ثقافة السرد

عذبة- رواية المأساة الفلسطينية- جزء 13-

صبحي فحماوي

أعود إلى عثمان الحليم الذي اشتاق إلى بلاده، وجرَّب حظه في العودة للتواصل مع الوطن، فوقع في غيابة الجبّ، فكانوا ينقلونه من سجن إلى سجن، ليراه كل الناس في الطريق، ويشاهدوا عذابه، وليكون عبرةً لمن يعتبر! كانوا يكبّلونه بالقيود الحديدية، ويربطونه بحبل خلف خيولهم المطهمة، ويتجهون به من سجن إلى سجن، وأحيانا يتعثّر وهو يركض خلف الحصان، فيجرُّهُ الحصان جراً على الأرض الترابية المزروعة بالحجارة والصخور والنباتات الشوكية، وذلك لمسافة طويلة، فيزداد تهشم وجهه وبطنه وظهره وذراعيه ورجليه.. يوقف الجندي حصانه، ثم يرفع عثمان عن الأرض، ويعيد إليه توازنه، أو يرشق على وجهه كأس ماء، ثم يضربه كفين حاميين، ويقول له:” إصح يا مجرم “! فيصحو الحليم، وينتبه إلى أنه لم يمت بعد، فيواصل الركض خلف الحصان !
لطمت أم عثمان وجهها ، وقطّعت شعرها عندما شاهدت ابنها مرمياً في زاوية زنزانةٍ مظلمة، سموها ” السجن التخصصي “، لطمت ولطمت حتى صارت شبه عمياء، لا ترى إلا خيال زوارها؛ الجارات والأقارب ! كانت تصف لهم ما شاهدت، فيقول أحدهم قول أبونا الخوري:” اللهم لا تدخلنا في التجربة “!
وهكذا أخذت نفس الإنسان الفلسطيني، الذي لم يمت بالحرب أو بالتهجير، تتحول تدريجيا، من شكل عادي، إلى شكل مطعوج ،أو مطبّق، أو سريالي، متماوج، متداخل، متخارج، متواطيء، متنازل، متصاعد، تخاذلي، استشهادي، اندفاعي، انبطاحي، تهجميّ، انفعالي، قيادي، ذكي، غبي، انهزامي، منطلق ، متكاسل، أو” متشائل” على ذمة إميل حبيبي، وذلك بفعل التعذيب الجسدي، أو النفسي في كل مكان.. وهذا ما فعله ابن خالي – الفنان حمادة – عندما صمم رأس شاب بهي من صلصال، وبعد اكتمال التمثال الرأس، وما زال طرياً، أوقعه من ظهر الخزانة ليتدحرج على الأرض، فتطعوج الرأس والوجه والرقبة والفم والشفتان، والتصقت أذن برأسها، وبقيت الأخرى ممطوطة تنتظر سماع بيان هام، وانبلجت عين من محجرها، واندحرت الأخرى ابتغاء مرضاة الله، وانفطس الأنف وتغيرت معالم الوجه، وبعد تلك الواقعة، شوى حمادة رأس التمثال في الفرن، وكتب عليه ” رأس عثمان الحليم ”
بعد مأساة عثمان وأمثاله، والتي سمع عنها القاصي والداني، لم يعد أحد يجرؤ على عبور الحدود! هَمَدَ الناس ولَبَدُوا في المعسكر، وأخذوا يبحلقون، ويجحظ بعضهم بعضاً ! لعلهم يفهمون شيئا! ” وترى الناس سكارى وما هم بسكارى” ثم اتجه كل يبحث عن قوت عياله. ولذلك قبلت أم عيوش وبناتها قرشين فقط ثمن ثلاث حزم من الحطب، يحتجن لجمعهن طوال اليوم، إنهن يردن أن يعشّنَ، وأن يقاومن الموت!
بعد الهجرة في الصيف، جاء فصل الخريف، وكما يقولون “أيلول ذيله مبلول” فمع بدايات تشارين، أمطرت الدنيا طوفاناً، فصارت طرقات وشوارع المعسكر كلها طين أحمر، ذلك لانه أقيم في سهل البطيخ، غرب مدينة أنصار7، وبسبب نزول المطر، أصبحت أرجل المارّةِ تغوص في الطين، والأرض زحاليق، وكأنها مُعَّدة للتزلج على الطين، وليس على الجليد، وأصبح المرور داخل المعسكر لا يطاق، سواء للنَّاس، أو لعربات الحمير، أو لسيارات وكالة الغوث. كان معظم الناس يمشون حفاةً، خاصّة النساء والأطفال، فتغوص أرجلهم في الطين، ثم يسحبونها ويضعون الأخريات، كمن يتهادون في المشي على سطح القمر، ولكن سطح القمر كما يدّعون خفيف الجاذبية، وأما طين المعسكر، فكمن يخوض في لُجٍّ عميق. كان جارنا أبو اسماعيل، يملك (كاوشوكة) مصنوعة من عجلات السيارات، وكان يعيش معه في نفس الخيمة ثلاثة أولاد شباب، فلا يخرج أحدهم، إلا بعدما يعود بديله “لابس الكاوشوكة” فيخلعها ليلبسها الذي بعده. (كاوشوكة واحدة، وعِدّة أرجل)! كان الرجل وأولاده وزوجه؛ أم إسماعيل، يتداورون في لبس الكاوشوكة عند الخروج، خاصة بعدما أمطرت السماء، وَطيَّنت الأرض. ومن يرفض لبس الكاوشوكة؛ فإمّا أن يخرج حافيا لتغوص رجلاه في الطين، أو أن لا يخرج أبداً! حتى لو كان الخروج بهدف قضاء الحاجة! حاول أبي خلق فرص عمل، فزار أهالي القرى المجاورة، طالباً منهم استئجار أرض ليفلحها هو وعدد من العمال المتعسكرين في الحارة بلا عمل، فأجابه صاحب مزرعة زيتون من قرية أنصار8: الفلاحون وأبناؤهم وبناتهم هم الذين يزرعون أراضيهم بأنفسهم، ولا يؤجرونها لأحد، ولا يحتاجون عمالاً يشتغلون لديهم، وحتى لو كانوا بحاجة لعمال، فلا تتوفر لديهم نقود يدفعونها! وهكذا أغلقت أبواب الحياة في وجه تلك الحشود من اللاجئين المنتظرين رحمة الله !
فكّر خليل المعلِّم بأن يثبت موجوديته في مقهى فرج أبو ظريف، وأن يبحث مع رفاقه قضايا المعسكر، وقال: “لا يجوز للوكالة أن تُعِّين مديراً دون استشارة زعامة المعسكر”! ثم طلب من زبائن المقهى أن يدعموا تزكيته مختاراً للمعسكر. ولكن أبو هاجم رفض وقال: ” عندما يكون في المعسكر رجال، فلا يحق لكل من هب ودبّْ، أن يعرض نفسه مختاراً! مفروض أن يعرف كل واحد، أن للمعسكر رجاله، وأن المختار موجود “! كان بالطبع يقصد نفسه ” واللي مش لاقي شغل، يروح يلعب في الطين “! ثارت ثائرة المعلم فقال له: ” أنا من هبّ ودَبّ، يا دُبّ”؟ فهجم أبو هاجم قائلاً له: ” أنا دُبّ ولا”! وبادرهُ بأن رفع كرسي المقهى المكعب وضرب به خليل المعلِّم على رأسه، فقام خليل، ودافع عن نفسه، بأن وجّه لكمات قوية ومتتالية بقبضتيه إلى وجه المختار وبطنه، ولكنَّه فوجئ بسكين تغرس في ظهره! طعنه ابن أبو هاجم! وفوراً توقف اللعب. وتعطّلت لغة الكلام! وتمسمرَ جميع من في المقهى في أماكنهم، ولم يمدّ أحد يده لإسعاف المعلِّم، فقام ومشى متخشباً باتجاه خيمته، والسكين مغروسة في ظهره! كان ذلك المنظر يا عذبة مذهلاً بالنسبة لي! تلك هي أفلام الرعب التي كنا نشاهدها في المعسكر!
مات والي عروبستان في تلك الفترة. كنت صغيراً فلم أعرف من هو؟ كل ما أذكره، أنَّ أُمباشي مخفر الشرطة، طلب من المراسل أبو خنفر أن يدور في طرقات المعسكر، وينادي بأعلى صوته قائلاً: ” يا سكان المعسكر ، الحاضر يعلم الغائب، كل لاجيء يرفع فوق خيمته علمًا أسود، حداداً على الفقيد العربي الكبير! ومن لا يرفع علمًا أسود، لا يلوم سوى نفسه”! وهكذا ارتفعت أعلام سوداء على كل الخيام، فاسودّ لون المعسكر من بعيد. وقد يكون سبب سرعة الامتثال هو الأوامر المشدّدة، والترهيب الذي يعامَلون به ، وقد يكون السبب نفسياً، فاللاجئون مستعدون بطبيعتهم لرفع أعلام سود، حداداً على حياتهم التي لا تختلف كثيراً عن الموت، فرفع كل الناس أعلاماً سوداء، انعكاسا لما في نفوسهم من مرارة العيش، وذُلِّ الإقامة!
وهكذا بدأنا نتطبّع، ونتفاعل مع قضايا العرب، وليس مع قضية فلسطين فقط. ومنذ ذلك الوقت، بدأ التطبيع الفعلي، فلم نعد قادرين على التفكير بالحاج أمين الحسيني، ولا بعزِّ الدين القسّام، ولا بعبد القادر الحسيني، ولا بالثائر أبو دُرّة، بل صرنا نتابع ما يقوله والي عروبستان الجديد، ونسمع الكلام! سواء رضينا أم أبينا ! والسبب هو حبُّ البقاء. مجرد البقاء! والتوازن ما بين لقمة العيش من جهة، والأوامر من جهة أخرى! سياسة الترهيب والترغيب. العصاة والجزرة! فمخفر الشرطة يحمل العصاة، ووكالة الغوث تحمل الجزرة، وكلاهما يعملان على ترويض نمور زكريا تامر!
وعند الحدود العربية الإسرائيلية، حيث تمتد أسلاك شائكة، وينشط جنود متربصون، ظهرت عدّة قرى، كل منها مشطورة إلى شطرين؛ شطر بيد العرب، وشطر بيد المحتلين، فبقيت هكذا مقسمة، فثبّتوا بينها أسلاكاً شائكة، ومن هذه القرى المعذبة، كانت قرية أنصار 17، حيث كان ممنوعا على الناس زيارة أقاربهم، أو إخوتهم، أو أصدقائهم، المشطورين في الجزء الآخر من القرية. وكان الناس ساعات الأعراس يسيرون في حفل العرس، (بالفاردة) على جانبي الأسلاك الشائكة للقرية المشطورة، بحيث يكون العروسان وأهلهما أحياناً على الجهة المحتلة من فلسطين، وأقارب وأصدقاء ومعارف العروسين، على الجهة غير المحتلة من فلسطين، يمشون بموازاة الفاردة الواقعة تحت الاحتلال، أو العكس صحيح.. فتجد شاباً من النصف المحتل للقرية يرش عطوراً من وراء الأسلاك الشائكة على النصف الآخر من الفاردة، فيتوزع عطر العروسين على جهتي العرس، وهم كلهم يهزجون معاً :
“حيفا عروس مزيَّنة ومزيَّنة بِرجالها !
وياشامس غيبي من السماء عالآرض في عِنّا عريس “!
وأما الأطفال المصاحبون للفاردة من أحد الطرفين، فكانوا يتهيأون لالتقاط الحلوى المقذوفة من الطرف الآخر للأسلاك، فأقرب المقربين للعروسين، من الجهتين، تراهم ينثرون الحلوى بالاتجاه الآخر، ليجذبوا أنظار وأفئدة الصغار الجدد، إلى وحدة صف أهل القرية والحارة والعشيرة، الذين يتوقفون وينظرون ويحدقون في بعضهم البعض، ويتحاورون عبر الأسلاك، ويتناقشون مندهشين! وكان الولد سامي الشوباشي يشاهد الفرح والدموع يمتزجان معا في عيون نساء القرية ورجالها الماشين على جانبي الحدود، وعندما شاهد خالته زريفة تسير مع الفاردة، على الشطر الآخر من الأسلاك، ابتسم لها شوقاً، وابتسمت له محبّة، ثم شوّح لها بيديه، فشوّحت له بيديها، ورقصا مع بعضهما رقصة الدبكة الفلسطينية ،ولكن كل على جهة. كان سامي يريد أن يحتضن الأسلاك الشائكة بينه وبين خالته زريفة، ولكن المشاركين في الفاردة أبعدوه! فقال لنفسه: ” لماذا وضعوا هذه الأسلاك العازلة اللعينة بيننا وبين دار خالتي زريفة؟ أنا أحب خالتي زريفة! كانت تحملني على ظهرها وأنا صغير، وتأخذني معها إلى السهرة عالبيادر… كان زوجها شاباً، وليس عندهم أولاد بعد، فكانت تعتبرني ابنها الذي لم يولد بعد، فتدللني وتحضر لي راحة الحلقوم. ما تزال رائحتها تُعَطِّر حلقي ،وهدايا كثيرة. ومنذ الاحتلال، لم ألتقِ بها، ولم تحضنني. لم نسهر من يومها على البيادر! هم لهم بيادرهم، ونحن بلا بيادر! العيشة قاتلة بلا خالات، خاصة الآن، صار لديها أولاد وبنات، وأنا أريد أن ألعب معهم! ولكن سحقاً لهذه الأسلاك الشائكة! ولطم بيده السلك الشائك، فدخل شوك السلك في لحم يده، فأدماها وسال دمه، فبكى. ترى هل كان يبكي بسبب آلام جروحه، أم بسبب آلام شوقه إلى خالته زريفة ؟
كان سامي الشوباشي في الثالثةِ عشرة من عمره. وبعد أن شاهدها في الفاردة، ازدادت استفساراته عن تلك الأسلاك الشائكة، وعن خالته زريفة، وازداد تبرمُّهُ بالحياة، ولكن أبوسامي الذي كان مُلزَماً بتعليمات حرس الحدود الجديدة، كان يضغط على ولده سامي الشوباشي ليلتزم بأوامر القوة العسكرية، وبحدود وقف إطلاق النار! فقال له سامي:”إلى متى نبقى ملزمين بحدود النار يا أبي”؟
” إلى أن يحصل إطلاق نار من جديد، فنخلع هذه الأسلاك الشائكة، ونلتقي مع أهلنا وأقاربنا بالأحضان” .فرفض الولد خنوع والده للأمر الواقع وقال:”(موت يا حمار حتى يأتيك العليق)! فلاطفه أبوه محسوراً:” يا ولدي أرجوك أن تكون واقعيا، وأن تعرف أن (القوة غلبت الشجاعة). ولكن الولد تمرد قائلاً:” هذا أبي عقله متخلف “! وهنا طار ضبان عقل أبيه فصرخ في وجهه:” أبوك عقله متخلف يا ابن الكلب”؟ وقام فضرب ابنه ضرباً مبرحاً، وكأنه ينفِّس بعضاً من عذابات وكبت ومعاناة وآلآم وقهر هذه الهجرة اللعينة، في ذلك الطفل المستفِزّ.! وتحت العنف الأبوي الزائد، هرب سامي من البيت، وبأقصى سرعة، قفز فوق الأسلاك الشائكة، من مكان ضعيف، كان يعرفه ويتفقده من قبل، ليكون الممر الآمن له، إذا أراد القفز فوقه للقاء خالته… وهكذا تم، فانطلق باتجاه بيتها، كالهارب من النار، والمتجه إلى جنة حضن حبيبته. استقبلته خالته زريفة بترحاب ودموع وأنين، وهجم عليه الأولاد الصغار، وكل أهل الدار ! ” إبن خالتي زريفة” !” إبن خالتي منار”!
وبعد فرح ومتعة واندهاش، تناقل الناس الخبر، وفي صباح اليوم التالي، جاء مجندون إسرائيليون إلى بيت زريفة، فاخذوا الولد سامي من بين يديها المتشبثتين به، وقال قائد الوحدة الأمنية هناك:
” هذا ولد قاصر. خذوه إلى مركز الأمن “! فأخذوه إلى مركزهم الأمني، ومن هناك سلَّموه إلى مركز الأمن العروبستاني، على الجهة الأخرى من قرية أنصار17. وفي مركز الأمن العروبستاني، اعتقلوا الصبي، وضيّفوه داخل زنزانة ضيقة معتمة، أشبعوه فيها لطماً بالكفوف. وقال لهم الشاويش أبو مهاوش: “أطعموه شويِّة مخَمسِّيات، على شان يصحى، ويفوق لنفسه “! وبالفعل لطموه “لطم البين والنيَّا “! حتى سكر الولد من الضرب، وتخدّر! وبعد أن فقد مقاومته، ولم يعد يصرخ. ولم يبق فيه نَفَس! سأله المحقق العروبستاني: “ما اسمك”؟ وبصعوبة تذكّر الولد اسمه، وبصوت ذائب أنين، قال: “سامي الشوباشي.” ولكن صوت المحقق كان نمراً في هديره:”لماذا قطعت الحدود؟”
” لم أقطع حدوداً،” قال الطفل ببراءة تامة “فأنا في نفس القرية. فقط ذهبت إلى بيت خالتي”. فنهره المحقق قائلاً:”أنت خائن ولا “؟ فنظر الطفل إلى نفسه مرعوباً وهو يقول:”أنا لم أخن أحدا “! فقال المحقق بصوت أجشّ: ” أنت جاسوس إذن “؟ تلفت الطفل حوله وأجاب:” لم أتجسس على أحد!” فأشار الضابط بسبابته:”أنت متآمر مع العدو ولا! مع أي خلية تخريبية تعمل”؟ فأجاب سامي ملخوماً: “أنا لا أعمل، أنا طالب في المدرسة ؟” ضحك الضابط ساخراً، ثم قال:”طالب يا ابن الشر…” وشتمه بأقذع الشتائم الجنسية السرية الخاصة بأمه وأخته وأبيه، وخالاته وعماته، وزوجات أعمامه وزوجات أخواله..! ثم أتبع استفهامه سائلاً:”مادمت طالباً يا ابن الشر… لماذا ذهبت إلى أرض العدو” ؟ فنظر الولد مستغرباً :”هذه أرضنا وليست أرض العدو! ذهبت لزيارة خالتي، اشتقت إليها!”
“طيِّب! سنضعك في بيت خالتك إلى الأبد يا ابن القوّاد! ستتعرف على أولاد خالتك الذين هم عندنا.” وبالفعل رموه في زنزانة المخفر، ثم نقلوه في الليل إلى سجن اللَّعنة الثالث عشر، وعلم أبوه بالخبر، فانطلق ذاهباً إلى مدير المخفر، الشاويش أبو مهاوش: ” أين ولدي يا أبو مهاوش “؟ فنظر الشاويش للقادم بلا مبالاة وهو يقول:”ولدك، أرسلناه إلى المدّعي العام للتحقيق معه” ! استغرب أبو سامي ما حصل، فسأل الضابط قائلاً:” فيم تحققون معه؟ ولدي زعل مني، فذهب إلى خالته يشكو لها مشكلته. هكذا يفهمها الطفل”! فاستشاط أبو مهاوش غضباً وقام من وراء مكتبه وهو يصرخ: ” الطفل! تقول طفل! لو كان لديك أطفال، فالمطلوب منك تربيتهم”! تراجع الأب إلى الوراء، شاعراً بضيق الحال، وقال بحزن:”هؤلاء أطفال يا ابو مهاوش! لا يسمعون الكلام “! فجلس الشاويش ثانية وقال بهدوء، وبأعصاب باردة، ورأسه في الأرض: ” ابنك سيُحقَقّ معه، وسيتَّهم بالتآمر على مصلحة الوطن، نحن لا نريد لإسرائيل حجة، لتدَّعي بأننا نهاجمها، فندخل معها حرباً جديدة، نحن نريد أن نستعدّ، ونقوِّي أنفسنا أولاً، قبل أن نهاجم إسرائيل، ونقتلعها من بلاد الفلسطين! ودخول ابنك للأراضي المحتلة، يدمِّر الهدنة! ويُشعل حرباً جديدة، قبل أن نكون مستعدين لها، ونحن سنؤدبه، ليكون عِبرةً لمن يعتبر، وحتى لا تسوِّل لأحد نفسه، بأن يخترق الأسلاك الشائكة بعد هذه الحادثة”.
ذهب الأب يا عذبة، يبحث عن ولده في سجن اللعنة الثالث عشر، وكان السجن مشهوراً، بأن من يدخله مفقود، ومن يخرج منه مولود، لأنه سجن متخصص بالتعذيب والتنكيل، ثم التحقيق قبل المحاكمة، فلا يصل المتهم للمحكمة، إلا وهو ينطق بما يريده المدعي العام: ” أنت شيوعي ولا “؟ ” حاضر سيدي ! أنا شيوعي”!
“شيوعي، أم إخوان مسلمين “؟
” حاضر سيدي، أنا إخوان مسلمين “!
” أنت عميل ولا”! ” حاضر سيدي أنا عميل عميل، بس خلصوني اقتلوني! أرجوكم! لكن لا تعذبوني ! فأنا لا أطيق العذاب “! لم يعثر أبو سامي على فلذة كبده، فانتقل إلى العاصمة؛ مدينة أنصار 1، وانتقل من مركز إلى مركز، ومن مديرية إلى مديرية، ومن شيخ إلى رجل متنفذ، فلم يصل إلى نتيجة. كان في سباق مع الزمن، صار يلطم على وجهه وركبتيه، ويحدِّث نفسه:” ضاع الولد يا منار! سيموت الولد قبل أن أصل إليه! سيحطِّمونه كما حطّموا أي شخص اقترب من الأسلاك الشائكة قبله “! عاد إلى بيته ملوماً محسوراً، وكانت أم سامي تغلي، وهي تلطم وجهها وفخذيها وتهذي:” لم تعثر على الولد. ها! أنا أعرفك، شاطر بالشتائم والنكد فقط! ولكن عند هذه المصائب، تعود مهزوماً وخاوي الوفاض”! شعر أبو سامي بضآلة حجمه أمام أم سامي، التي كثيراً ما كان ينفخ نفسه أمامها، مثل ديك الحبش! وقال لها: “شوبدك اياني أقاتل دُوَل؟ هذه دوَل يا منار! هذه أمم مُتّحِدة ضدنا! ألم تقرئي أو تسمعي الإذاعات؟ الأمم المتحدة ضدنا تقول كذا وكذا… جيوش “الإنقاذ” العربية تقول: (ممنوع اختراق الأسلاك الشائكة)! فكيف ينُطّ ابنك عن الأسلاك، ويذهب إلى دار خالته؟ ها هو الآن في سجن خالته. ياليته في السجن! إنه في التعذيب “! وفجأة انتبهت أُم سامي، وقالت لنفسها: “لا أحد يحل مشكلتي غير سمّورة “! وكانت يا عذبة ، سمّورة فتاة سوداء البشرة، من المعسكر نفسه، في العشرينات من عمرها، تعمل خادمة لدى زوجة والي عروبستان.. ذهبت أم سامي لزيارتها في يوم الجمعة، حيث تعود سمورة، لتقضي إجازة يوم الجمعة في بيت أهلها. ” دخيلة على عرضك يا سمّورة! ابني سامي يموت يا حبيبتي! أبوس رجليك ترحمينا من العذاب يا سمّورة ! ابني سامي طفل صغير، ما انت عارفاه”! وشرحت لها قصة سامي، فرَقَّ قلب السمّورة، وتعاطفت مع الولد الذي كانت تعرفه، وهو يلعب في الحارة، فقالت لها: “أبشري يا أم سامي، سأطلب ذلك من ستي زوجة الوالي.”
وبالفعل طلبت سمّورة من مولاتها الإفراج عن الولد سامي الشوباشي، فأعطتها زوجة الوالي رسالة، سلّمَتها السمّورة لأم سامي وزوجها، الذين كانا ينتظرانها، خارج سور الباب العالي. وعلى الفور، وصل أبو سامي بالرسالة إلى مدير الأمن، الذي حوّلها إلى الحاكم الاداري، الذي أمر بالإفراج عن الطفل فوراً، فأخذه أبوه في حالة تصعب حتى على الإسرائيلين أنفسهم! وشاهده أهل قرية أنصار17 على حالته المُدمّرة، فتعاطفوا معه، ولكنهم اتعظوا مما شاهدوه! فلم يعد أحد بعد ذلك التاريخ، يقترب من الأسلاك الشائكة، حيث كانت هناك عبارة باللغة العربية، مكتوب عليها: “منطقة حدود. ممنوع الاقتراب والتصوير.”
لم يقترب أحد، ولم يصوِّر حالتهم أحد! التوبة !

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق