ثقافة السرد

عذبة- رواية المأساة الفلسطينية- الجزء 12-

صبحي فحماوي

وبالسرعة ذاتها، وصل إلى معسكرنا شرطة عرب، كوّنوا مخفراً للأمن، وكانوا ودودين بسيطين، يتعاملون مع الناس بكل احترام وتقدير ومراعاة لوضعهم الذي لا يحسدون عليه، وأصبح في المعسكر نوعان من الإدارة؛ الوكالة ممثلة بعباس حمزة وموظفيه، والشرطة مكونة من الأمباشي أبومتعب وثلاثة أفراد شرطة، والمراسل أبو خنفر من أهالي المعسكر.
أخذ المعسكر ينتظم، وبدأت تظهر شوارع ترابية عريضة، تؤدي إلى قاعِه، ولو نظرتِ يا عذبة إلى الخيام، تجدينها منظمة في صفوف، بحيث تبعد كل خيمة عن الأخرى مسافة منتظمة، فيظهر من بعيد، وكأنه معسكر حربي منظم بدقة، ومنفّذ حسب مخططات هندسية معدّة منذ عدّة سنوات! ترى من الذي كان متفرِّغاً قبل عام ثمانية وأربعين لإعداد هذه المخططات؟ ومن الذي شغّله؟ ومن الذي دفع له أتعابه؟ بدأ يتكون قاع أو مركز للمعسكر، حيث يوجد خزان للمياه، ومخفر للشرطة، وخيمة لمدير مكتب الوكالة، ومقهى فرج أبو ظريف، وبعض الدكاكين، التي أخذت تزدحم يوما بعد يوم، بالمواد الغذائية المطلوبة، وتم على عجل، انشاء فرن للخبز، لصاحبه أبو رُقعة . جاءت أم عيوش، فعرضت على أبو رُقعة، أن تجلب له الحطب، الذي يشعله، ويشوي به رقائق عجين الخبز. لم يكن يومها نفط متوفر، لإشعال نيران أفران الخبز، بل كان الحطب. وافق أبو رقعة على عرض أم عيوش، وهكذا بدأت أول عملية تسويق في المعسكر. ذهبت أم عيوش وابنتاها عيوش وفاطمة، منذ الفجر، إلى غابات ومزارع قرية أنصار8، فجمَّعنَ حَطباً كثيراً، عملن منه ثلاث حزم كبيرة، وقبل أن يحل المساء، حملت كل واحدة منهن حزمة، واتجهنَ بها معاً إلى معسكر أنصار7. كنت خائفا على أم عيوش، وأنا أشاهد رجليها ترتجفان وتهتزان، وكأنهما تتراقصان تحت حزمة الحطب الثقيلة! وكانت فاطمة، البنت الصغرى، ترتجف مع احتمال سقوطها تحت حزمة الحطب، فتموت شهيدة الواجب. المعاناة التي تظهر على وجوه النساء الثلاثة، محزنة. وعند باب الفرن، رمت الأم وابنتاها حزم الحطب، ودخلت أم عيوش إلى الفرن، فطلبت من أبو رقعة أن يعطيها ثمن الحطب، فخرج أبو رقعة ونظر إلى الحزم، وتمعن فيها، ثم أعطى أم عيوش قرشين، وبعض نتف الخبز الباقي من فتات أرغفة الفرن، وذلك ثمن الحزم الثلاث! لم تتفوه المرأة بكلمة واحدة ! أخذت القرشين، ورأسها ذابل باتجاه الأرض، وتبعتها ابنتاها إلى دكان أبو منجد، فاشترت بالقرشين تمراً، فأعطاها أبو منجد ملء يدها تمراً، تأخذه هي وابنتاها إلى البيت، تضعه أم عيوش في صحن كبير، وتنزع من داخله النوى، وتذيب التمر بالماء، إلى أن يصبح محلولاً بنياً فيه رائحة الحلاوة، ثم تغمس به بقايا الخبز المحروق أو المقطّع، الذي يتصدق به أبو رقعة، فيأكلن، ثم ينمن في الخيمة، إلى أن يتبدد ظلام الليل بمعالم الصباح.” وبعد أسبوع من الجهد المضني، ثارت أم عيوش على أبو رقعة قائلة: “ولّ عليك يا أبو رقعة! قرشين بس! متنا اليوم ونحن نلم الحطب! وننقله من بلاد إلى بلاد، فلا تعطينا غير هالقرشين! خلِّيهن ثلاثة قروش، على الأقل؛ يومية كل واحدة منا قرش “! فقال أبو رقعة:” والله يا أم عيوش “العين بصيرة، واليد قصيرة” وأنت عارفة؛ كل عائلة تخبز عندي الأسبوع بطوله بثلاثة قروش، فمن أين آتي لك بالقروش الثلاثة، في اليوم الواحد؟”
وكانت النساء يجلبن عجينهن إلى الفرن، على شكل قطع كروية، يستقبلها الفرَّان أبو رقعة، الذي كان يقف في أسفل الجورة، بينما باب وجاق النار الطيني من جميع جوانبه، ما عدا القاعدة الأرضية، فهي مبلطة على مستوى أرض الفرن. تقعد النساء، ويضعن عجينهن على أرض الفرن، فيأخذ أبو رقعة العجين، ويرقَّه إلى رقائق مستديرة، ثم يرميه على زلاجة خشبية داخل الفرن، فتنبعث رائحة خميرة العجين مع ما يكتنف المكان من غبار دقيق الطحين الممزوج بوهج نيران الفرن المشعّة مع دخانها، فتعبق الفرن روائح ممزوجة، لها نَفَسٌ ساخن خانق، ولكنه نَفَسٌ شهي لجوعى اللآجئين.. ويعود أبو رقعة ليتحدث مع المرأة التي تناوله العجين:” عجينك رخو يا أم ماجد !” “عجينك عويص يا أم علي!” “عجينك محمِّض، ورائحته طالعة يا حسنة!” يتحدث معهن من قاع الجورة، وهو لا ينظر إلى وجوه النساء. “أبو رقعة يستحي من النساء”، قالت أم علي .” ولكن العجوز أم عوض، انتبهت إلى أنه، حينما لا ينظر أبو رُقعة إلى وجه المرأة، إنما يكون يسلِّط نظراته إلى مابين فخذيها، وهي تجلس القرفصاء أمامه، لتقدم له العجين، أو بانتظار دورها. صحيح أن كل النساء كن يلبسن سراويل طويلة، حتى الكعبين، ولكن نَفس أبو رُقعة كانت زفرة وفضولية، أو غير بريئة على الأقل! وكان يعتقد أن انجذاب نظره لأعضاء المرأة شيء طبيعي، ما دامت فيه غريزة الرجل! انتشر الخبر بين النساء، واستغرب بعضهن ما سمعن عن ذلك الرجل، الذي كن يعتقدن أنه كله حياء ! “هذا حياء أبو رُقعة !” قالت أم علي، فذهب قولها مثلاً “حياء أبو رقعة”! فإذا طلبت أمي من عنان أن يذهب فيقترض لنا رغيفي خبز من دار أبو شاهر، جيراننا، لنكمل عشاءنا! يرد عليها عنان قائلاً: ” أستحي أن أطلب منهم خبزاً في آخر الليل”! فترد أمي قائلة: “حياء أبو رقعة”! وتتابع دفعها له مشجِّعة:” قل لأم شاهر إننا سنعيدهما لك صباح غد؛ رغيفين ساخنين، بدل خبزك البارد “! فيذهب عنان ، غير آبه بحياء أبو رقعة، ولا بإحراجات أم شاهر !
لم يكن هناك خبز جاهز في الدكاكين مثل اليوم، فكنا نقترض ونتقايض الأشياء، فتقول لي أمي: “روح جيب إبرة بابور الكاز من دار أبو مشهور، أخذوها امبارح، وما رجّعوها” !”روح جيب شوية ملح من عند أم حمادة، الملح خلص من عندنا، والأكل دالع!” “روح ارسل شوية الطبيخ هذول للختيارة ام ابراهيم، أكيد معندهاش شيء تأكله الليلة !” كان هناك تواصل وتراحم، وتعاون ونَكَد، وقلّةُ حياء أبو رُقعة!
لم يكن في معسكر أنصار7 أية فرصة عمل. أخذ بعض الشباب يفكرون بالعودة إلى ديارهم، ولكن أصبح هناك حدود بين الأراضي العربية والأراضي الفلسطينية المحتلة. وأصبح الدخول إلى فلسطين ممنوعاً باتفاق، سموّه اتفاق الهدنة بين العرب وإسرائيل، فأصبح العرب ممثلين بجيش الإنقاذ “العظيم”، يحمون حدود الأراضي غير المحتلة من جهتهم، واليهود يحمون حدود احتلالهم من جهتهم. المهم أنه أصبح هناك حدود! والواصل إلى تلك الحدود، كالواقع بين المطرقة والسندان! هل جرّبتِ مرةً واحدةً يا عذبة، أن تضعي أصابعك بين المطرقة والسندان؟ لا تقولي لي إنك لا تطيقين ذلك الألم! لأنني سأسألك فوراً: فكيف إذا تم تثبيت أصابع شعب بأسرهِ، بين المطرقة والسندان؟ كان هذا هو حالنا في معسكر أنصار 7. ثَبتُّونا في المعسكر، فلم نعد قادرين على العودة إلى أرضنا المحتلة.
قرأت مسرحية من مسرح العبث، لا أذكر إذا كانت (ليوجين يونسكو أو لصموئيل بيكيت أو..)، موجزها إن رجلاً تاه في الصحراء، فوصل معه الحال إلى شعرة ما بين الحياة والموت، والعطش والجوع.. وبينما هو على تلك الحال، إذ به أمام دير تحت رمال الصحراء، دير مبني تحت الأرض. أدخله الرهبان بسرعة، وأسقوه ماءً، ثم أطعموه، وتركوه ينام ويرتاح.. وبعد أن صحا، واستراح، شكرهم، وطلب منهم المغادرة، ليعود إلى بلاده، ولكنهم طلبوا منه أن ينتظر بضعة أيام أخرى، يستطيع خلالها أن يساعدهم في إنجاز بعض الأعمال، وازدادت أعماله تحت الأرض، حتى صار يشعر بالضيق، فطالبهم بالخروج، فطلبوا منه أن يعمل معهم، فهم منهمكون في أعمال ضرورية، فعمل الرجل معهم، ثم طلب منهم الإفراج عنه، وتركه يغادر، ليعود إلى دياره، ولكنهم قالوا له، إنهم خدموه خدمة قصوى بإسعافه، فعليه أن يخدمهم هو أيضاً، مقابل خدمتهم له، فخدمهم، ثم طلبوا منه مزيداً من الخدمة، فاستمر بالخدمة، ليسدد فاتورة استقبالهم له، وازداد إلحاحه للخروج من الدير، فلم يتمكن من ذلك، وصار مجبراً على العمل داخل الدير، فقط ليحصل على قوت يومه.. وهكذا استمر بالخدمة، وهو يطالب بالعودة إلى دياره، وهم يمنعونه، ويطالبونه بالعمل، فاستمر بالعمل لديهم، حتى مات خادما داخل الدير.. لم يستطع الخروج من التابوت. تلك المسرحية التي قرأتها بعد عشرين سنة من تأسيس معسكر أنصار 7، ذكرتني بمعاناة الشعب الفلسطيني الذي تاه في الصحاري العربية، فاشتغل بقوته، فأكل وشرب ولبس.. إنه يخدمهم لمجرد البقاء حياً، ويستمر خادما حتى الموت! المخطط يرمي إلى عدم تمكيننا من العودة إلى فلسطين! ولكن لا بد من الإجابة عن السؤال الذي يطرح نفسه كل يوم: أين المستقر يا عذبة؟ ها نحن نطرق جدران الخزان يا غسان كنفاني ! ونقول: أين هي الطريق المؤدية إلى فلسطين؟ وإذا كانت الطريق بلا نهاية، فما هو العمل؟ قرأت كتاب لينين العظيم(ما العمل؟) فلم أفهم منه شيئا، ولم يَهدني إلا لنهاية غورباتشوفية مروِّعة!
ومع كل هذه الأحاسيس التشاؤمية، اضطر عدد من الشباب للمغامرة، والعودة إلى وطنهم، حتى لو كلّفَهم ذلك حياتهم، فقرر عثمان الحليم العودة بأي ثمن، لأن معسكر أنصار7 ليس فيه أي مبرِّر للبقاء! فالإقامة فيه تبدو طويلة، حيث لا عمل، ولا مصدر رزق، ولا طعام ولا بيوت، إلا تلك الخيام التي تلعب بها الريح ! وقال خالد الأشقر لعثمان الحليم؛ جاره في الخيمة:” من أي بلد أنت”؟ فأجابه عثمان الحليم:” من قرية (طمرة) قضاء عكا. وأنت “؟
” أنا من صفورية، غرب الناصرة”. أجاب خالد الأشقر مخنوقاً
“أنا لا أفهم، إلى متى سنبقى قاعدين في هذا المعسكر؟ لا شغل ولا مشغلة، ولا ندري إلى متى سيدوم هذا الحال “! فتنهد عثمان الحليم، وزفر زفرة حَرّى وهو يقول:” يبدو إنه إلى ما شاء الله “!
” ما رأيك أن نعود إلى البلاد” ؟ سأل خالد الأشقر مبادراً.
“وكيف نعود؟” أجاب الحليم، وهو يشعر أن رأسه يكاد ينفجر ” ألم تعلم أن هناك حدوداً، ومن يحاول قطعها، قطعوه “!
” أعلم ، ولكن الموت على الحدود، لا يختلف كثيراً عن الحياة في هذا المعسكر! وهناك في طمرة، أو صفورية، أو أية خربة تقبل التجاءنا إليها، نعيش فيها، ويحلَّها ربّنا”!
” أنا أفكر بطريقة مغايرة، أعتقد أن التسلل من الحدود، والعودة إلى قرى، قد تكون مهدومة أو مهبَّطة أمر مستحيل، فإذا عدنا برأسينا، ووقفنا وسط قرية محتلة أو مهجورة، قطع المحتلون رأسينا”! فرفع الأشقر يده عن فمه سائلاً:” إذن ما العمل”؟ فأوضح عثمان خطته قائلاً بهدوء: ” على الأقل نستعلم ماذا يحصل هناك؟ ثم نساعد أهلنا في استعادة الأشياء الثمينة التي تركوها هناك… ممكن أن نحضر لجماعتنا صُرّة ذهبية مخبأة في المكان الفلاني، تركوها وهاجروا، أو أن نعيد لهم وثائق، أو سند تسجيل أرض، أو أغراضا ثمينة خبأوها هناك. المهم ألا نعود بخفي حنين”!
طبطب الأشقر على ظهر الحليم قائلاً:”دعنا نتفق أولا على العودة، وفي البلاد، نترك الأمر لرب العباد.” وفعلاً عاد عثمان الحليم، وخالد الأشقر إلى البلاد، وبعد أُسبوع ظهر عثمان في حارة المعسكر، وقالو إنه قد جلب معه أشياءً لم يتم الافصاح عن محتواها. ولكن خالد الأشقر لم يعد، وانقطعت أخباره. بعضهم قال إنه يعيش في الأدغال مع أحد أقاربه هناك، وأحدهم قال:” إن المحتلين قتلوه.” وبعد أسبوعين عاد عثمان متسللاً إلى الأراضي المحتلة مرة أخرى، حيث كانت معه عدة طلبات من أصحاب الخيام المجاورة، ليُحضرها لهم من بيوتهم؛ أم فوزي طلبت منه صورة لزوجها الذي استشهد في الحرب، وأبو شوقي طلب منه إحضار صرّة كان قد خبأها تحت بلاطة ، فيها نقود تحويشة العمر! ووعده أن يعطيه نصفها إذا أحضرها، وأم علي طلبت منه أشياء لم نعرفها، ذلك لأنها كانت توشوشه في أذنه بصوت منخفض، وكان هو يومىء برأسه، دليلاً على أنه يفهم ما تقول، وأم عيوش طلبت منه…غادر عثمان سالكاً نفس الطريق، الذي سلكه في المرة الأولى، ولكنه لم يوفّق هذه المرة! فلقد كانت الشرطة العروبية تراقب الناس في المعسكر، وتتابع أخبارهم، وتعرف ماذا يحصل.. صحيح إنهم لم يكونوا يأمرون أو ينهون أحداً، أو يتدخلون في تصرفات أحد، ولكن الأمباشي أبو متعب كان يجمع التقارير من أفراد الشرطة، ويرسلها يوميا إلى المراكز العليا، ويبدو أنهم قد أبلغوا حرس الحدود، فالتقطوه عند الحدود العربية، وبدأوا التحقيق معه، بأن ضربوه بأعقاب بنادقهم ضربات مبرحة، وهشموا وجهه ببساطيرهم، ورموه داخل زنزانة مساحتها متر واحد مربع ، ثم نقلوه إلى سجن مدينة أنصار9 للتعذيب فقط، ثم حوّلوه إلى سجن الّلعنة الثالث عشر، بهدف التحقيق مرة أخرى، ثم أعادوه إلى سجن أنصار9، فتابعوا تعذيبه بالضرب على رأسه بعقب البندقية، حتى تكسرت عظام جمجمته، وأصبح مُخُّه داخل جمجمته بلا حماية. ضربوه بالبساطير على ظهره وبين فخذيه، وعلى أعضائه التناسلية، وقال له الشاويش أبو نضال: “والله يا كلب لأفقس بيضاتك، وأقليهن بالمقلاة، وأعشيك عليهن”! واستمروا يداعبونه مجرد مداعبة .. هكذا قالوا لأمه، عندما سمحوا لها بزيارته: ” أهلاً بك يا حاجّة، ديروا بالكم على الحجة، إبنك في الحفظ والصون يا حجِّة، لقد كنا نداعبه مداعبة يا حاجّة “! ولكنهم كانوا يتداورون عليه، حتى تحوّلَ إلى كومةٍ من اللحم مع العظم، تنزف دما! ثم نقلوه إلى سجن الوادي السادس عشر بهدف تقديمه لمحاكمة عادلة! ثم نقلوه إلى سجن الهاوية ، ليقضي محكوميته مع الأشغال الشاقّة! لاحظي يا عذبة أن السجون في الولايات العربية منظمة، ومتخصصة، ومتطورة وحضارية، فهذا السجن متخصص بالتعذيب وشدّ الأظافر فقط.. يقول المثل “إن الظُفر لا يطلع من الّلحم”، ولكنهم أثبتوا أنه يطلع من اللحم، ويُسحَب كما تُسحب الشعرة من العجين… في تلك السجون، انتفى مفهوم الأمثال الشعبية… ويبدو أنه منذ أقيمت المعسكرات لاستيعاب اللاجئين، أقيمت لها في نفس الوقت سجون عربية تحت الأرض وفوقها، سجون بمختلف التخصصات.. تستطيعين مثلا أن تقولي: السجن التخصصي، مثلما تقولي المستشفى التخصصي! ويبدو أن هناك مؤسسات خفية، تعمل بتمويل وبتدريب خارجي شديدين، لاستيعاب ما حدث .
عاشت أم عثمان أبشع أيام وليالي حياتها، وهي تتابع تنقلات ابنها عثمان الحليم، من سجن تخصصي، إلى سجن تخصصي آخر، وكان الجنود ودودين معها ، خدومين لها – والحق يقال! – فيسمحون لها بزيارة ابنها في كل سجن ينقل إليه، وهم يقصدون جعلها تشاهد عذاب ابنها، لتعود إلى المعسكر، فتنوح وتلطم خدّيها وتخبر جيرانها، فتحبط وتكبح جماح كل من تُسوِّل له نفسه العودة إلى فلسطين… فلسطين جبال الكرمل، المتوجةِ فوق الغيوم، والمطلة على الكون بأسره، غابات فيها ألوان قوس قزح، وفيها عصافير وبلابل، وصقور وغربان، ونوارس قادمة من البحر..
كانت تطير في سمائنا طيور أبو سعد البيضاء الطويلة الأعناق والأرجل، الصغيرة الرؤوس، الانسيابية الشكل أثناء طيرانها، وكأنها طائرات كونكورد صغيرة سابحة في الفضاء. كانت تأتي من الشمال الغربي، على شكل جماعات مع غيوم ورياح الأمطار، ولذلك كانوا يلقبون أي شخص طويل، ونحيل الجسم، بلقب أبو سعد، لأنه يشبه طائر أبو سعد الانسيابي!
كانت سماؤنا يا عذبة رحبة زرقاء صافية، وأحياناً موشحة بالغيوم البيضاء، أو الكحلية أحيانا، خاصة إذا كان يتبعها مطر غزير، يستمر أسابيع متواصلة! وكانت جدتي سعدة تعرف اليوم الماطر، من اليوم الصحو، وذلك بمراقبتها اتجاه الغيوم، فإذا كانت الغيوم جهة الشرق، والغرب مشمساً، معنى ذلك أنها غيوم زائلة، وذلك اليوم مشمس، وإذا كانت الغيوم المتلبِّدة الرمادية قادمة من الغرب، بينما الشرق مشمس، فمعنى ذلك أن الأمطار ستكون غزيرة ذلك اليوم، وقد تكون للأسبوع القادم كله. كانت جدتي سعدة تعرف ذلك حسب المثل الشعبي القائل: “إن غيّمت صبحيّة، إحمل عصاة الرعية ، وان غيمت عصريّة، شوف لك مغارة دفيِّة “! ولكن أثناء الاجتياح، تحولت الدنيا كلها إلى اللون الرمادي القاتم، والأرض المنسقة نباتاتها وأزهارها بألوان قوس قزح، صارت صفراء رملية صحراوية تحت أقدامنا! أطفأ الاحتلال سعادتنا، وحياتنا الملونة، تماماً كمن يطفىء النور! كانت جبال الكرمل مغمورة بغاباتها الخضراء، ومكللة ببقع أزهار الحنّون الحمراء، وموشحة بأزهار النرجس البيضاء المكحلة بأفواه بوقية صفراء ، وواسعة المدى بأزهار البنفسج الزرقاء.. ماذا تبقى من ألوان قوس قزح؟ كنا نركض أنا وأنتِ، في أرض ” الظهرة “، نقطف زهر النرجس في الشتاء، وزهر البنفسج في الربيع، وكان الزجالون يغنون في الأعراس قائلين:
“يا ميجنا ويا ميجنا ويا ميجنا. زهر البنفسج يا ربيع بلادنا “!
كنا نتسابق أنا وأنت في الغابة، لعلنا نشاهد أعشاش عصافير فوق شجيرات “البطم والسرِّيس الفلسطيني”، ونفرح كثيراً عندما نصادف أفراخ العصافير داخل أعشاشها، بينما أمها تراقبنا، خائفة على صغارها! ولكننا لم نكن نؤذيها. قالت أمي: ” إن التقاط العصافير التي ما يزال عليها ريش الحرام، هو حرام “! ولذلك لم نكن نمد أيدينا إلى ريش الحرام. كنا فقط نشبك أيدينا أنا وإياك مع بعضها البعض، ثم أحضنك وأشدك نحوي، ليلتصق وجهانا، فأغرق في زرقة عينيك البحريتين، وتلفّين ذراعيك على ظهري، محدِّقة بي، وأنا خاشع في محرابك.. ونبقى هكذا وقتاً طويلاً، نستمتع بحب الربيع! صرت الآن أغنِّي مع نزار قباني قائلا: ” الموج الأزرق في عينيك..! وأنا ما عندي تجربة، في الحب، ولا عندي زورق” تجاربي يا عذبة كلها في الصحاري والغربة! وفي الصحاري لا يوجد زوارق، فالجمل وحده سفينة الصحراء …والأعمق في جبال الكرمل هي الوديان، حيث تعيش غزلان المسك الذي كان يتعطر به الحاج عبد القادر، ويعشش الحمام، ويسرح النحل في وادي النحل. كان والدي يقطف عسل النحل البري من مغارات الكرمل، ألذّ عسل أتذكر طعمه، وغابة الكرمل تتصل بالله سبحانه وتعالى في القمم، هناك تشاهدين بين الغابات، الضباب والغيوم تتكاثف متمددة بين الأرض والسماء، تمد يدها فتتوحد مع الله! كان الناس يلتقون في الكرمل صدفة، أو قاصدين الِّلقاء، وبعد خمسٍ وعشرين سنة من الهجرة، حدثني عمي أبو يوسف؛ مختار البلد ، قائلاً:” كانت جدتك سعدة مسترجلة، وكنت في أحد الأيام أسير في طريق جبلية في غابة الكرمل، وأنا أُغنَّي… وأنا عادة ما أحب الغناء في الخلاء…كنت في بداية عمر الشباب، وشواربي تُكتِّف الخيّال، مغروراً بنفسي وبأغانيّ، وكانت كلمات الأغنية أو الموال الشعبي تقول:(ثلاثة وأربعة واثنين بالجوز، وفقِّس يا حمام وبيض بالجوز، وكيف الأرملة تصبر بلا جوز، وكيف تنام وتطيق الغطا) ؟ ولم أنتبه إلا وجدتك سعدة تصرخ من داخل الغابة، وهي تركض باتجاهي وتقول: ولك يا سافل! أنت تقصدني بأغانيك المجنونة هذه؟ والله لأذبحك! هجمت عليّ، وبيدها دُرّة خشبية. وأنا في الحقيقة لم أقصدها بذلك، ولم أشاهدها أصلاً وأنا أغني، ولكنها اعتقدت أنني قد شاهدتها، وغنَّيت قاصدًا إياها، إذ أنها كانت أرملة، وجدك متوفى، فلم أتمالك نفسي، ولم أجد أمامي سوى الهرب باتجاه القرية.. رحت أركض وهي تركض خلفي، ولم يحمني من جدتك، سوى دخولي البلد، وكما تعرف؛ في داخل القرية “الرجل رجل، والمرأة امرأة ” فذهب كل حي إلى سبيله “!
كانت أياماً حلوة، وكان الناس يحترم بعضهم البعض، ويعملون ويقومون وينامون بهدوء وسكينة. أعجبني كلام المختار، وذكّرني بك يا عذبة، تذكرت أيام كنا نذهب أنا وأنت لالتقاط ” الفُقُعْ ” الأبيض الكبير من الأرض، نجده مثل المظلة، فنجمعه ونعود به إلى البيت، فتطبخه أمي مع البصل وزيت الزيتون، فنأكله مع خبز الطابون. أشهى من أي لحم يعرفونه اليوم.كنت يا صغيرتي حلوة، وأما أنا فلقد كبرت، وبدأت أعي المأساة من حولي تكبر وتتسع دائرتها، ولكنك ما تزالين مُصوّرة أمامي، كأغنية فيروز “وشادي بعده زغيَّر، عم يلعب.. “! وأنت ما تزالين في ذهني صغيرة، تلعبين مع الدجاجات الملونة، تركضين خلفها، فتهرب منك الدجاجات، ويقف الديك الأحمر ينظر إليك، وكأنه يستنكر هجومك على دجاجاته، وهو يصيح في وجهك قائلاً:” كوكو! كوكو”! أي احذري الاقتراب من دجاجاتي! فتخافين من الديك يا خَوَّافة! أما أنا الذي خفت من بطش الصهاينة، فلقد وجدت نفسي ملقىً في معسكر للأنصار، خلف النجوم!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق