ثقافة المقال

العقل العربي ومآلاته : العقل الجاهلي

الشيخ سيدي عبد الغني العمري الحسني *

بما أن عرب الجاهلية، لم يكونوا أهل كتاب، فإن أقصى ما يكون عليه العقل لديهم، هو ما يوافق حال الفطرة على الإجمال. ولو تأملنا هذا، لوجدناه حال الحكماء منهم، الذين ضمّنوا حكمهم أشعارهم أو خطبهم ومواعظهم. وإن انحياز العقل العربي الجاهلي إلى الشعر وما شابهه، ينبئ عن خصوصية لديه، إن هو قورن إلى العقل الغربي، اليوناني خاصة. وهذا يتطلب منا أولا معرفة نسبة الفن إلى الفلسفة…

إن الفلسفة هي التعبير عن المعقولات، في قالب لغوي فكري؛ وهذا يعني أن اللغة لها أهمية قصوى، تجعل الفلسفة مقيدة بها، ولا تتجاوزها. أما الفن كالموسيقى، فهو لغة مطلقة في مقابل اللغة المعلومة، يعبر بها الفنان عن معان مطلقة أو شبه مطلقة، وإن بقيت على نوع تقيُّدٍ بأمهات المواجيد كالحزن والفرح والهيبة والعظمة والرقة وغير ذلك… وعلى هذا، يكون الشعر في الترتيب أعلى من الفلسفة وأدنى من الموسيقى (الفلسفة اليونانية القديمة كانت شعرا).

والعرب عندما أتقنوا الشعر، فإنهم قد برهنوا على أنهم قد ملكوا ناصية اللغة، على الأقل بالقدر الذي حازه الفلاسفة، وإن اختلف توظيفها بين الفريقين. ولا شك أن التوظيف الفني، لا يقل عن التوظيف المنطقي الذي هو عصب الفلسفة؛ بل يزيد عليه بما يدخل في المواجيد التي هي وراء المعقولات. وهذا يعني أن للمواجيد منطقا خاصا بها، قد يغفل عنه الغافلون. وعلى هذا، فإن العرب أرقى من اليونان من هذا الوجه، وإن جُهل لدى الدارسين ما نذكره هنا، أو قلّ من يشير إليه من المنصفين.

وإن ميل العرب إلى الإطلاق، لا شك كان داعيا (دعاء استعداد) لأن ينزل فيهم الوحي الإلهي المطلق، الذي هو القرآن الكريم. ولا شك أنّ تقبُّل العرب للقرآن، يختلف حتما، عن تقبل الفلاسفة لو نزل فيهم؛ لِما هم عليه من التقييد، الذي يمنعهم عن إدراك جل معانيه. بل إن حال الفلاسفة مع الوحي، لا يكون بعيدا عن الانقباض الناشئ من التنافر بين المتنافريْن. نقول هذا على العموم؛ وإلا فإن القرآن لا يخلو من آيات منطقية تبهر أشد الناس عقلا وأقواهم برهانا.

أما الفوضى السياسية التي كانت تغلب على العلاقات القبلية، فإنها كانت في الغالب تدور حول الحفاظ على البقاء، في عالم تنافسي، الغلبة فيه للأقوى عُدة وعددا. ومع ذلك، فإن العرب كانوا على أعراف تكاد تكون أرقى مما هو العالم عليه اليوم من قوانين، إذا ضربنا صفحا عن الفارق في الجانب التقاني الموهم بالتقدم. هذا يشبه قليلا، ما كان عليه الهنود الحمر من مروءة، في مقابل وحشية البيض المستعمرين، في أمريكا.

عندما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ» ، فإنما كان يعني حال العرب عند البعثة على التخصيص. وإن عدم الاشتغال بالكتابة والحساب، لا يعني إلا البقاء على حال الفطرة في حق من سيُقبلون على الإسلام، إقبال من كان في ظمأ إليه. وإن اشتغال الأمة فيما بعد بالكتابة والحساب، لم يُخرجها عن صفتها الأصلية في عمومها، وإن خرج من ظن أنه حصل شيئا من طريقهما، لا يوافق الوحي، كحال المستغربين من أبناء أمتنا في زماننا. والأمية لدينا لا تعني الجهل هنا، وإنما تعني البقاء على حال من الصفاء، يضيء زيت الأمة بإذن ربها، بمجرد أن يمسه نور الوحي.

أما عبادة العرب للأصنام، فقد كانت نكوصا عن الفطرة من غير شك؛ لكنه في غالبه كان موافقة لما درج عليه الآباء، من غير تمحيص أو تعقل. وهذه العبادة تُنبئ عن قصور في معرفة الله، مع حدس بضرورة وجودها المحوري في حياتهم. ويبقى قلة منهم من وُفق للبقاء على الفطرة من غير تقييد بعقل، كقس بن ساعدة، الذي هو معدود من أهل الفترات كما هو معلوم. ولو عدنا إلى مقارنة العقل العربي (الشرقي) إلى العقل اليوناني (الغربي)، لوجدنا شبيها لقس بن ساعدة نوع شبه، وهو أفلاطون الذي كان يرفض وثنية قومه؛ على اختلاف وتفاوت بين الرجلين، من حيث دخول الفكر على الفطرة. ومن الجيد هنا أن نقرر الفرق بين العقلين الشرقي والغربي، حتى لا نقع في غلط محاولة توحيدهما فيما بعد، كما فعل المستشرقون من الغربيين، والمستغربون من الشرقيين. وسنرى لهذا الخلط انعكاسات كثيرة، حين الخوض في التفاصيل مستقبلا، إن شاء الله.

والفوارق التي بين العقل الشرقي ونظيره الغربي، لا يمكن أن تؤخذ إلا على جهة التغليب، بسبب وحدة العقل العامة، كما هو معلوم، وكما أوضحنا في المقدمة. وعلى هذا، فمن سمات العقل الشرقي الميل إلى الإطلاق الذي يناسب الفنون والتصوف والتنجيم والغيبيات؛ أما العقل الغربي فحتى فنه فكري مقيد بقواعد صارمة. وإذا أخذنا مثلا على هذا سمفونية كلاسيكية في مقابل موسيقى هندية كلاسيكية أيضا، فإننا سنتعرف الفرق فورا، عندما نجد الأخيرة متحررة كثيرا، حتى فيما يعود إلى درجة الصوت الواحدة (النوتة)، التي تؤدَّى في الموسيقى الهندية بتموج في التردد يكاد يُخرجها عن الضبط. وقُل مثل ذلك في الجملة اللحنية وتنويعاتها، وفي الإيقاعات وغير ذلك…

إننا عندما نتناول مصطلحات كالشعر والفلسفة والفن والفكر، فإنما نريد منها معانيها الأصلية، لا التي هي شائعة اليوم؛ لأن التعليم السقيم الآن قد أفسد كل شيء؛ حتى عاد الجاهل الساكت معه، أفضل حالا من المتعلم. وعلى كل حال، فإن القارئ يحتاج معنا في معظم ما نكتبه، إلى أن يدقق في معاني الألفاظ، والتي قد تخرج عن المألوف منها؛ ذلك لأننا نعتمد الأصل اللغوي دائما، في التأكيد على المعنى الاصطلاحي. وهذا يكون بمثابة تجديد للغة، ضمن تجديد الخطاب إن شاء الله…

 

*شيخ الطريقة العمرية بالمغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق