ثقافة السرد

عيـــــــون تنشد الهناء..

بقلم: أمان السيد*

فـــوق العشب جميعهم تعابثوا.. كانوا ثلاثة.. كبيرهم، واثنان مازالا في طور الطفولة.. العشب تحتهم كان يانعًا قد بلل منذ لحظات بالندى، أما الأشجار، فقد كانت كثيفة داكنة الخضرة؛ فتبدى المكان حولهم متشحًا بالعتمة إلا من فتحات تركتها الأغصان للشمس أن تشاغلهم عندما تتداخل من بين غصونها، فيزدادوا اشتعالا.. أخـــــذ الصغير الأول يحشرُ رأسه في أمه متأوهًا في جلدها، فتغدق عليه حنّوا هائمًا، والثاني راح يغرس رأسه في أمواج من الفرو مخملية الملمس باحثًا عن حلمة يتلقى منها قطرات من الفضة..

تمــــادى الصغير ثانية،فراح يغرز مخالبه في ذيل طويل مموّه بخطوط متقنة التعرجات.. سكنت الأم لحظات، ثم اشرأبت بعنقها تعلن الغضب، ففر الصغيران من حولها يتناغيان بالمدى والعبث..

كـــان مشهدًا رائعًا بكل ما فيه..الهناءة تحيط بالأسرة الصغيرة..السماء تشرع الراية البيضاء..الغابة سلسلة عاجية من النقاء..

تدحرجــــت حبة الثمر ككرة صغيرة يلعب بها أطفال البشر، فتراكض الصغيران.. نسيا أثداء الأم، واللجين المنهل كالضوء.. رحلت حبة الثمر بعيدًا في مكان كان متعرجًا كذيل الأم منخفضا تارة،وأشد انحدارًا تارات ٍأخرى..

مـــــا زال الصغيران يتراكضان.. تداعت حباتٌ من المطر تبلبل هدوء الغابة ..لا شيء يمنعهما عن متابعة اللعب..عين الأم زئبقية الرؤية، ومن بعيد تتبعهما سعيدة هي بكل ما تراه..

تواثبــــــت الكرة الثمرية حتى أسفل الغابة.. في وسطها خطّ ٌ يلفّها يُحار في كنهه، لكنها كانت كرة يكفيها أنها تفي بالغرض..

مازالت تتدحرج حتى وصلت إلى ثغرة في أصل شجرة.. أصدرت صوتًا كان كفيلا ً بإخراج صغير آخر من جحره،ظنّ أن أحدهم يقرع الباب ليلهو معه، فهب ملبيًّا نداء اللهو، وعندما مدّ عنقه الصغير لوّح بذيله مرتعبًا عندما رأى أن القادم غريبٌ عن بني جنسه..

صهــــل الآخر بصوت قادم من جبٍّ عميق تداعت له الغابات. إنهـــا غريزة

البقاء .. كان صغيرًا جدا أصغر من الضيف المزعوم،ومع ذلك، فلهُ صوت مخيف جعل القادم يرتد وراء حدود المكان الذي يلفهما..

الكرة مازالت رغبة ذي الفراء الأول،والآن صارت حلم الآخرالذي كان قابعًا قبل قليل في بيته.. مازالت الكرة تسبح بين الاثنين ترقبهما مستثيرة كامرأة تغمز،وتلمز في مشيتها، ومازال العدوان يتربصان ببعضهما، وكل منهما يريدها له..

تفاقم هجوم القادم من وكره، فتفاقم ارتداد الآخر!.. قفز أحد الأخوين إلى شجرة قريبة غرز فيها أظفاره في محاولة للاحتماء بالأعالي ..

الأمان كان بعيدًا،ومازال الصغير يحاول الصعود للاحتماء ..أظافره تركت نعالها في الشجرة، وبصعوبة أصبح مرتفعًا يرقب من فوق معركة لا بد فيها من غالب..

احتــــدّ الهجوم..والعبث تحوّل إلى معركة ضارية بين النمر الصغير، وابن

عرس.. لكليهما فراء،ولكليهما ذيل،ورغم قبح ابن عرس،وضآلته أمام النمر الجميل إلا أن صوته كان أكثر زئيًرا وشراسة..

ظل الأخ يدافع عن لعبته، وعن أخيه الفارّ إلى فوق ..استأسد النمر!.. كانت دوافعه أكثر قيمة ،وكان لا بد من محاولة أكبر للانتصار، فكان له الفوز!

خلال وقت قصير تداعى ابن عرس في جحره،وتدحرج الصغير إلى أخيه.. تحاسَسا.. الفراء كان وسيلة التواصل الفطرية،والمخالب تحولت إلى تساكب نهر صافٍ..عادت حبة الثمر إلى ملعبهما،وتكحل المرج الأخضر بالرضا، بينما من بعيد كانت عيون مختلفة تلتمع!..

كانت عين الأم تتابع المشهد تاركة الصغيرين يتدربان على معركة الحياة الأولى، بينما كانت هناك عيون من نوع جديد تتلصص تقتنص الفرص .. كانت عيونًا زئبقية التطلعات تحمل كبني البشر الحب والغضب،وأمام سلطان الأثرة لا تلتمع إلا برصيد واحد من المقت والاستئثار،والغدر..

في طرفة عين كان الزناد مندفعًا، ومعه اندفعت طلقتان.. وغار الصغيران في فرائهما الوردي،وتمددت عيون تنشد الهناء  لتتناثر مع المرج الأخضر إلى حدود السماء..

*كاتبة من سورية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق