ثقافة السرد

الحقيقة والوجع

عبد المنعم همت

عدت محملاً بالأمل بعد أن نلت شهادة عليا في الكيمياء , كتبت عني الصحف البريطانية ونشرت ابحاثي مراكز متخصصة . هبطت الطائرة على مدرج مطار الخرطوم , أحسست بطعم ماء النيل والتراب الذي أعشقه ..صوت اطارات الطائرة وهي تغازل المدرج وتقبله بشوق العودة الى الوطن ,, والوطن مساحة من الفرح مرسومة في كل الخلايا والزوايا والحكايات التي تعطر الافق النبيل . حملت حقيبتي التي تحوي شهادات أعتز بها ,حملتها بحنو علها تضع بلادي في مسام الرقي العلمي والتطور . كل خطوة كانت ذكرى لأيام امتلأت بالعمل الممزوج بالطموح .. وعند بوابة الخروج تجمع الالاف بمختلف سحناتهم , ازدادت وتسارعت خفقات قلبي و”فلاشات” الكاميرات تزداد وتجعل مساحات الود بداخلي تتسع كنهر يفيض في موسم الفرح , شعرت بالبهجة وأنا أسمع الهتافات التي ترحب بي ..حينها فقط ادركت ضآلة التكريم الذي وجدته في بريطانيا والذي لا يعادل شيئاً امام هذه الجموع التي جعلتني أستدعي عمق التراث السوداني وأصالته .. تقدمت نحو الجموع ملوحاً ..وضعت حقيبتي على الارض لأعانق هؤلاء فرداً فردا ..لأشد على اياديهم وأحكي لهم عن المساهمة العلمية العظيمة التي حققتها للإنسانية ..اندفعت مجموعات كبيرة نحوي متخطية الحاجز الموضوع على جانبي الممر المعد للقادمين ..فتحت ذراعي ..ابتسمت بعمق ..هرولت نحوهم ..ما اجمل هذا الشعب الجميل ..العشرات تخطوا الحاجز ..فتحت ذراعي اكثر حتى أضمهم جميعاً ..أغمضت عيني فرحاً .. فتحت عيناي لأتفحص الوجوه وليبلل عرقهم جسدي فرأيتهم يحملون الشاب الذي يسير بجواري , يحملونه على الأعناق ! اقطاب النادي الرياضي الكبير يحيطون باللاعب المحمول . حينها عرفت أن الارض هي التي احاطتني من كل الجوانب وفتحت لي ابوابها نحو الوجع .. فنزلت مني دمعة أحرقت شهاداتي .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق