ثقافة المقال

الوعي اللا تأريخي

حسين جبار

بدون أن أخوض في تعاريف هذا المصطلح يمكن أن أقول عنه بأنه الوعي الذي لا يأخذ الشروط التأريخية -من اجتماعية و سياسية و أنثروبولوجية…الخ- بعين الإعتبار. لا في محاولته لفهم الماضي، ولا كذلك في فهم الحاضر و الذي هو الأساس لكل محاولة في فهمه [فهم الحاضر نفسه]، وكذلك في تقديم رؤية تأريخية للمستقبل. وهذا الوعي -أو بالأحرى اللاوعي!- قد يطلق عليه أحيانا “الوعي الأسطوري”. والإسطورة وإن احتوت في “أصلها” على بذرة من “الحقيقة” فإنها ما صارت أسطورة إلا بالنمو اللاطبيعي لتلك البذرة. حتى لا تكاد تلك العلاقة بين البذرة وشجرتها أن تكون قابلة للرصد-و بالاحرى للفهم!-. ولكن الأسطورة، بشكلها الفج الذي كان حاضراً في مراحل الوعي السابقة، قد شُذِبت بطبيعة الحال من خلال المراحل التي قطعها هذا الوعي خلال تطوره. وباستعارتنا لمفهوم التشذيب لنقل بأنه لا يقطع أطراف الأسطورة إلا ليجعلها قابلة للعبور خلال قناة النقد إلى العقل. فيظهر من هنا الوعي الإيديولوجي الذي تسيطر عليه فكرة معينة تجعله يضخم -بل ربما يخلق- كل ما يدعم فكرته، ولو كان ذلك على حساب التضحية بموضوعية الواقع. وليس يخلو تأريخ أي أمة من الأمم من وجود تلك اللحظة الأسطورية أو الأيديوجية التي تحكم وعيه. هكذا نجد عند اليهودي أسطورة مملكة سليمان الغابرة والوعد بالأرض الموعودة. ونجد عند المسيحيين، وخلال فترات مختلفة من تأريخهم، فترات سيطر عليهم فيها ذلك الوعي المغلوط. منها تصورهم للمسلمين بأنهم وحوش أبعد ما يكونون عن البشر! وذلك خلال حروبهم الصليبية -و للتسمية هنا دلالتها فلئن يكن الدين قد مثل النبع لأرفع المشاعر الإنسانية فهو قد مثل في الوقت نفسه أكبر مصنع للأسطورة والأيديولوجيا- وسيطرت عليهم كذلك أسطورة تحضير العالم المتخلف خلال فترة الإستعمار! ولدى المسلمين نجد تلك النظرة الشاعرية النموذجية لفترة النبوة والخلافة الراشدة. بل إن هذه الفترة تحولت إلى ما يمكن أن نسميه بـ “الفترة الموعودة”. فلئن تكن أسطورة أرض اليهود هي برسم المستقبل فلنا أن نقول بأنها تعمل كعتلة رافعة تذلل العقبات للسير نحو الهدف؛ بينما تلك الفترة التي هي برسم الماضي تعمل كمكبس ضاغط يجبر الوعي على الإرتداد والإرتكاس! فالذي يقع حلمه في الماضي ماذا يفعل ليصل إلى حلمه غير أن يقتل التأريخ والوعي، وربما نفسه حتى

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق