ثقافة السرد

زوايا الخريف

جميلة طلباوي

ككلّ خريف يختار هذه الزاوية من الغرفة و يقف طويلا أمام النافذة حتى يخيّل لمن ينظر إليه بأنّه تحوّل إلى تمثال يشبه اللّوحة التي عشقها أكثر من أيّ شيء آخر فصار بيتنا جزء منها و ليس العكس. وبمجرّد امتلائه بكل أسرار ما وراء النّافذة يلقي بجسده على السرير و يفتح كتابا لأجاثا كريستي يلتهمه التهاما ،أقف أنا في المطبخ أتذكر قولها بأنّ أفكار الجرائم و القتل تخطر ببالها كلما وقفت في مطبخها و أمسكت سكينا بيدها و راحت تقشر البطاطس.
أتساءل بيني و بين نفسي لماذا اختارت البطاطس بالذات؟.. تقرف ذاكرتي من البطاطس فأرميها جانبا و أحرمه من طبقها اللذيذ الذي يعشقه في هذه الفترة بالذات.أفضّل طبق معكرونة سيذكّره بمرحلة جميلة قضيناها في روما ، كان يفضّل أن نخرج لنجوب المدينة أيام العطلة و حين نعود إلى البيت يطلب منّي تحضير طبق معكرونة ليغيب بعد ذلك وقتا طويلا في المرسم ، كان يجد في الرسم ملاذا من أعباء تخصّصه التقني الدقيق . ضحك كثيرا يوم قلت له:
-هل المعكرونة هي ملهمتك؟
ردّ عليّ في حنان و هدوء.
-أفهمك ، أكيد أنّ قلبك يتفطّر غيرة و تعتقدين بأنّني أرسم امرأة غيرك لهذا تقولين هذا الكلام.
وضعت يدي على فمي لأكتم شهقة و أنا أقول:
-صحيح ،لماذا تصرّ على أن تجعل من لوحتك هذه سرّا؟
تنهد يومها عميقا ثمّ قال :
-فقط لأنّني أستمدّ منك القوة على الإبداع ،وأعلم أنّك لو رأيتها قبل أن أكملها لن تعجبك و بالتالي لن أستطيع إكمالها.
و أكملها و هيّأ جوّا خاصا للإحتفال بها ، لبس بذلته السوداء و طلب منّي أن ألبس فستانا بلون البحر .
حبست أنفاسي قبل أن يرفع الغطاء عنها، قال لي :
-أغمضي عينيك
أغمضتهما ليصيبني دوار البحر و كأنّني على ظهر سفينة ، أحسست بقرب العودة إلى الوطن ، ثمّ ارتفع صوته ليعيدني إلى المرسم:
-الآن أقدّم لك لوحتي التي قضيت شهورا في رسمها.
فتحت عيني ، ذهلت من المنظر قلت و الدهشة تكسّر جليد كلامي:
-أيعقل أنّك قضيت شهورا في هذا المرسم لترسم هذه؟
سحابات الحزن أبعدت وجهه عنّي، أبعدته كليّة ، وقف مديرا لي ظهره ليحجب عنّي اللوحة ، استدركت قائلة :
-أنا آسفة ، قدّر موقف امرأة كانت تعايش ميلاد لوحة و تتوقع بأنّها لها..هنيئا لك لوحتك.
لحظتها فقط وصلتني أصوات النوارس و هي تعبر بحره و تعيده إلى شواطئي مبتسما تمتم قائلا :
-أعرف أنّها لوحة غريبة ، لا أحد يمضي وقتا طويلا في رسم نصف وجهه.
-لا عليك عزيزي ، أتفهم رمزية اللوحة.
و وقفت أشرح له كيف أنّ ابتسامة “موناليزا” حيّرت العلماء و طرحوا السؤال: لماذا كانت نصف ابتسامة ؟ و بعد المسح الضوئي لهذه اللوحة التحفة و تحليلها ببرنامج كمبيوتر تبيّن بأنّ موناليزا كانت سعيدة 83في المائة، مشمئزة 9في المائة ،و أنّها كانت خائفة بنسبة 2في المائة .
قلت له كلامي هذا و في أعماقي يتوالد خوف كبير من نصف الوجه ذاك، عزائي الوحيد أنّ انتهاءه من رسم اللوحة يعني العودة إلى الوطن أيضا.
أعلن لي الخبر و كأنه يقدّم لي هدية على تقبّلي للوحته أو فرحة بانتهائه من رسمها.
اللوحة الآن صارت تنافسني المكان ، و الوطن صار اللامكان منذ أن عدنا.
أصبح طبق المعكرونة جاهزا، هكذا سأسحبه من عالم أجاتا كريستي
إلى تناول وجبة العشاء. توجهت نحوه ، كان غارقا في القراءة ، كان عليّ أن أناديه حتى ينتبه لوجودي:
-محمود العشاء جاهز.
ظلّت عيناه تلتهمان الصفحات و أنا متسمّرة في مكاني أمام تلك اللوحة ، أعدت ندائي : محمود ، ألا تسمع؟
و بالكاد ردّ :
-سمعتك ، لا تقلقي نفسك لا يهمّ أن أتعشى.
– وضعك هذا أصبح يقلقني.
-أي وضع تقصدين؟
-إدمانك على قراءة روايات أجاتا كريستي
ضحك ضحكة مجنونة ثمّ قال:
-بعدما أدخلوني السجن و خرجت منه لأعرف بأنّ الخارج منه سيدخل في سجن أكبر ، أفكر في الإعدام، أحتاج إلى حكم بالإعدام حقيقي.
أدركت حينها بأنّه لم يتخلّص من حالة الإحباط ،لقد عاد إلى الوطن ممتلئا بالرغبة في العمل، أعطى كلّ وقته لتلك المؤسسة . كثيرا ما قلت له بأنّنا منذ عدنا إلى الوطن و أنا أشعر بالاغتراب لكثرة غيابه عنّي ، كان مؤمنا بالنجاح و لم يكن يعرف بأنّ الخفافيش يزعجها النجاح و يشكّل خطرا على مناصبها و كراسيها ، دبّروا له المكيدة بإحكام و ألبسوه التهمة كاملة ليجد نفسه وراء القضبان .
خمس سنوات سجن كانت كافية بأن تخلق منه نصف الوجه الآخر الذي سقط من لوحته تلك التي سمّاها ” الغريب”.
كان لا بدّ أن أصرخ أكثر ،أن أحدث ضجيجا في عالمه:
-محمود ، أرجوك يجب أن تخرج من هذه الحالة ، الحمد لله براتبي من وظيفتي حفظنا كرامتنا ، لكن رغم هذا عليك أن تخرج من عزلتك و أن تبدأ من جديد.
تعالت ضحكاته أكثر و هو يقول لي:
-من جديد، و أين يوجد الجديد؟
بحثت في زوايا اللّحظات عن منفذ من مأزق سؤاله، قلت له :
-لماذا لا ترسم، يمكنك تنظيم معارض للوحاتك.
و لم يكفّ عن الضحك الذي قطّع صوته و هو يقول لي:
-و كأنّك لا تعلمين بأنّ الفنّ لا يجلب الخبز في هذا البلد.
كان غارقا في الضحك و هو الذبيح ، و أنا لم أعد أقو على التحمّل، امتدّت يدي إلى الكتاب أبعدته عنه ، سحبته من يده و أنا أصطنع ابتسامة و أعلن له عن قراري :
-ستأكل الطبق كاملا و سترسمني أريد أن أكون النصف الآخر لوجه اللوحة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق