الموقع

دراسات “إسرائيلية”: بعد عقد من اندلاع انتفاضة الأقصى قلق من انتفاضة ثالثة

محمد عثمان محمود

يعد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من أهم عقود الصراع الدائر مع “إسرائيل” منذ إقامتها على أرض فلسطين عام 1948، وقد تميز هذا العقد بتعاظم تحدي المقاومة الذي تمثل باندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، كحلقة جديدة من سلسلة حلقات المواجهة، في مسيرة كفاح الشعب العربي الفلسطيني وجهاده ضد المشروع الاستيطاني الصهيوني منذ ولادته مع بدايات القرن العشرين. لقد شكلت انتفاضة الأقصى حداً فاصلاً في مسار المقاومة الفلسطينية بين مرحلتين:

الأولى هي ما قبل اندلاع الانتفاضة التي برزت فيها برامج التسوية، والثانية هي حالة النهوض في المنطقة، حيث تميزت بالعمليات الاستشهادية (رمز انتفاضة الأقصى)، التي ألحقت بالعدو خسائر فادحة، والتي كان لها من التداعيات والنتائج ما جعل “الإسرائيليين” يراجعون أداءهم في التعامل معها، وفي هذا السياق يأتي العدد الجديد من سلسلة “تقدير استراتيجي” الصادرة عن معهد أبحاث الأمن القومي “الإسرائيلي” (العدد 3 كانون أول 2010)…

في مقال تحت عنوان “عشر سنوات على اندلاع انتفاضة الأقصى:رؤية شاملة” يعترف المؤلف بأن اندلاع انتفاضة الأقصى بكل المشاهد التي رافقتها (قتل اثنين من الجنود “الإسرائيليين” في رام الله والتفجيرات التي أوقعت عدداً كبيراً من الإصابات داخل “إسرائيل”، وانضمام مسؤولي فتح والأجهزة الأمنية إلى المواجهة المسلحة، وكذلك أحداث المواجهات التي حدثت في تشرين الأول/ أكتوبر 2000 داخل “إسرائيل” بين الفلسطينيين والشرطة “الإسرائيلية”، الخ) أبقى “إسرائيل” مرتبكة، وكان لتلك الأحداث أثر كبير في إعادة بلورة رؤية الحكومة “إسرائيل” لطبيعة الخصم ولجوهر المواجهة والتسوية معه، فالانتفاضة التي اندلعت بعد مضي أقل من نصف عام على اندحار الجيش “الإسرائيلي” من لبنان، أظهرت أن المجتمع والسلطة في “إسرائيل” بعد أن شعرا حينها أنهما اقتربا من نهاية الصراع “الإسرائيلي” الفلسطيني، وحتى “الإسرائيلي” العربي، قد وجدا أن هذا الإحساس قد تلاشى وأن الفلسطينيين ماضون في إدامة الصراع والمقاومة. ثم يتحدث كاتب المقال عن مشكلات الوضع القائم بعد عشر سنوات، حيث يوجود كيان سياسي فلسطيني شبه مستقل في الضفة الغربية إلى جانب كيان سياسي آخر تحت سيطرة حماس في قطاع غزة، و”إسرائيل” من جانبها ستستمر في التواجد الأمني المكثف في الضفة الغربية مع الاستمرار في توسيع مشروع الاستيطان اليهودي في المنطقة والامتناع عن اتخاذ القرارات الاستراتيجية الحاسمة المطلوبة، وكذلك الامتناع عن التوصل إلى اتفاق للحل الدائم، واستمرار هذا الوضع على المديين، القريب والمتوسط، يثير احتمالات تجدد العنف من جانب الساحة الفلسطينية، وخاصة اندلاع مقاومة شعبية واسعة النطاق في الضفة الغربية، أو حتى تجدد المواجهة، وفي هذا السياق هناك احتمال أيضاً أن يعلن الفلسطينيون بشكل أحادي الجانب عن استقلالهم السياسي، الأمر الذي يمكن أن يضع “إسرائيل” في ورطة عميقة على الساحة السياسية والدبلوماسية مع المجتمع الدولي، وفي حالة صدامات حتى مع السلطة الفلسطينية.

المقال الثاني المعنون ب ” الجيش “الإسرائيلي” في الانتفاضة الثانية: نتائج وعبر” يقر أن الجيش “الإسرائيلي” مع اندلاع الانتفاضة في أيلول/ سبتمبر عام 2000 لم يكن مستعداً للمواجهة على الساحتين الإعلامية والسياسية، وفي إطار الإشارة إلى الفشل السياسي الذي تجنيه إسرائيل دائماً بعد كل عدوان يوصي كاتب المقال بأنه :على رئيس هيئة الأركان أن يفهم السياسة (وإن لم يكن عليه العمل بها)، ويجب عليه مع بقية الضباط في رئاسة الأركان، أن يعطوا رأيهم بالمغزى السياسي لأي عملية عسكرية، من هذا النوع أو ذاك، وهم يقومون بعرضها، فالافتراض القائل بأن النظام السياسي المدني قادر على تصحيح إخفاقات الجيش ليس افتراضاً صحيحاً.

مقال آخر بعنوان “مسيرة التسوية والعقدة الثلاثية المستعصية “إسرائيل” والساحة الفلسطينية المنقسمة” ترى مؤلفته فيه أن الانقسام في الساحة الفلسطينية ليس سبباً في الجمود السياسي، بل على العكس، فالجمود السياسي هو من شجع الساحة الفلسطينية على البحث عن بديل فكري واستراتيجي للحوار الذي فشل، وأثار بذلك خصومة بين المعسكرات المختلفة، وهي تعترف بأن الصراع المباشر ضد حماس لم يُفلح في تقويض سيطرتها على غزة بل زاده قوة، ولاسيما بعد عدوان”الرصاص المسكوب”.

في المقال التالي المعنون ب”متى انتهت الانتفاضة الثانية؟” يقول المؤلف إنه رغم التوقف النسبي للعمليات الاستشهادية التي شكلت ميزة  لانتفاضة الأقصى فإن الصراع الأساسي لا يزال على ما هو عليه، ومايزال كل من حماس والجهاد الإسلامي، وتنظيمات أخرى، يعارضون التوقيع على اتفاق سلام مع “إسرائيل”، ولا يوجد سبب جدي يدفع للاعتقاد بأن “العمليات” لم تعد مصدر تهديد أو أن التطورات التكتيكية التي دفعت إلى استخدام هجمات الصواريخ قد انتهت، وعلى الرغم من أنه لم تحدث “عمليات” خلال عام 2009، فإن المقاومة تستمر في تخصيص مواردها المالية في شراء صواريخ ذات مديات أبعد وأبعد، وذلك بهدف إدخال المدن الرئيسية في “إسرائيل” في دائرة تهديداتها، ولقد كانت “العمليات”، من دون أدنى شك، تكتيكياً ناجعاً ورمزاً لانتفاضة الأقصى، إلا أنها لا تشكل عاملاً ضرورياً للانتفاضة الثالثة المتوقعة، فأية مقاومة جديدة ستكون لها خصائص مختلفة مثل الاستخدام الواسع للصواريخ.

مقال آخر حمل عنوان “أثر الانتفاضة على الرأي العام “الإسرائيلي”” يعترف بأن الانتفاضة أحدثت تغييرات في الرأي العام “الإسرائيلي” في زمن حدوثها، إلا إن الأحداث الأمنية التي حدثت بعد ذلك (عدوان تموز على لبنان وعدوان “الرصاص المسكوب”) قد خففت من ذلك، وتدل المعطيات على أنه من غير الممكن تحديد أثر مديد للانتفاضة عديم التأثير على الرأي العام، فقد أدت أحداث الانتفاضة إلى تقليل الإحساس بالأمن لدى الجمهور”الإسرائيلي”.

المقال التالي المعنون ب”صراع “إسرائيل” ضد الانتفاضة: رؤية نقدية” يقول إن محاولات ممارسة الضغوط الشديدة على الفلسطينيين، حتى يمارسوا بدورهم الضغوط على المقاومة لوقف المواجهة، فشلت هي الأخرى، وأدى ذلك فقط إلى ازدياد مشاعر النقمة وازدياد تلاحم السكان مع النضال، ومع غياب الأفق السياسي ازداد وانتشر في أوساط الشعب الفلسطيني الإدراك بأنه “لا يوجد ما يمكن أن يخسروه”،الأمر الذي انعكس على ازدياد الاستعداد للتضحية والمشاركة في العمليات الفدائية الاستشادية كعنصر التوازن الوحيد مقابل القوة العسكرية “الإسرائيلية”، فالعمليات العسكرية المتواصلة التي قام بها الجيش “الإسرائيلي”، إضافة إلى الضغوطات التي مورست على الجانب الفلسطيني، لم توقف السكان الفلسطينيين ولا قادة الانتفاضة المسلحة، وقد تجسد في صلب ذلك الإحساس الراسخ بأن “إسرائيل” هي الطرف والجانب الرئيسي الذي يقف وراء المعاناة منذ بدء الاحتلال(وليست السلطة أو منفذي “العمليات” والمقاومين).

“العقد المؤثر” هو عنوان المقال الذي يشير إلى تحديين وجوديين يواجهان الكيان”الإسرائيلي” ،التحدي الأول هو تقويض وسحب الأساس الأخلاقي- القانوني لـ”إسرائيل”، وصحيح أنه يجب التمييز بين النقد، رغم أنه في بعض الحالات لا يميِّز بين “إسرائيل” وبين عملية أو سياسة اعتمدت من قبلها، وبين التشكيك بمبررات وجود “إسرائيل” ذاتها، ويشكل “مؤتمر ديربن” مثالاً بارزاً على ذلك، إلا إنه لم يكن الوحيد، فقد انتشرت في الصحف العالمية مقالات تدعوا إلى مقاطعة المنتجات “الإسرائيلية”، وحتى المصدّرة من داخل “إسرائيل” قبل 1967، وقد اتسعت هذه المعركة بشكل واضح في العقد الأول للقرن الحادي والعشرين، أما التحدي الثاني، الذي تعاظمت قوته في هذا العقد، فهو قدرات ونفوذ إيران في المنطقة.

يبدو أن الانتفاضة، من حيث هي ثقافة وممارسة فلسطينية بامتياز، قد أحدثت الكثير من النتائج الطيبة والانجازات في سياق الصراع الطويل مع الكيان “الإسرائيلي” الذي مازال يناقش مفاعيلها وتأثيراتها عليه، في قلق واضح لدى المراقبين فيه من اندلاع جولة ثالثة منها بأدوات أكثر خبرة وتطور من السابق وبما ينسجم مع التطورات والتعقيدات الميدانية، ولاسيما بعد الفشل الذريع الذي أصيبت به عملية التسوية والحصار الوحشي لقطاع غزة وغيره من الممارسات “الإسرائيلية” العدوانية اليومية كالتغول الاستيطاني السرطاني في الضفة الغربية وهدم المنازل والاستمرار في محاولة تهويد القدس.

* كاتب وصحفي فلسطيني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق