ثقافة المقال

العـرب والقــراءة

د. عبد اللطيف الصوفي

نهل أجدادنا العرب، خلال عصور تألقهم الحضاري، من كل علم، واستزادوا من كل أدب وفن. لقد كانوا عشاق معرفة وبحث، بذلوا في سبيلها الغالي والنفيس، وتحملوا من أجلها مشقات السفر، غير عابئين بشيء، من هم وكدر، فشيدوا لأمتهم بناء شامخاً، وصرحاً حضارياً قوياً، اهتدت به أمم الأرض ردحاً طويلاً من الزمن. أما اليوم، فقد انطفأت شعلتنا، وخبا نورها، عبر مئات السنين من التأخر والتخلف، والعيش على هامش التاريخ، بسبب توقفنا عن طلب العلم والمعرفة، بعد أن ساد الجهل مجتمعاتنا المتلاحقة، وتوقفنا عن الحركة، مكتفين باستهلاك منتجات الآخرين، والاندهاش لإبداعهم، علماً بأننا نعيش اليوم في عالم يجري الاعتماد فيه على المعلومات في كل شيء، وفي مختلف الميادين، لأن فيها عناصر القوة، والسيطرة والتفوق… إنه عالم لا يسمح بالارتجال والعشوائية, فمجتمع المعلومات، الذي نعيش- نحن العرب- على هامش بعيد من هوامشه، للأسف الشديد، يعتمد في مسيرته على أربعة معايير أساسية هي:

أولاً المعيار التكنولوجي، الذي يقاس به مدى انتشار تقنيات المعلومات، عند كل أمة تعيش فيه، وفي كل مكان فيها، داخل المدن والأرياف، وفي المؤسسات، والمدارس، والجامعات، والمنازل، ومدى استخدامها، والقدرة على التحكم فيها. أما المعيار الثاني، فهو المعيار الاقتصادي، ويعكس مستوى الدخل المادي للأفراد، والموارد الذاتية للأمة، وقوة مؤسستها الاقتصادية، ومدى مشاركتها في الاقتصاد العالمي.

وهناك ثالثاً، المعيار السياسي، ويعكس مدى ترسيخ الشورى في الحياة السياسية، والإدارية، وتعزيزها، كذا حرية التعبير، وحسن اختيار المسؤولين، والنضج السياسي للأفراد.

وأخيراً المعيار الرابع، وهو المعيار الثقافي، ويقاس به المستوى الثقافي والعلمي للناس، ومدى إقبالهم على الإطلاع والبحث، وهو في تقديرنا، أهم المعايير جميعاً، وأجلها شأناً، لأنه عماد المعايير الثلاثة الأولى، وأساس وجودها، ومحرك عملها ونشاطها.

إن مجتمعاتنا العربية، ما زالت للأسف بعيدة عن مجتمع المعلومات، وإن مؤسساتنا التعليمية، والأكاديمية، وهي قلبه النابض، ودماغه المفكر، مازالت متخلفة عن العصر، علماً بأنها الجهات الأكبر تأثيراً في تكوين العادات القرائية الإيجابية عند الناس، وفي غرس الإقبال على البحث في نفوسهم، وترسيخ قدرات التعامل مع وسائل التقدم والتطور، لولوج عالم التقنيات فائقة الصغر، والذكاء الاصطناعي، والطرق السريعة للمعلومات، والمكتبات الافتراضية. لذلك نقول: إنَّ على هذه المؤسسات، وبصورة لا تقبل التأخير أو التأجيل، أن تستبدل بالمفهوم التقليدي للتعليم، مفهوماً جديداً، يعتمد مبدأ التعليم الذاتي المستمر، ويقوم على المشاركة والبحث، بدل التلقين والاستظهار، قصد الانتقال من دور الناقل المستهلك، إلى دور المشارك في صنع الحياة، وآفاق المستقبل، وليس أمامنا من سبيل إلى ذلك، سوى ترسيخ عادة القراءة الجادة الواعية لدى جميع الناس، بمختلف الفئات والأعمار، وفي كل مكان خلقِ الظروف الملائمة للإبداع والابتكار، خدمة لأمتنا، وحفاظاً على حريتها، وكرامتها، ومستقبل أبنائها، بعيداً عن سياسة الإملاء الغربية، التي تبذل قصارى جهدها للهيمنة والسيطرة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق