ثقافة السرد

حكاية الدرويش

عبد المنعم همت

لليوم الثالث علي التوالي تتوقف حركة السير في المدينة. الجميع يهرولون بحثاً عن وسيلة نقل علها تنقل أجسادهم وأرواحهم المنهكة الى طواحين الحياة ذات اللون الرمادي . أصحاب الباصات أعلنوا حركة احتجاجية وتوقفوا عن العمل فصارت المدينة ضباباً من شهيق المارة . وقف اطفال المدارس , يتحاشون قساوة البرد الذي اعلن عن تمرده والذي ربما اراد الانتقام او اظهار جبروته علي ملامح الفقراء .لوح بعضهم لأصحاب السيارات التي تسير على الاسفلت كطيف .. توقف بعضهم واكتفي البعض بالنظر الى الجموع المكتظة بدهشة ممزوجة با ستهزاء . وقف الدرويش بجبته الخضراء يلوح وعيناه شاخصتان .. يتمتم ببعض الكلمات , المارة مشغولون بالخبز والماء وغياب المركبات العامة, ولكن يده مثبتة في الهواء تتنظر الفرج القريب .ملابسه الرثة , عصاه القصيرة , جلبابه المتداخل الالوان والابريق , المسبحة التي تزين عنقه .. كل تلك الاشياء منحته بريق الحياة وخطفت عنه مباهجها . حي … قيووووم …ارتعد الاسفلت من صوته .. تعالى الصوت والنغمة تسري داخل العمق المتناسي ..حي قيوم .. تجمع بعض الصبية , ربما لان حلم الوصول الي المدرسة قد تبدد.. ولربما صوته وشكله وتفاصيله جعلته مادة ترتشف منها تلك العصافير . تلك العجوز تتمايل من فعل حييي.. قيوووم .. والبرد يأخذها الي حيث الانكماش . دار الدرويش حول نفسه .. الدائرة اتسعت حوله .. الابريق .. العصى .. الكلمات تدور .الاطفال يدورون ..اصوات محركات السيارات الممتلئة الجوف أيضاً تدور ..انتحبت العجوز , الدمع غازل مقلتيها , حرارة زفيرها احرقت تلك البناية الشاهقة التي تحوي مكتباً للضرائب ومجمعاً تجارياً. ارتفعت قدما الدرويش عن الارض ..وصارت الارض تدور تحته .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “حكاية الدرويش”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق