ثقافة السرد

في ذيل المرسوم

م. محمد حسن فقيه*

نفث أبو سعيد دخان (سيجارته) مع آهة عميقة كأنها حشرجة انطلقت من أعماقه ، وانتشر الدخان الأبيض الكثيف من فمه وأنفه وهو ينتشر ببطء ويتصاعد للأعلى ملتويا ببطء  كأفغى دبت فيها الحركة بعد سبات طويل ، لكن بصره ما زال ثابتا ومصوبا أمامه إلى بقعة غير محددة وهوشارد الذهن  ساهم النظرات ، وقد بدا من نظراته وتعابير وجهه وقسماته ، كأن همّا ثقيلا قد أطبق عليه أو معضلة شديدة ألمت به ،وازدحمت في رأسه الأفكار والخواطر، وطاف في ذهنه أكثر من سؤال…

هل يذهب إلى رشيد أفندي ويطلب منه ذلك المبلغ كما أشار عليه البعض حتى يتسنى له متابعة مسيرة كدّه في الحياة ، لتحصيل لقمة العيش لأسرته وأسرة أخيه الذي غيّب من سنوات طوال في سجن لا يعرف أحد اسمه ولا موقعه ، ولسبب لا يعرفه ولم يبلغهم أحد عنه شيئا حتى هذا اليوم .

لكنه لم ينس حتى هذا اليوم كلمات أولئك العتاة الغلاظ الجلف ، أصحاب الرؤوس الممسوحة ، بلهجتهم المميزة بين سائر أبناء وطنه ، يوم أن سحبوه من البيت قبيل صلاة الفجر حافيا بلباس النوم ، وهم يضربونه بحقد ولؤم  بأعقاب البنادق عدا السب والشتم القبيح من سيء الألفاظ ، أتريد أن تعمل في السياسة ضد الحكومة ؟ وتتجرأ على سادتنا وحكامنا في مجالسك ، وتتطاول على اليد التي امتدت لتعليمكم ، وجعلت من نفسها جسرا تعبرون عليه ؟ ألا يكفيكم أن الحكومة قد صنعت منكم مدرسين وتغدق عليكم بالرواتب والأموال أيها  العملاء …..  المخربون يا أولاد ال…… .

إذن لم يشارك بعد بأعمال السياسة ؟  إنهم يتوقعون مشاركته ، فلعل أحدا من أصدقائه أو زملائه أو اسما قريب الشبه من اسمه يعمل في السياسة ؟ أو قد يكون خطأ مطبعيا من العين الحصيفة التي نسجت التقرير.

إنه يعرف تماما ما معنى المخربون ، في قاموس أولئك الذين ساقوه مكبلا أمامهم ، رغم ما تعنيه هذه الكلمة لدى المواطنين ، من العزة وصرخة الحق ، والتمرد على الظلم والفساد ونظام الفئوية والطائفية والعنصرية ، وسياسة الحكم الشمولي المستبد ، تحت يافطة الحاكم الملهم ، والحزب الأوحد .

لكنه ومع مضي عشر سنوات على ذلك الحدث المشؤوم ، المحفور في أعماق تلافيف دماغه ، فإن أحدا لم يبلغهم بجريمته السياسية ، بتهمته أو محاكمته ، أو حتى مكان سجنه ، والويل الويل لمن يسأل عنه أويستفسر عن أحواله ، أو يبدي بأنه يعرفه.

عفس السيجارة بعنف وعصبية على الجدار أمامه ، فتركت بقعة سوداء فوق الدهان الأبيض ، وانتثرت محتوياتها من التبغ على الأرض .

لقد كانت أمورنا وأحوالنا مستورة بما أشقى به على هذه السيارة العتيدة .

ما عسى أن يكون موقفي لو ذهبت إلى رشيد زفت …  وطلبت منه قرضا  فرفض طلبي ، إن باطن الأرض خير لي من ظاهرها ….. حتى لورحّب بي وأعطاني ما طلبته شامتا ! ومن ثم كيف سأفيه ذلك الدين الذي سيغل به عنقي ، ويحعلني أكره حياتي كلما التقيت به ، وأنا غير قادر على إيفائه ودفعه له.

إن الدخل من عمل السيارة بالكاد يكفي معيشتهم ، وصيانة السيارة التي شاخت ونافست في عمرها عمر السلاحف وأصبح (موديلها) مرغوبا به في البلدان المتقدمة لتحفل بها معارض السيارات القديمة ، والمتاحف ، ومؤسسات السينما لتستخدمها عند تمثيل أفلام من الحرب العالمية الثانية  ….. أو الأولى !.

لو أنه سمع كلمات جاره أبو عبدو وباعها الشهر الماضي بخمسمائة الف بالتمام والكمال ، وأما اليوم وبعد أن أصدرت الدولة مرسومها الأميري فإنها لا تساوي ربع أوخمس ذلك المبلغ.

ها هي مرمية أمام الباب ككومة من حديد يعبث بها أطفاله مع أولاد أخيه وأبناء جيرانه ، بعد أن يئست جميع المحاولات لصيانتها . وأصبح لا بدّ من عملية إصلاح كامل لمحركها من تنزيل وخراطة وتوضيب ، واستبدال الكثير من قطعها والتي يمكن أن تكلفه أربعين الفا وربما يصل المبلغ إلى خمسين أوستين ألفا ، ومن أين له هذا المبلغ ….. يا حسرة !

رفع يديه إلى السماء : يا رب منك الفرج وعليك التكلان .. … حتام يبقى هذا الأمر؟ .

هوّن عليك يا أبا سعيد ….. تذكر حينها اسم ولده الأكبر ، حين خاطب نفسه ، لماذا سماه سعيدا ، والثانية تيسيرا ، والثالث سهلا ، لقد كان يحلم بحياة هانئة سعيدة ، سهلة وميسورة لأهله وأولاده ، لا تكدّرها مشاكل ومخاطر، ولا تعتورها معضلات ومنغصات .

كان يأمل أن يبني لهم فيلا ، أو عمارة شامخة في وسط البلد ، وأن يشتري لكل واحد منهم بعد أن يكبر سيارة خاصة به ، ويدرسهم في الجامعات ، ثم يرسلهم للتخصص والدراسات العليا في أرقى الجامعات العالمية ، ويزوجهم من أرفع بنات الذوات في البلد ، ويفتح لهم المستشفيات ، وشركات البناء والمقاولات …….. لكنه اليوم يفكر بقوت يومهم .

لقد كان من وجهاء البلد مقاما وقدرا ، وكان  أخوه المغيّب في السجن منافسا وندا كبيرا لرشيد أفندي ، في انتخابات مجلس النواب ، ولولا أن رشيد ابن حكومة واستخدمت معه وسائلها المعروفة من الدعم والتأييد ، وغير ذلك من أساليب التزييف والتزوير كما استخدمت مع غيره من صنائعها لما نجح أمامه وتفوق عليه أبدا .

لقد غدرت به الظروف ، وخانته أحداث الأيام والسنون ، وآلت به الأحوال ليفكربالإستدانة من رشيد بك….. يا لها من شماتة حتى لو وافق وعرض علي الأموال ، إنه رجل خال من الإحساس وتقدير المشاعر ، إنه يتنزى حقدا وشماتة .

ألم يعرض عليه من أيام شراءها بخمسين ألفا ، ليفرج عنه كربته ويحل أزمته ، ويفك عسرته ؟ يا له من رجل منصف !.

إنه ينفق أكثر من هذا المبلغ في سهرة قمار واحدة ، أوحفلة رقص وشراب لشلته الساقطة .

وسبح أبو سعيد بنظراته في الأفق البعيد ……

لكأني بالذين يحبون الخير للأمة وقلوبهم على الناس ، تقصر أيديهم عن فعل الخير، والذين تطول أيديهم بالأموال والأملاك والأطيان ، ينفقونها ويبذرونها في الترف والفساد إلا من رحم ربي ….. .

لو أنعم الله على أصحاب الأيدي القصيرة ، من أمثال أبي خليل وغيره ، هل يجودون يا ترى ؟ أم تراهم يتكلمون عن الجود لأنهم لا يملكون ! .

استغفرك يارب وأتوب إليك…. لقد شطن بي الخيال وشطح بعيدا وتأولت على الغيب .

انتفض مذعورا وهو يضرب الأرض بقبضته المتكورة بعصبية : لا هذا مستحيل …… سأتركها كومة حديد ، قطعة أثرية ، ذكرى مرّة …… سأشعل بها النيران …. سأجعل منها قنّا للدجاج ، ولن أطلب منه أو أبعث إليه ، أو أرضى أن أستدين منه ، ولو أتى بنفسه إلي وقدم لي المبلغ الذي أريد .

نهض أبو سعيد وخرج من المنزل هائما على وجهه ،عله يروّح عن نفسه قليلا ويزيح عن نفسه ذلك الكابوس الثقيل الذي أطبق على صدره .

وغير بعيدا عن بيته في الشارع الذي أمامه ، التقى وجها لوجه بأبي خليل والذي طاف شخصه من لحظات قليلة في خياله ، قاصدا التوجه إليه ، فبادره مسرعا قبل أن يلقي التحية : أبشر يا أبا سعيد لقد قلت لك أكثر من مرة لا بد من الفرج بعد الشدة .

أجاب أبو سعيد ببرود صنعه اليأس الذي تغلغل إلى أعماقه ، وهو ينظر بعينين ذابلتين ، وفؤاد منكسر، ويتكلم بسخرية : وهل وجدت لي عملا مناسبا في المدينة يا أبا خليل؟

– لا.

– وبم تبشرني إذن ؟

– بإمكانك أن تعود إلى عملك وسيارتك …. أو تفكر في عمل آخر غير هذه السيارة العتيدة .

– وكيف ستتم هذه المعجزة يا أبا خليل بعد أن صدر المرسوم الأميري والقاضي بعدم بيع أوشراء أي سيارة إلا عن طريق الحكومة ، فتشتري الحكومة منا السيارة بخمسين ألفا ، وتبيعها لنا بعد ذلك بخمسمائة الف ، بعد تحميل المواطن ضرائب الجمارك ..  والمبيعات والترفيه  و…  .

– ولكن لكل مشكلة حل … ولكل عقدة حلال ، وفوق كل مكار من هوأمكر منه  وأدهى ! .

– دعني من المكر وأتحفني بهذا الحل الذي أتيت به يا أبا خليل.

– إن الحل يأتي في ذيل المرسوم الأميري .

– كيف ؟ إني لا أفهمك .

لقد ذكرت المرسوم الأميري وتركت ذيله .

– وبماذا ينفعني ذيله مادام رأسه قد ذبحني .

– بل في ذيله الفرج والخلاص حين يتحول ألى أنشوطة تلتف حول عنق المرسوم ، وتجذب رأسه للخلف لتمنعه من ذبحك وذبح غيرك .

– اعذرني لقد أصبح فهمي ثقيلا ، فأفصح بما عندك وأرح ضميري وكفاك كلاما بالألغاز.

أمرك يا أبا سعيد …. ثم أردف : لقد ذهبت إلى أحد أقاربي والذي يعمل مستشارا قانونيا في المدينة ، قاطعه أبو سعيد مستعجلا : لعلك تريد أن تبحث لي عن عمل ….. سكرتير أو فراش ؟ أقدم الشاي للزبائن والضيوف ، قلها يا أبا خليل …. لا تخجل .

– جمالك يا أبا سعيد إصبر وتجمل قليلا .

–  وإلا….  فلم ذهبت إليه ؟

– لأستدين لك المبلغ المطلوب منه على عهدتي وأقدمه لك .

وقبل أن يسأل أبوسعيد مرة أخرى سرح أبوسعيد ، لا شك أنه رفض إقراضه المبلغ ، ولم يقدم قريبه هذا المبلغ لشخص لا يعرفه ولم يره ، وعرض عليه حل القضية فيضرب عصفورين بحجر واحد ، فيرضي أبا خليل دون تقديمه المبلغ ، وفوق هذا ينال أتعابه من القضية بعد ذلك ، ثم نظر إلى أبي خليل قائلا : وبالطبع اعتذر لك عن إقراض هذا المبلغ الكبير لشخص لا يعرفه ولم يسمع به من قبل.

– قلت لك حلمك يا أبا سعيد …. حسن الظن في الناس ، ما زال في هذه الدنيا خير كثير … وها هو المبلغ في جيبي  حتى لا تقاطعني مرة أخرى .

انتفض أبو سعيد من دهشته ، كأنما أعطي جرعة منشطة ، وهو في ذهول يكاد لا يصدق ما يسمع ، فصاح : هل أعطاك خمسين ألفا ؟.

– لا بل ستين ألفا يا أبا سعيد وإن شئت خذ المبلغ حالا ، لكنه ليس الحل الذي أرجوه لك ، فأنا لا أريدك أن تعود إلى هذه السيارة العتيدة مرة أخرى ، وتعود إليك مشاكلها وهمومها .

تغيرت عندها حالة أبي سعيد ولهجته ، وتحولت تعابيروجهه وقسماته من العسر إلى اليسر، فانشرحت أساريره ، وانحلت عقدته ، وانبسط جبينه المتغضن ، وبرقت عيناه بأمل وفرح كبيرين ارتسما في ناظريه ، ثم اتجه إلى أبي خليل قائلا : وهل هناك خيرا من هذا الحل يا أبا خليل ؟

– نعم إن شئت .

– إن شئت أنا ؟

– نعم أنت .

– وكيف ذلك ؟ .

– باستخدام ذيل المرسوم .

– ها قد عدنا مرة ثانية إلى ذيل المرسوم … وماذا في ذيل المرسوم غير الأوهام والظنون ؟ .

– لا إنها ليست ظنونا وأوهاما ، بل هي حقائق عندما يتحول ذيله إلى سهم صائب نحو رأسه  .

– وكيف يكون هذا بالله عليك ؟

– إن المرسوم قد ذيل بملاحظة ، وقبل أن يذكرها أبو خليل ، قاطعه أبو سعيد وهو يرددها عن ظهر قلب ( يجوز التنازل عن ملكية السيارة للأخ أوالزوج مباشرة دون وساطة  الحكومة ..) أليس هذا ذيل المرسوم يا ابا خليل ؟

– نعم إنه هو.

فأين السهم الصائب إذن بالله عليك ، هل تريدني أن أتنازل عن السيارة لأم سعيد ؟ … أم لأخي ؟ حتى تضع الحكومة يدها على السيارة وتسرقها بلا مقابل ، كما نهبت أمثالها من قبل باعتبارها أملاكا لمعارض سياسي ، هل هذا هو الفرج يا أبا خليل ؟ .

– لا ليس هذا ما أريد يا أبا سعيد .

– إذن أين السهم الصائب ؟ أين الأنشوطة الملتوية ؟

–  وماذا يعنيك ، السهم أم الإصابة ؟ الأنشوطة أم النتيجة ؟ العنب أم قتال الناطور ؟

– عدت للكلام معي بالألغاز مرة ثانية ، بل أريد الإصابة ..العنب …. النتيجة .

– إذن أرح نفسك من هذه التساؤلات ، ودع الأمر لأصحاب الإختصاص من المحامين والإستشاريين ، ليفكروا وينقبوا حتى يخرجوا الأفعى من خرم الإبرة ! .

– أمرك يا أبا خليل ، وما المطلوب مني الآن رغم أني لا أثق كثيرا في كل أعمال أولئك المحامين ، والمكاتب والمستشارين .

– إسمع كلام الفصل يا أبا سعيد : أنت حر في استلام المبلغ والذي يكفيك لصيانة السيارة وإصلاحها لتعود للعمل عليها والمبلغ يعتبر دينا مني تسددني إياه على ٌأقساط تقترحها أنت حسب ما يناسبك …. وعلى قدر استطاعتك  أو ….

– أو ماذا بعد هذا المعروف الذي لن أنساه لك طيلة حياتي يا أبا خليل .

أوتبيع السيارة بثلاثمائة ألف ، تستلم منها مائتي الف بعد كتابة العقد مباشرة ، وتستلم باقي المبلغ بعد شهرين ، وما نقص من ثمنها الحقيقي سيوزع بين مصاريف المكتب وأتعاب المحامين من جهة ، وبين إصلاحها ليعود محركها سليما من جهة أخرى .

كانت دهشة أبا سعيد كبيرة لا تصدق ، لو كان طفلا صغيرا لجرى بين الشوارع والحقول ، وتحول إلى بهلوان يقفز في الهواء وصاح بأعلى صوته ليعبر عن فرحته ، لصعد إلى أعلى تلة في القرية وصرخ من قحف رأسه ، ثم ضحك ملء شدقيه  ليسقط على الأرض ثم ليتقلب فوقها ويتدحرج ، لو اطمأنت نفسه وركن قلبه إلى كلام أبي خليل ، لقفز وقبل أبا خليل بين عينيه ، ورفعه فوق رأسه وطاف به في الشوارع والطرقات .

لكنه ومع كل هذا وقف مذهولا مندهشا … يكاد لا يصدق ما يسمع ، وبسرعة البرق جال في رأسه ، إني لا أشك في أبي خليل قيد أنملة …. لكن لعله من ضمن اللعبة معي ، حسنا سنتابع الأمرحتى تظهر حقيقة الأمور.

وبسرعة دار في خلده التحرر من أتعاب هذه السيارة وهمومها ، وهجمت الأفكار والخواطر على رأسه للبحث عن فكرة مجدية أو مشروع بديل .

سرح خياله يقلب فكرة مشروع مزرعة للبطاطا … لا  إنها غير مناسبة ، لقد تركها المزارعون مدفونة في أرضها بعد أن فرضت الدولة سعرا لها لا يوازي  أجور جمعها ونقلها …  إذن مزارع القمح …. لابأس القمح مادة أساسية ومرتكز اقتصادي ، لكن الحكومة قد تلاحقنا بالمحصول ، إني لم أنس بعد حديث صديقي أبي سليم ذلك التاجر الكبير، حين أسر لي عن صفقة أحد المتنفذين والمدعومين  بقمح البلد ، يوم أن جمعه من المزارع المنهك بسعر خمس بنسات للكيلو الواحد ، ثم قام بتصديره إلى خارج الدولة بخمس وخمسين بنسا فقط بالتمام والكمال ، وأما البنسات الخمس التي دفعها للمزارعين فقد استردها بفارق لعبة خفض العملة لما يعادل خمسة وخمسين بنسا للدولار عند الشراء من المزارعين ، ثم قام برفع قيمة صرف العملة المحلية إلى ما يعادل خمسين بنسا للدولار عند البيع ، ويحول ربحه الصافي والذي هو كامل ثمن المحصول حقيقة إلى رصيده وشركائه المستورين إلى بنوك سويسرا ، فيا له من تاجر حاذق ، ومتمرس في سرقة أموال الشعب ونهب قوته .

لا…. لا.. أيضا  هذا المشروع غير مجد ، إذن هل أقوم بعمل مزارع للخضار، وأشيد بيوتا بلاستيكية للخضروات في الشتاء … وأحفر بئرا ارتوازيا  ، لعله يكون مجديا  ؟

– هيه .. ماذا حدث لك ؟ أين شردت ؟ لعلك لم تصدقني بعد ؟

– لقد كنت أفكر بمشروع بديل ، في المزارع وحقول القمح ، والآبار الإرتوازية وقنوات الري .

– يعني أنك موافق على البيع يا أبا سعيد ؟

– إن كان كما ذكرت .

ضمه أبو خليل يقبله وهو يقول هذا ما أرجوه لك ، وهل أريد لك إلا الخير ، لعل الخير والبركة ستعمك من حسنات أولاده .

لاحظ أبو خليل تغير سحنة أبي سعيد ، فاستدرك سوف يخرج بإذن الله قريبا ، لا تقلق يا أبا سعيد، سيعود بإذن الله سالما غانما مرفوع الرأس ، إن الظلم لا يدوم ولو دام لدمر البلاد والعباد ، وفنيت الدنيا منذ زمن بعيد ، ومهما طال ليل الظلم فإن بشائر الفجر سوف تلوح وتنبثق ، وتبدد حلكة الظلام مهما طالت خيوطها ، واشتدت خطوبها ، واستحكمت حلقاتها .

( وما الله بغافل عما يعمل الظالمون)

كانت دمعتان سخيتان قد تحدرتا من مؤقي أبي سعيد ، مسحهما أبو خليل بباطن كفيه ، ثم ضمه إليه ومضى به إلى البيت.

– لعل في الأمر شبهة أو شيئا من هذا يا أبا خليل ؟

شبهة ؟ ! أين هي ؟ ! إذا كان الأمر برضا البائع والمشتري وبحسب القانون الجائر والمعتمد في الدولة فأين المشكلة ؟

ومن ثم لا تنس يا أبا سعيد إن الدولة التي تحتال لتسرق مواطنيها جهارا نهارا لا يبكى عليها ، ولا يؤبه لها إذا استعاد المواطن حقه المسلوب بالمكر والدهاء! ، وبحسب قانونها الوضعي الظالم ! .

وفي نفس المجلس اتفقا على السفر إلى المستشارالقانوني يوم الغد ، إذ تم بعدها تحديد موعد مع المكتب العقاري بعد أسبوع لترتيب الإجراءات .

وبعد اسبوع ، وفي المكتب العقاري ، وضع المحامي مجموعة من الأوراق أمام أبي سعيد وهو يقول : عليك يا أبا سعيد توقيع هذه الأوراق .. عقود ، بيع ، تنازل ، زواج ، طلاق ..! !.

انتفض أبو سعيد ماذا تقول ؟ زواج !؟ طلاق ! ؟ .

استلم أبوخليل ناصية الحديث  وهو يغمز جهة مدير المكتب ، في حين كان مدير المكتب ومن حوله ينظرون باستغراب أكثر نحو الموقف ، كأن الرجل غريب عما يحدث بينهم ، ماذا تريدون من أبي سعيد أن يتنازل لكم عن السيارة ؟ أن يبيعها ؟ أو يطلقها ؟ لا فرق عندنا ، الأمر سيان ولكن إياكم أن تأتوا بسيرة أم سعيد وهذا المزح الثقيل مرة أخرى .

لاحظ مدير المكتب ما رمى إليه أبوخليل وفهم مراده ، فقال : هل أتى أحد بسيرة أم سعيد ؟ أو ذكر اسمها ؟ ومن أدخل ذكر النساء بين السيارات ؟ ! .

بعد ذلك وقع أبو سعيد ثلاث أوراق شغلته رزم الفلوس المكومة بجانبها عن التدقيق فيها ،  ظنها جميعا أوراق عقود البيع والتنازل عن ملكية السيارة ، واستلم المائتي الف ، ليستلم باقي المبلغ بعد شهرين من تاريخ البيع .

بينما كانت حقيقة الأوراق الثلاثة ، الأولى منها عقد زواج على أنثى تسمى لينا أزرق ، كانت تجلس جانب مدير المكتب العقاري، وهي تلف ساقا على أخرى وتدخن سيجارة أجنبية طويلة .

بينما كانت الورقة الثانية تنازلا منه عن السيارة لزوجته الجديدة ، سالفة الذكر .

في حين كانت الورقة الثالثة ورقة طلاق لتلك التي أصبحت زوجته لدقائق ، دون علمه بذلك .

أما قضية تحديد التاريخ فهذه قضية خاصة بالمكتب يرتبها بحسب الحاجة ، وشرط عدم مخالفة الأنظمة والقوانين .

ومضى أبو سعيد مع أبي خليل إلى البلدة ، وهما في غاية الإنشراح والحبور ، وفي رأس أبي سعيد ألف ألف مشروع .

وبعد ذلك تمت بقية الإجراءات في المكتب ، من زواج صوري جديد لمشتر راغب بالسيارة على الزوجة الوسيلة السالفة الذكر، ثم تم التنازل منها للزوج الجديد ، ومن ثم طلاقها منه لتنتقل السيارة بعد هذه الدورة الطويلة من بائع حقيقي إلى مشتر حقيقي آخر، ويستلم بعدها أبو سعيد بقية المبلغ ، ويستلم الجميع أتعابهم ، وتتم اللعبة بمكر ودهاء ، ثم يستعدوا لحبك لعبة جديدة  أخرى .

*كاتب من سورية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق