّم أزمة الإبداع لدى الفنان (غوغان) التي جعلها أزمة وجود! بل ربط تجدده بانفتاحه على حضارات أخرى (في تاهيتي) ترى الأصالة في الآخر المختلف، وتنـزع من ذاكرتها مقولات عنصرية، يربى عليها الإنسان!

من هنا نستطيع أن نتفهم رفض يوسا أن تكون الرواية جزءا من السيرة الذاتية! إذ ثمة شوق في أعماق كل روائي، على حدّ قوله، إلى العيش في عالم مختلف عن ذاك الذي يعيشه، سواء أكان عالم الإيثار والمثالية والعدالة أم كان عالم الأنانية المنكبّة على إشباع أقذر الشهوات المازوشية والسادية!

إذاً يدعونا (يوسا) للعيش في عالم الرواية من خلال الكلمة، التي أبدعها الروائي بصورة مشفرة، فنعايش تنازعه بين الواقع المتاح وبين رغبته (أي رذيلته أو نبله) فيستبدل بالواقع ما يحلم أن يعيشه، فهو يصغي لنوازعه الداخلية ولخياله، كي يجسد عالما  يلبي فيه حاجاته الروحية والجسدية.

وبذلك نجده معنيا بتجسيد رواية ذات هندسة معمارية تقوم على المخيلة ولا تقطع صلتها بالواقع المعيش، إذ لن  يستطيع الروائي أن يتخلى عن بعض الأحداث والأشخاص والظروف التي عايشها، وتركت أثرا في ذاكرته، وحركت خياله المبدع، فيبني انطلاقا من تلك البذرة عالما متكاملا، إلى درجة يبدو فيها من المتعذر التعرف على تلك المادة الأولية المأخوذة من السيرة الذاتية، التي كانت صلة الوصل بين المتخيل والواقع، لكن الروائي استطاع أن يتجاوزها بفضل الإبداع.

إذاً إن التحدي الإبداعي الذي يواجه الروائي هو القدرة على تحويل العالم الواقعي، الذي يمتلكه المبدع عبر التجربة، إلى عالم متخيل، يستخدم فيه أدوات رمزية، إذ كثيرا ما نجد التباسا بين التطلع إلى الاستقلال الذاتي عبر الخيال والعبودية لما هو واقعي، لكن لن يتمكن أحد الفصل بينهما، فالخيال يستمد مواده الأولية من الحياة الإنسانية، ويغنيها بدوره، فيتيح لنا فرصة العيش في حياة أخرى أكثر جمالا مما هي عليه في الواقع.

من هنا يحدد (يوسا)  سمة الروائي الأصيل فحين يكتب استجابة لنداء الأعماق، نجده لا يختار موضوعات بعقله وإنما بروحه وإحساسه! لهذا لن يكتب المبدع الحقيقي استجابة لنوازع آنية، وسيفشل كل من يفكر بكتابة ترويجية لفكر ما أو عقيدة، دون أن يفكر بالجانب الجمالي، الذي يمتلك القدرة الحقيقة على التأثير في المتلقي! لأنه سيكون بعيدا عن كل ما هو ضيق ومحدود (كالمصلحة المادية والإعلامية)

إن ما يهمه هو إثارة الدهشة والجمال، لهذا دعا إلى البحث عن مظهر للحياة قد يكون منسيا وتسليط الضوء على وظيفة مهمشة في التجربة الإنسانية والوجود ، كي يقدم لنا رؤية غير مسبوقة للحياة(2) ولكن أن يمكن أن يتحقق ذلك إذا لم يتعمّق المبدع في قضايا الإنسان والوجود!؟

إن هذا الوعي الجمالي في نظرية الرواية جعل متابعة رواياته متعة لا تنسى! فمثلا حين نتأمل روايته “حفلة التيس” التي لو لم يكتب سواها لكفته مجداً، سنجد خطأ تلك المقولات، التي تتهمه بالتخلي عن أهل بلده، كما تتهمه بمعاداة العرب! فقد عايشنا عبر لغة الفن المدهش آلية الاستبداد، التي نعاني منها نحن العرب مثل بلدان أمريكا اللاتينية! لذلك أمتعتنا الرواية برسمها صورة المستبد، أيا كان، عن طريق معايشتنا أعماق طاغية الدومينيكان (تروخييو) في لحظات ضعفه وقوته، حتى إنه لم يستطع الارتباط مع الآخر، أياً كان، بأية علاقة إنسانية (حب، صداقة…) إذ لا مكان لديه للعائلة، أو للدين، أو للفن، وبالتالي فهو بعيد عن تلك العلاقات الروحية التي ترتقي بالنفس البشرية! وقريب من تلك الأفعال الوحشية التي لا يوقفها ضمير أو أي  إحساس بكرامة الإنسان!

وقد استطاع أن يمتّعنا بفضح آلية الاستبداد، وكيف تمّت مقاومته، حين جسّد أصوات أعوانه ومعارضيه!  فعايشنا الحاشية حوله، وهي تتملقه، وتستجديه، بل تحول الجميع إلى عبيد له، حتى إنهم ضيّعوا كرامتهم من أجل الفوز برضاه، فكان هدر إنسانيتهم من أجل (تروخييو) أمرا طبيعيا! لذلك وجدنا رئيس وزرائه، يضحي بأعز مخلوق لديه، إذ يقدم ابنته الصغيرة قربانا لسرير شهوات هذا الطاغية! لهذا أتاحت لنا الرواية معايشة عمق المعاناة الإنسانية لدى هذه الابنة التي دمّرت هذه التجربة كيانها! فكرهت حياتها مثلما كرهت أباها!

كما أتاحت لنا هذه الرواية فرصة معايشة الأجواء المسمومة التي  يبثها الطاغية بين حاشيته، كي يفوز بإخلاصهم وتفانيهم، بعد أن يمسخ شخصيتهم ويحولهم إلى عبيد!

قد تكون رواية “حفلة التيس” انتقاما من الاستبداد، الذي عايشه بشكل يومي في بلده (البيرو) خاصة بعد أن رشّح يوسا نفسه لرئاسته، وقد صرّح بأن الهزيمة لم تؤلمه، قدر ما آلمه تحول أعوانه إلى معسكر الخصم المنتصر (فيجيمور)  الذي لم يستطع تحقيق العدالة، مثلما لم يستطع القضاء على الفقر، فأحس أن الفرق بينه وبين خصمه، الذي انتصر عليه، كالفرق بين الليبرالية والمحافظة في الاقتصاد، وبين الاستبداد والتعددية في السياسة، لهذا ليس غريبا أن تنتهي فترة حكم هذا الرئيس بهربه عام (2000) إلى اليابان بعد فضيحة فساد(3).

لم يعايش (يوسا) المستبد في بلاده فقط، بل رحل إلى كتب التاريخ ليبحث (كما حدثنا حين زار دمشق)  حوالي أربعة عشر عاما في عوالم الاستبداد، عن تفاصيل ملامحه، وآلية تفكيره! لهذا استطاع أن يدهشنا بتفاصيل رائعة وبلغة ساخرة  (يستطيع أن يتحكم بالملايين من رعيته ، ولا يستطيع التحكم بمثانته) فهو رغم ما يحيط به من أعوان وأتباع لن يبوح لأحد منهم بما يعتلج في أعماقه، وما يعانيه من لحظات ضعف بشري! إذ إنه حريص على ترسيخ صورة الإنسان الشبيه بإله في أذهان شعبه سواء في ذلك الإنسان البسيط أم الوزير! إنه يريد أن يراه الآخرون، كما يرى ذاته متفوقا على كل من يحيط به، لهذا نراه دائما في حالة إصدار أوامر للآخر، وحين يسمعه فلكي يسفّهه! من هنا بدا الآخر، أيا كان، محتقرا! وبات الجميع “قمامة” أمام ذاته المتورمة!

إذاً إن فضح آلية الاستبداد فنيا يخدم الإنسان في أي مكان وأي زمان، باعتقادنا، فيمنح الرواية قدرة الدخول إلى ضمائرنا وعقولنا معا!

هناك من يتهم (يوسا) بممالأة أمريكا، من أجل الحصول على مكاسب مادية! هنا أتساءل: كم كاتب عربي زار أمريكا؟ وكم كاتب يحلم بزيارتها؟

سأحاول من أجل استجلاء علاقته الملتبسة بأمريكا أن أبتعد عن حياته الشخصية، بما فيها من نقاط ضعف بشري! إذ أعتقد أن الكتابة الإبداعية أكثر صدقا مع الذات من التصريحات، التي تمليها مصالح مادية! فقد فضحت “حفلة التيس” دعم الحكومة الأمريكية للمستبد! الذي ربّته صغيرا، ورعته بعد الاستيلاء على السلطة، لهذا بدا (تروخييو) ابنا وفيا لتعاليم المارينـز الذي تربى في أحضانه أثناء فترة إعداده العسكري، فعاش مسبحا بحمد الجيش الأمريكي، الذي علّمه معنى الشرف والجبن، صحيح أنه كان يحتقر الجميع، لكنه يحسب حسابا لأمريكا، فيلجأ إلى تجميل وجه نظامه بين فترة وأخرى أمامها، وذلك بإطلاق سراح بعض المعتقلين السياسيين، كي يبيّن لها قدرته على ممارسة الديمقراطية! وهو حين يمارس هذه اللعبة، التي تدعي الديمقراطية، يحاول الدفاع عن ذاته أمام قوة عظمى من أجل استقراره في السلطة!

وهكذا جمعت المصلحة بين المستبد وأمريكا، إذ قدّم لها، مقابل حمايته، خدمات كثيرة، فقد قام في بداية عهده بمطاردة المتمردين ضد الاحتلال العسكري الأمريكي! وكانت حكومته من أشد الحصون مناهضة للشيوعية، وأكثر الدول صداقة لأمريكا، وقفت إلى جانبها في الحرب على اليابان وألمانيا، ومنحتها صوتها في الأمم المتحدة مهما كانت القضية!

بالإضافة إلى هذه الخدمات (من أجل إسكات صوت الآخر الذي بإمكانه نقد استبداده) لجأ الطاغية إلى شراء ضمائر الصحفيين الأمريكيين وأعضاء الكونغرس بالمال والامتيازات والإعفاءات الضريبية، لكنهم تولوا عنه إثر توتر العلاقة بينه وبين بلدهم، بسبب محاولة الاغتيال الفاشلة ضد الرئيس الفنـزويلي، وبدؤوا إزعاجه بالحديث عن السيادة والديمقراطية وحقوق الإنسان!

ومما ضاعف التوتر بينهما بذخ ابن الطاغية (رامفيس) الذي ذهب للدراسة في أمريكا، حتى لاحظ أحد أعضاء الكونغرس الشرفاء أن ابن الطاغية ينفق على حفلات المجون وممثلات هوليود ما يعادل المساعدات التي تقدمها واشنطن لبلاده، وتساءل: أهذه أفضل طريقة لمساعدة البلاد الفقيرة ومقاومة الشيوعية! مما دفع أمريكا إلى قطع المساعدات عن الدومينيكان! وحين توترت العلاقة بين الطاغية والكنيسة رفضت أن تدفع له ثمن السكر الذي اشترته من الدومينيكان!

لهذا يصف الأمريكيين  بـ “العلق” “مصاصي الدماء” “الجبناء” “الأوغاد” والحيوانات التي علفها عدة سنوات، ثم تخلت عنه، ومع ذلك ظل رجال الكونغرس أمله الوحيد في تخفيف العقوبات وجعل واشنطن تدفع ثمن السكر الذي اشترته! لهذا قرر عدم قطع المال عنهم!

بدا الطاغية واثقا من نفسه في نزاعه مع أمريكا، حتى إنه آمن بقدرته على هزيمتها، خاصة أن كاسترو، الذي لا يملك قوة مسلحة أكثر حداثة منه، قد سبقه إلى هزيمتها في خليج الخنازير!

لكنه يعود إلى صوت العقل فيلجأ إلى السياسة والمداورة، معلنا لصديقه الأمريكي (سيمون) بأنه لا يحمل أية ضغينة لأمريكا بفضل شعوره بالامتنان للمارينـز!

يلاحظ أنه حين فرضت أمريكا عقوبات اقتصادية على الدومينيكان أنهكت الشعب، وأسهمت في تردي الأحوال الاقتصادية!كما حصل في العراق، دون أن تنال من  الطاغية وأسرته!

رغم نزاعه مع أمريكا كان ولاؤه فعلا لها، لهذا رفض الاقتراح التي يدعو إلى التقارب مع السوفييت، أو دعم الثوار الحمر في بلدان أمريكا اللاتينية من أجل الإيحاء لأمريكا بضرورة الحكم الاستبدادي من أجل استقرار موازين القوى لصالحها!

وحين اغتيل (تروخييو) خلفه (بالاغير) الطاغية الفريد من نوعه، والذي بدا أكثر حرفية ونعومة من سابقه، إذ جعل أول همه استرضاء أمريكا! لذلك استبعد (أغوسطين كابرال) من رئاسة مجلس الشيوخ لميوله الشيوعية، إذ نصح (تروخييو) بالتقارب مع السوفييت، وعيّن (تشيرنوس) الذي بإمكانه تقديم مواقف ترضي أمريكا والمجتمع الغربي!

من أجل هذا كله اعترفت به الولايات المتحدة، ورأته رجل دولة حقيقي، إذ استطاع أن يبعد الشيوعيين عن السلطة، ويفسح مجالا للمظاهر الديمقراطية، بل وصل الأمر به إلى درجة إلقاء خطاب في الأمم المتحدة ينتقد فيه الحكم السابق لافتقاده للتعددية، وأعلن عفوا عاما، شمل من أسهم في اغتيال الطاغية، لهذا هنّأه القنصل الأمريكي قائلا: “في الأزمات يعرف رجل الدولة الحقيقي.”

لم ينس الكاتب في رواية “حفلة التيس” أن يعرّفنا بالوجه القبيح لأمريكا في الداخل، كما عرفناها في الخارج، بفضل الزنجي (بيدرو ليفيو) الذي شارك في اغتيال الطاغية، والذي قد عانى من التمييز العنصري حين ذهب إلى أمريكا للدراسة في أكاديمية الضباط، فكانوا ينادونه nigger، وقد لاحظ أنهم لم يكونوا يقولونها تحببا، وإنما بلهجة عنصرية، لهذا حاول إجبارهم بالقوة على احترامه عن طريق التفوق في التدريب!

كما أن ثمة تهمة أخرى وجهت لـ(يوسا) وهي أنه كاتب عنصري، يقف ضد العرب!

سأعود، هنا، أيضا إلى إبداعه، وأدرس سمات الشخصية العربية لديه، فقد حاول الكاتب أن يجسد الوجه المشرق للكنيسة عبر شخصية مؤمنة تنتمي إلى الشرق، وتعتزّ بالانتماء إليه (سلفادور سعد الله)! لهذا جعلها صوتا نقيضا للطاغية! إلى درجة أنها تسهم في اغتياله! ورغم تعدد وجهات النظر حولها، حتى إن والده أعلن تبرؤه منه! لكن هذه الشخصية جسدت لنا صورة المؤمن بأجلى صوره! لهذا رآه أحد أصدقائه، تقيا، ورعا، ملاكا، ذا يدين طاهرتين، ومع أنه يتمتع بمزاج هادئ وعقلاني لكنه قادر على قول أشد الأمور قسوة، مدفوعا بروح العدالة تلك التي تتلبّسه فجأة. لذلك كانت صداقته تعدّ “هبة من السماء” إذ يوحي بالأمان لكل من يعاشره بسبب استقامته الأخلاقية، ومحاولته المستمرة ضبط سلوكه وفق معتقده الديني، لهذا جسّد المثل الأعلى لأصدقائه! في حين كان (سعد الله) يرى نفسه بصورة موضوعية “لست تقيا ولا متعصبا…إنني أمارس إيماني وحسب،…” بل وجدناه ينتقد نفسه حين يفلت لسانه منه أحيانا ويتفوه ببعض الحماقات، وهو يغبط أخته الراهبة، لأنه لا يستطيع أن يكون مثلها، فقد خلقه الرب دنيويا، غير قادر على كبح الغرائز التي يتوجب على الرهبان قمعها! وبذلك زوّد (يوسا) شخصية المؤمن بصفة (المحاسبة والنقد الذاتي) التي قلّما نجدها لديه، رغم أن إيمانه يدعوه لمحاسبة الذات باستمرار!

ولعل مما ساعد (سعد الله) أن يبدو في ملامح محببة حرصه الدائب على تهذيب ذاته، وذلك نتيجة حرصه على التواصل مع الرب، وإطلاعه على مشاكله وأسراره، مما أتاح له أن  يحقق نقاء داخليا نتيجة انسجام أفعاله مع معتقده الديني!

من هنا كان حقده كبيرا على الطاغية (تروخييو) لكونه أكثر حلفاء الشيطان فعالية، فقد سلب الدومينيكانيين الطمأنينة الداخلية، ودفعهم إلى حياة المجون، فباتوا يعيشون دون إحساس بالحرية والكرامة، وبذلك استطاع أن يسلب منهم معنى الحياة الإنسانية مستهينا بقيمتها!

وقد آلمه مباركة الكنيسة لأعمال الطاغية، فقد سمع من يدافع عن نظامه بترديد قول المسيح (عليه السلام) “أعطِ الرب ما للرب، وقيصر ما هو لقيصر.” وتساءل كيف تخطئ الكنيسة التي تستلهم الرب وترضى بدعم ظالم لا يعرف الرحمة؟ لكن حين تغير موقف الكنيسة من الطاغية صار فخورا بكونه كاثوليكيا خاصة بعد رسالة المطارنة الأسقفية.”( 4) التي تعلن أنه لا يمكن السكوت أمام الحزن العميق الذي يكدّر عددا كبيرا من البيوت الدومينيكانية، بسبب استباحة كرامتهم الإنسانية، لهذا أعلنت أن للبشر جميعا الحق في حرية الضمير والصحافة وتأسيس الجمعيات! وقد أقلق روحه عنف الطاغية في رد فعله على الكنيسة ورعاتها! واستمراره في سفك دماء الأبرياء، مما زاد في تأجيج غضبه!

عندئذ بدأت فكرة قتل الطاغية تراوده، لكنه عاش صراعا داخليا، فالكتاب المقدس يلح في وصاياه على عدم القتل، وهو لا يريد أن تتناقض أفعاله مع إيمانه، لهذا استشار الحبر الأعظم، الذي فتح له كتاب القديس (توما الأكويني) وأشار بإصبعه إلى جملة “الرب ينظر بعين الرضى إلى تصفية الوحش جسديا إذا كان في ذلك خلاص الشعب.”

وجد (سعد الله) في هذه الجملة خلاصه، فسرت الطمأنينة في عروقه، بعد أن عاش قلق إغضاب الله والكنيسة، إذا ما لوّث يديه بدماء الطاغية!

بعد عملية الاغتيال سيعاني قلقا من نوع جديد، فيبدو خائفا على أسرته البريئة التي ستؤخذ بجريرته، يحاول الصلاة فلا يستطيع، لكنه بعد عمليات التعذيب التي تعرض لها، استطاع الصلاة في كل الأوقات، كأن هناك شك راوده في عدالة الاغتيال، خاصة أنه أصيب خلال عملية الاغتيال سائق الطاغية البريء وصديقه (بيدرو ليفيو) لهذا طهّرته من إحساسه بالذنب عمليات التعذيب الوحشي، التي تعرض لها على يد ابن الطاغية (رامفيس)!

لم تخفه حفلات التعذيب، التي أقامها ابن الطاغية، لم يحاول الانتحار، فقد أمده إيمانه بقدرة على الصبر، رافقته حتى لحظة إعدامه، فبدا هادئا شاكرا ربه، لأنه أتاح له أن يكون معه في تلك اللحظات الأخيرة! على نقيض صديقه (بيدرو ليفيو) الذي استقبلها بالشتائم والصراخ!

وهكذا لم نجد الشخصية العربية (النقيضة للطاغية) تحمل ملامح قديس، بل رسمها الكاتب بطريقة موضوعية ومؤثرة معا، فهي تفيض إنسانية ورهافة! ترفض الظلم وتقاومه، فتعطي صورة إيجابية للمؤمن الذي يقتل الطاغية بدافع الحب والرغبة في إنقاذ روح الشعب من الفساد! ومما زاد في شفافية هذه الشخصية حنينها الدائب إلى موطنها الأصلي (لبنان) وقد رافقها حتى النفس الأخير، ففي اللحظة التي سقط فيها أرضا، بعد إصابته بالرصاص، ارتسمت غمامة الحزن على وجهه، لأنه لن يتمكن من رؤية قريته اللبنانية (بسكنتا)

إن الأدب الجيد يثير الحلم بغد أفضل مثلما يثير القلق في النفوس، حين تنتهك القيم الإنسانية، وبذلك يزيدها حماسة لمواجهة كل أنواع الاستبداد، لهذا يعدّ خير طريقة لممارسة الحرية والاحتجاج ضد من يريدون إلغاءها سواء أكانوا متدينين أم علمانيين، لهذا حاربته محاكم التفتيش، مثلما حاصرته الأنظمة المستبدة، لكن الإنسان يبقى بحاجة إليه كي يشعر بالقوة الداخلية، هذه القوة التي حدثنا عنها يوسا نفسه، حين قرأ بؤساء هيغو (وكان يعيش في مدرسة داخلية أشبه بسجن) فشعر أن حياته أقل بؤسا، فقويت عزيمته، ليواجه قهر ظروفه، ويغيّر حياته.

من هنا فإن الاتهامات السياسية التي انهالت على الروائي ماريو فارغاس يوسا (تخلى عن الحزب الشيوعي، تخلى عن شعبه، يعيش في الغرب، ويحمل الجنسية الإسبانية…) هي ابنة ظروف عانى منها، فانعكست على حياته، فقد دفعه فشله في الانتخابات إلى ترك بلده (البيرو) وأن يحمل جنسية غربية، دون أن يعني ذلك تخليه عن شعبه وعن جنسية بلده الأصلي! (فهو يحمل الجنسيتين البيروفية والإسبانية) كما أن تخليه عن الحزب الشيوعي لا يعني انتقاله إلى صف المستغلِين، فقد تبنى في رواياته نصرة الإنسان أياً كان ليتجاوز الظلم والاستغلال، ورفض التطرف والتعصب لأنهما نقيضان لكل القيم الإنسانية والإبداعية، وكما يقول في كتابه “غواية المستحيل” “الأزمنة تمرّ على المواقف السياسية البليدة، لكن الرواية العظيمة تبقى مؤثرة وخالدة على مر الزمن” (5)

الحواشي:

1.       “نوبل وخيانة المثقف” مجلة الهدف، عدد(1431) تشرين الثاني ، 2010

2.   للتعمق في جماليات الرواية لدى ماريو فارغاس يوسا يرجى العودة إلى كتابه “رسائل إلى روائي شاب” ترجمة صالح علماني، دار المدى، دمشق، ط1، ‏2005

3.       أخذت المعلومات حول سيرته الذاتية من الموقع الفرنسي:

www,republique-des-lettre.com ‏

4.  ماريو بارغاس يوسا “حفلة التيس” ترجمة صالح علماني، دار المدى، ط1، دمشق، 2000، ص35

5. ماريو فارغاس يوسا و «بؤساء» فيكتور هوغو في «غواية المستحيل”ناديا ظافر شعبان    جريدة الحياة     – 23/04/06/2010

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق