ثقافة المقال

نكتة السكر والزيت

زكية علال *

نكتة سخيفة تلك التي روج لها القائمون على أرزاقنا والماسكون برقابنا .. صورة كاريكاتورية تلك التي رسمها النظام وهو يتحدث عن أطفال يثورون لأجل الزيت والسكر .. أطفال لم يحتلموا ، ولم يزل لبن أمهم بين أضراسهم – كما يقول المثل الشعبي –  يخرجون إلى الشارع في حركة غير مؤطرة يحرقون ويخربون ويسطون على ممتلكات عمومية تعبيرا عن رفضهم لارتفاع سعر الزيت والسكر.. شباب يملأون وجه المدينة بالحجارة والنار للمطالبة بتحسين أوضاع المعيشة..

لا شك أن كل أب سيقف قبالة وطن لم يعلمه كيف يحافظ على كرامته ، ولا كيف يحترم نفسه أمام من يحب ، سيقف قبالة وطن لم يتعلم منه كيف يحفظ ماء وجهه أمام فلذات أكباده  ويهمس بصوت مبحوح أقرب إلى النحيب: ألم أكن أنا الأجدر بالخروج إلى الشارع والقيام بثورة السكر والزيت بدل ولدي ؟ !…ألم أكن أنا الأحق بالتمرد وحرق الأخضر واليابس انتقاما لفواتير الماء والغاز والكهرباء التي تأكل من مرتبي الزهيد أكثر مما يأكله أطفالي الذين أحنت ظهورهم كتب ثقيلة لا يكادون يفقهون ما فيها ؟!!

ألم أكن أنا – الأب المغبون الذي كبُر أولاده أمام عينيه في بيت قصديري متآكل – أحق أن أقلب البلدية رأسا على عقب وأُفرغ أحشاءها في الشارع ليدوس عليها المارة انتقاما من الذين تاجروا بالسكنات الاجتماعية ومنحوها للتجار وأصحاب الفيلات .. فالناس – في شريعتهم –  طبقتان : طبقة يحق لها أن تعيش فوق الأرض وتتمتع بالضوء والشمس ومباهج الحياة .. وطبقة محكوم عليها – قدرا – أن تعيش داخل قبر في انتظار حتفها ؟!!

لكن هذا الأب المغبون سيسخر من نفسه وهو يعترف : إن كنت ولا بد أن أثور ، فليس من أجل السكر والزيت ، لأن خيبتي داخل وطن يتدحرج جعلت السكر يرتفع في دمي فحرّمه عليّ الطبيب وأصبح طعامي وشرابي منزوع السكر .. إن كنت سأثور فليس من أجل الزيت لأنه في قائمة الممنوعات التي تحرص زوجتي على تذكريني بها كلما جلست إلى مائدة خشبية تجمعني وأولادي .. فلا بطاطا مقلية ، ولا وجبة دسمة لأن معدتي أرهقتها الحبوب الجافة التي ظلت تشكل طعامي اليومي منذ أن كنت رقما بين أخوتي ، واستمرت في ملازمتي وأنا أستقل بأسرتي الصغيرة .. معدتي لم تعد تستقبل إلا طعاما مسلوقا يثير الغثيان بلونه الباهت ومذاقه الذي يجعلك تزهد فيه وتقنع بالجوع بديلا له ..

إن كنت سأثور فليس من أجل الزيت والسكر ، بل من أجل ثروات بلادي التي ظلت ملكا خاصا للذين أوهمونا أنهم سبب في هذه الحرية التي ننعم بها ، وان نعيم الاستقلال لنا ، وما في باطن الأرض لهم..

إن كنت سأثور فلأجل بارونات ظلت تتحكم في أرزاقنا ، ولا تسمح إلا بما يسد الرمق ويتركنا على قيد الفاقة والفقر ..

إن كنت سأثور فهناك أسباب أكثر منطقية .. لكني لن أثور .. ولا أفكر في ذلك رغم الغليان الذي في داخلي والذي جعلني أتخبط في عقد نفسية ومشاكل صحية .. لن أثور .. ليس خوفا من الثورة لأنه ليس لدي ما اخسره ، بل لأني أعرف – مسبقا – أن هناك من ينتظر ثورتي لكي يبدو – بعد انقشاع دخان الفتنة – أكثر وطنية .. وأبدو أنا المواطن البائس أقل منه حبا لوطني .. لن أثور لأني اعرف أن هناك من يتوق لثورتي ليبدو هو في صورة المنقذ المصلح الذي لا تهمه إلا المصلحة العليا للبلاد ، وأبدو أنا في صورة الرجل العنيف الذي لا يحب التقدم لوطنه ، فيخرب كل ما هو جميل ويشوه وجه مدينته ..

لن أثور – باختصار – لأن هناك من سيركب ظهري ويتاجر بثورتي المشروعة فيزداد غنى وتجبرا وعزا .. وأزداد أنا فقرا وذلا وانكسارا …

*كاتبة جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق