قراءات ودراسات

رواية شظايا فيروز – رعوية الانشطار وأحلام الحبّ

وحيد غانم

تدور رواية ( شظايا فيروز ) للروائي نوزت شمدين في مكان تشعر أنك زرته من قبل، قابع وسط الخارطة الدموية القديمة.
الرواية تحاول كشف ذلك المكان المشطور الذي يتقاسمه منذ مئات السنين مسلمون وآيزيديون، حيث تختفي خلف توحّده الجغرافي خطوط انفصال حادة- شرق جبل سنجار وغربه – خطوط لا يكسرها سوى مغامر أو حالم أو متشهٍّ حد النزوع لاختطاف المشتهى. وكما أن المحرمات تكون مرغوبة فأنه يصبح مسرحاً أو زاوية لحلم عاشقين من عقيدتين متنابذتين لم يلتقيا إلا من خلال لمسة يد مذعورة، أيقظت أحاسيسهما، وسجنا قاسيا لرغبتهما باللقاء، فهو مكان مقدّس وملعون من خلال وجهتي نظر متقاطعتين، مكان الآلهة والأولياء القدامى وأشجار الزيتون والنساء الجميلات، مما قبل تاريخنا الإسلامي بكل تراكماته، ومكان الكفرة والشياطين الذين تواروا من عقاب الله من منظور آخر.
تبدو الرواية كحكاية رعوية من حكايات تلك السهوب البعيدة، إذ تتدحرج رؤوس البصل الأبيض بين المحبَين قبل أن تتدحرج رؤوس الناس، وتشدّهما الرائحة الحادة، التي تعبق حول الفتاة ( فيروز) بائعة البصل. وبسبب الحبّ تملأ رائحة البصل قرية ( أم نهود) مسقط رأس مراد الشاب المسلم خريج كلية الموصل قسم البيطرة، وهو المتعلم بين أناس طمس ملامحهم الجهل والغبار والأحقاد القديمة. وفي حين يحمل اسم القرية المسلمة إيحاءات ايروسية،مثيرة، وساخرة، على خلاف المتوقع في مجتمع محافظ، تقبع في جانب من المكان المشطور نفسه قرية ( فيروز) غير المسماة كالغياب، وتكون مقصد الشبقية المسلمة نحو الايزيديات الجميلات، في مقابل تواري أو غياب ايروسية مماثلة لدى الرجال الايزيديين نحو النساء المسلمات. ولاشيء يمنع تردد الشائعات عن خطف الايزيديات من قبل بعض رجال القرى المسلمة الأخرى، ونفي الجهات الأمنية شائعات الاختطاف، في مقابل إعلان شيوخ القرية ( البراءة) من الكفرة ، إلا في حال إسلامهم ( إسلامهن) والفقه في هذه الحال غالبا ما يقدم مفتاحا شرعياً للتحرر من قوة الشهوة بطريقة ملتوية. على أن خيط الشبق يستمر مشدودا بقوة بين الطرفين وملطخاً بالدم.
وهو خيط يصلب مراد بقوة نحو بائعة بصل ايزيدية شابة تفتنه، ويستغرق في حلم بالحب العذري طيلة أشهر، لا تتوّجه سوى معرفته اسم الفتاة ” فيروز” تحت تأثير مداعبته رؤوس البصل الناعمة، وهو يعلم أنه يخالف المفاهيم السائدة عن استحالة قيام علاقة بين مسلم وايزيدية، في ظل ظروف مريبة بين الفئتين، إذ يرفض كلا الطرفين أي علاقة ممكنة، حتى أن البصل ( تفاح الحياة) بات بالنسبة له جزءا من تابو كان عليه التهامه وتقبّل طعمه غير السائغ.
على أن الأمر سيبرر نوعا ما عندما نعرف أن تجربة مشابهة تتخلل تاريخ عائلة مراد نفسها، حكاية عمه عبود التي لم تغادر ذاكرتهم، إذ سبق له أن تخطى ذلك الانشطار والفرار مع أحدى الايزيديات إلى جهة مجهولة بعد قصة حب مشبوبة.
تعتمد الرواية تعدد الأصوات، فمن خلال فيروز ندرك نمو الميل الخفي في داخلها نحو الشاب الذي أمضى أشهرا بمراقبتها، مع أنها تراه “مثل ذئب ينتظر غفلة من الفريسة لينقض عليها – ص 32-” والاقتراب منها مرتين يوميا بذريعة شراء البصل. ذئب يهم بافتراسها، فالحب بالنسبة لفتاة ايزيدية هو افتراس بكل الأحوال، حتى داخل مجتمعها المغلق. وهي تعلم أن موروثها الاجتماعي رافض للتصاهر مع المسلمين بركام حكايات الخوف ونواهي عمتها من الركون إلى “الذئب” لكنها تستسلم لمشاعرها البسيطة، لنظرات الرجل الذي يقاسمها المكان المشطور ويلتقي بها في طريق عام وهو مكان محايد رسمه الجانبان ونقطة تماس متاحة.
هناك اكتشاف ينتظرنا إزاء عذرية الحب البسيطة، ففيروز ومن خلال تقدم الرواية واجتياح ( داعش) للمنطقة واستباحة القرى وقتل رجالها وسبي النساء، تبدو برغم أمّيتها أكثر نضجاً في النظر للكارثة التي حاقت بها وقريتها، ففي حين يذهب مراد إلى حد الانخراط في صفوف “تنظيم الدولة الإسلامية” بهدف الوصول لحبيبته وإنقاذها كما تخيّل، منصاعاً لـ ” إرادة عشق فرضت سلطتها المطلقة عليه وجعلته يمضي في قراره حتى وان كان حتفه – ص 64″ نرى أن فيروزا المختطفة مع عشرات النساء، تتحمل مسؤولية مصيرها وحماية نفسها وعمتها المخبولة وأختيها الصغيرتين. هو يذهب إلى التنظيم الدموي وكأنه يحقق رغبة الفناء الكامنة في قلب المحبّ، وهي في لحظة مواجهة الموت لا تفكر بمصيره وما تأمله منه بل في إنقاذ حياتها وعائلتها.
سيتراجع طيف مراد في داخلها إزاء قسوة ما يحدث لها ولمن حولها، فالحب الذي تلهبه الرغبة ودغدغ مشاعرها مرّة، لا يوفر لها حماية بل ينسحب مفسحا المجال لخوفها المطلق من الوحوش التي تحوم حولها، الذئاب المنفلتة من حكايات عمتها، الوحوش التي تملك تفسيرا آخر للحب والموت، لم يعد حبا عذرياً يخفي رغبة باكتشاف جمالها بل هو جسدها ( شرف الايزيدية) المهدد بالافتراس، مكانها الصغير المفضوح على خلاف مكانها القديم المغرق في الغياب، وهي تحاول ستره بمساعدة بعض المتعاطفات اللواتي استخدمهن التنظيم.
يلتقي الجسد بالمكان المشطور بين زمنين، ويحل بديلا عنه، الجسد المحرّم ببؤسه والمستباح بلذائذه، يتراجع كل شيء آمنت به خلف قوة تأثير ايروسية مطلقة ومشرعنة. لم تعد غير جسد – مكان قابل للتدمير، لا تنفع توسلاتها “خودي – الإله الأيزيدي القديم ” في خلاصه، وسيكون الجمال في هذه الحال دلالة فحسب تقود المتشهي الشبق لغزوة تسحق إرثا روحياً قديماً.
يحتمي مراد بنفوذ عمه “عبود” الذي يظهر فجأة ويبسط سلطته، هو صاحب النزوات الذي بات برتبة أمير في التنظيم، فالمحبّ في الحكايات الرعوية لا يتورع عن انتهاز قوة الظلام لتحقيق مآربه. مراد غير مهدد جسدياً وليس عليه سوى إخفاء أفكاره حتى يمكنه التجول في الأنحاء والاستمتاع بالامتيازات التي حظي بها، باعتباره جزءاً من جسم التنظيم القاهر، ملاحظاً تبدل طرأ على الموصل- المكان الذي اختزنته ذاكرته، أزيلت تماثيل كثيرة وقبور،أما المدينة ومجتمعها فباتا محكمين بطوق المحرّمات، بينما يقوده بحثه اليائس عن ” فيروز” إلى الالتقاء بالحاج “بومه” أو خليل إبراهيم أحمد، العجوز السبعيني الذي أمضى حياته في أرشفة أسماء الموتى وتواريخ رحيلهم، وهي مهنة أحاطته بهالة مخيفة، هو الكائن الذي يمتلك قوة سحرية في مواجهة قوى الظلام ” انتبه مراد.. أن امرأ غير عادي يحدث في المقر، فالموظفون كانوا يتحركون بذعر في الممرات.. أخبره أحدهم بأن وكيل ملك الموت يجوب المكان.. – ص 93-”
عجوز قدري مخيف! ومنذ البداية نشعر أنه لقاء بين شخصين يستظلان بكف الموت الكبيرة. شاب تبدو رغبته بإنقاذ فتاة أحلامه فروسية وساذجة في خضم دوران عجلة القتل الطاحنة، ورجل أمتلك حكمة ملامسة الفناء. وهو لقاء خرافي، ضمن لعبة الخلق والفناء الأبدية. ربما يأتي انحياز رجل الموت للمحب بشكل مفاجئ، إذ يكسر العجوز الذي يتجرد من قناع اللامبالاة توقعنا، وكأنه أراد أن يذيّل سجله الجحيمي الكبير بعلامة أخيرة تدلّ على الحياة. وهي خطوة مفاجئة لعجوز لم يعر وجود الأحياء والحيز الذي يحتلونه في فراغ حياته اهتماماً، وقد أختار وقتا غريبا، فتعاطفه مع المحب أتى في مقدمة خلفية من المشاهد الدموية لقطع الأعناق وصور الخراب.
ونحن نتساءل هل كان دافعهما أخلاقيا فحسب؟ لأن المحصلة التي تنساب من ثنايا لقائهما وفروسيتهما الحالمة وعدم جدواها ثم افتراقهما لا تبدل شيئا في سير الأحداث. يستسلم الحاج بومه للموت بإرادته وهو يواجه ” داعش” وككل الشخصيات الفروسية الحالمة توجه مراد إلى حيث لاقى الحاج الأسطوري حتفه و”أطلق من المكان نفسه الذي أعدم فيه حمامة بيضاء- ص 278″ هل حرر الحاج بموته مرادا من نهاية مشابهة دافعها الحبّ؟
الرغبة في الحياة تجمع أيضا إلى جوارها نقيضها الرئيس والحتمي، أي الموت، فكل ما فعله مراد كان أشبه بالتحرك تحت وطأة ميل خفي للانتحار، مع رفضه الحب المبذول والمتاح في مقابل ثمن، فهو لم يرغب بمضاجعة أي من السبايا اللواتي اشتراهن وحررهن، ونستطيع أن نتفهم موقفه الأخلاقي النبيل، لأن عليه أن يبقى أمينا لفروسيته وتوهّمه بأن المكان القديم المنشطر سيلتئم من خلال حبّه أو حتى موته والتكفير عن خطأ لم يقترفه لكنه يحمل وسمه، وسيناجي حبيبته المستسلمة في مكان ما لمحارب ” داعشي” ” أن حرّة مثلك ستختار الموت على أن تفقد شرفها – ص 95″ لكنه يعلم أنه باشتراطه بقاء جسدها عذريا إنما يسلبها خياراتها في البقاء .

شظايا فيروز- 283 صفحة – صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت 2017

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق