ثقافة السرد

قصص قصيرة جدا(*)

هشام بن الشاوي

* عزلة فاخرة : حاول أن يغفو، كل شيء موصد في حجرته.. صخب الجيران يحتل عزلته.. يتمرغ فوق فراشه، يحس بالاختناق، تنتابه رغبة في الصراخ في وجه العالم، يخترق أذنيه صوت صبي بجوار البيت متلفظا بكلمة نابية، يتخيّل العالم حاوية أزبال، يستفزه منظرها، فيركلها… تتدحرج متمايلة، ويخرج من جوفها كهل بثياب مهترئة وفردة حذاء بئيسة.. يسبّ كل ما حوله، يواصل طريقه مترنحا، محتضنا زجاجة كحول…

* محاولة عيش:

من مقعده في المقهى  يتأمل القطة الحبلى وهي تنقض على عصفور صغير، تتسلى بتعذيبه وهو يتعثر فوق الرصيف.. يحوّل نظراته هازئا إلى امرأة تتفحص أكياس القمامة وهي تدفع عربتها.. يخترق المشهد صبي  برفقة المرأة، يطارد القطة، تحمل القطة العصفور، تعبر الشارع، يفلت العصفور من بين أسنانها، تمرق سيارة، تدوي في الأجواء صرخة  قوية…

*إلى محمد فاهي .. قريبا من بداوتي

تجهّم وجه المرأة  الأربعيينة، وطلبت من محدثها  أن يقوم من أمامها.. ماسكة (بلغتـ)ها ملوحة بها في الهواء في حنق.. وهو يسألها – الابن الشاب – إن كانت تنجب…

تأففوا من مشقة الطريق والصهد في هذه القرية النائية البعيدة التي جاؤوها باحثين عن زوجة لأبيهم .

همس مرافقهم في أذن أحد الأبناء باسما: ما زالت عذراء، وتتصرف بغرابة كلما سئلت – بحسن نية- عن أبنائها.. وهي الوحيدة في كوخها، لكن أخاك يتصرف دائما بغباء!

في قرارته، لعن ” لعميم”  أبناءه الذين يرفضون أن يتزوج امرأة أصغر منه سنا… وهو في سن الخمسين.

يتغاضون عنه وهو يتطوح من فوق دراجته المتهالكة، في الطريق إلى المدينة..

كل أهالي القرية يعرفون أين يقضي نهاره..  صادف الأطفال الرعاة في طريقه.. وعلق أحدهم ضاحكا: (لعميم غادي لدار القوادة… كيفْ كـلْ جمعة) !

*طاقية حمراء

لاحت له من نافذته العلوية، تسور إيروس أعماقه القائظة، أشار إليها بيده إشارة استفزتها كامرأة محترمة..

خلع طاقيته الحمراء وقميصه الأزرق، طلب من زميله أن يرتديهما، ويعيره ثيابه..

في منتصف درج الورش، صادف  ثلاثة رجال بوجوه محتقنة، وخطى متلاهثة..

تنفس الصعداء، حين تجاوز بوابة العمارة.

لمحوه ممددا فوق أكياس الإسمنت الفارغة، أيقظوه.. وبلا مقدمات، انهالوا عليه ضربا.. استفسرهم عن السبب، أجابه أحدهم :

– كل جيران العمارات المجاورة يشتكون من البناء صاحب الطاقية الحمراء…

* إفطار:

استقبلته زوجته متهلّلة الوجه مثل عروس، وراحت تحضر ما لذ وطاب فرحة بعودته.

العطار يغيب عن بيته متجولا بين الدواوير برفقة حماره وبضاعته..

صباحا، كانت متجهمة مثل فراشها المعطل..

صبت جام غضبها في كل ما اعترض طريقها من حيوانات ودواجن.

طالبها بإحضار وجبة الإفطار..

غابت دقائق، ووضعت أمامه علافة الحمار.

*استراحة :

تمدد فوق ألواح طلبا للراحة، فكر في أن يضحي بفترة الغذاء.. إلحاح زميليه في أن يأكل معهما جعل النوم يخاصم جفنيه.. بنبرة ندم تكلم كبيرهما  سنا عن حياتهم التي بلا معنى، والعذاب الذي ينتظرهم لأنهم لا يصلون.. فكر في معادلة العذاب في الدنيا والآخرة.. هذا العمل الشاق الذي لا تكفي نقوده ليسدد كل حاجاته. ربما هناك خلل ما، ويستحسن ألا يفكر في الأمر طويلا !

أعاد طرح السؤال عليه  : حين كنا في الجوهرة لم تكن صلاة الجمعة تفوتني.. أنت واع ومتعلم، فلم لا تصلي ؟؟

– الله يرحمْ ابّاك إلا ما هنينا…

– أش غادي تقول ليه مين يدفنوك ويجي عندك؟..

– غادي نقول ليه: الله يرحمْ ابّاك إلا ما هنينا.. جيتي حتى انتا.. سير خلينا نتسراحوا..

أغرقوا في الضحك، وصوت خطيب الجمعة يتناهى إليهم، من بعيد، معلنا في وقار : ومن لغا  فلا جمعة له .

(*) :  مختارات من مجموعتي القصصية : “روتانا سينما…وهلوسات أخرى !”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق