ثقافة المقال

هم الكتابة العلمية في المؤتمر السنوي التاسع لمجمع اللغة العربية بدمشق

بقلم: د. ماجدة حمود *

انعقد المؤتمر السنوي التاسع لمجمع اللغة العربية بدمشق (27 تشرين الثاني_ 1 كانون الأول) ليناقش هم الكتابة العلمية باللغة العربية! وقد حاول المجمع في مؤتمره أن يبتعد عن لغة التنظير، ليناقش إحدى الأزمات التي نعيشها، لعله يسهم إلى جانب هيئات أخرى في حلّها! لهذا لابد أن نشكر الهيئة المنظمة لهذا المؤتمر، الذي ناقش أزمة تؤرقنا، بعيدا عن اللغة الانفعالية، وليردّ على أولئك الذين يشككون في صلاحية اللغة العربية في تدريس العلوم الحديثة وتأليف الكتب العلمية بها. لقد بذل الجميع، باحثون ومنظمون، الجهد لإنجاح المؤتمر، لهذا أثار في داخلي بعض الأفكار التي تحتاج إلى حوار، أرى من المناسب أن أطرحها بصيغة أسئلة…. أ ليس تخلفنا في مجال العلم ينعكس على لغتنا العربية؟! ألم تستوعب العلوم حين كنا أمة متقدمة، وتستقطب علماء العالم، ليكتبوا بها علومهم وأفكارهم؟ أ ليست اللغة مرآة تعكس حالة أمتها؟

إننا حين نصبح عالة على الآخرين في مجالات المعرفة المختلفة، فلا نسهم بعملية التطور الحضاري، أ لا يعني ذلك أن لغتنا عاجزة عن أن تكون ندا للغات أخرى!!؟ فهي تابعة مثلما هم أبناؤها!

لكن أ ليست مصيبتنا في هؤلاء الذين يتخذون قرارات بإلغاء التدريس باللغة العربية، فقد وجدنا الكثير من البلاد العربية لا تكتفي بالأخذ من الآخر الغربي علومه، بل تستخدم لغته في تعليمها! لتعلن عن هزيمتها الحضارية أمامه، وتؤسس لعجزها عن الابتكار في مجال العلوم التطبيقية والإنسانية! فقد سمعنا كثير من المحاضرين يرددون هذا التساؤل: كيف يمكن لأجيالنا الجديدة أن تسهم في تطوّر العلوم، وهي لا تدرسه بلغتها؟ وقد بيّنوا لنا أن جميع الأمم الحية تستخدم لغتها القومية في تعليم أبنائها العلوم إلا العرب! قد تعدّ سوريا استثناء في تعريب العلوم وتدريسها في جميع مراحل التعليم، ولكن هل الجامعات الخاصة، التي بدأت تنتشر فيها، تتبع هذه المأثرة في التعليم؟ أ ليس القرار الذي يتخذ بإلغاء اللغة العربية هو إعلان بمسخ الشخصية العربية، وجعلها تابعة للآخر، لتبدو مقلدة له، تكرر ما يقول وما يفعل دون تفكّر أو إبداع!

يلاحظ أن إهمال اللغة العربية في التعليم سينعكس سلبا على تأليف الكتب العلمية، وترجمتها (ثمة إحصاء أصدرته المنظمة العامة للثقافة والتربية والعلوم يبيّن أن نسبة الكتب العلمية المترجمة 14%  من بقية المترجمات) ونحن أمة مقصرة بالترجمة بشكل عام (لا تتجاوز ما تترجمه البلدان العربية مجتمعة 5% مما تترجمه دولة مثل إسبانيا)

إذاً نحن مقصّرون عن مجاراة العصر عبر الترجمة والتأليف، مثلما نحن مقصّرون عن البحث في كنوز قدّمها الأجداد عبر تحقيق الكتب العلمية، إذ إن قلة من المحققين يفكرون في إحياء هذا النوع من الكتب! فقد تحول التحقيق إلى نوع من الاسترزاق دون أن يكون هناك وعي لأهمية ما يحقق، ودوره في دفع عجلة التطور إلى الأمام!!!

إن ما يحمد للمؤتمر أنه لم يسمح للنبرة السوداوية بالسيطرة علينا، فقد بيّن لنا العبقرية الاشتقاقية للغة العربية، وأن بإمكان العرب أن يجاروا معارف عصرهم ويبدعوا، شرط ألا يهملوا لغتهم! وأن يخلصوا لها الجهد، فيعملوا على تطوير أدوات تعليمها! بل وجدنا من يطرح طرحا جريئا (فقد دعا الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح رئيس مجمع اللغة العربية في الجزائر إلى أن تكون الفصيحة لغة حية في البيوت) لأن استخدامها في الحياة اليومية سينعكس بشكل إيجابي على استخدامها في مجال العلوم!

ولكن هذه الرؤية الناضجة للغة العربية وإمكاناتها هل تجد لها صدى لدى أهل الحل والعقد في البلاد العربية؟ حتى وجدنا اللغة الإنكليزية تكاد تكون اللغة الرسمية لبعض هذه الدول!!!!!!لهذا لن نستغرب أن تستخدمها بعض الوفود العربية في المحافل الدولية عوضا عن العربية!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

لهذا لن نستغرب تقصير هذه الدول في دعمها ماديا، ليشيع استخدامها لدى الأمم الأخرى!!؟ في حين نجد هذه الأمم تدعم لغتها ليتعلمها الآخرون، وتفتح مراكز لتعلمها، وتعلن عن مسابقات بلغتها، لتشجع الناس على إتقانها والتعرف على حضارتها، حتى إن سفاراتها تتحول إلى مراكز تنشر ثقافتها! من هنا لن نستغرب أن تكون معاناة العربية من أبنائها أكثر من أعدائها! أ لسنا بحاجة إلى ما فعلته فرنسا لحماية لغتها، حين أصدرت قانونا يعاقب أي مسؤول يتحدث بلغة غير لغته في الهيئات الدولية!

أتمنى ألا يفهم من كلامي هذا أنني أدعو إلى إهمال اللغة الأجنبية، لكن أدعو إلى التوازن، فلا يتمّ الاهتمام بها على حساب لغتنا الأم! ألا نضيّع على أنفسنا فرصة تطوير البحث العلمي، حين نتجاهل أهمية التعليم بالعربية؟ لهذا لن نستغرب ألا نجد بين جامعاتنا العربية الخمسمئة جامعة واحدة تنجز أبحاثا علمية هامة!!!!في حين نجد أعداءنا الصهاينة أخرجوا لغتهم من العدم، وجعلوها لغة لحياتهم اليومية ولبحوثهم العلمية! لهذا وجدنا جامعاتهم تحتل أرقى مراتب البحث العلمي بين الجامعات العالمية!

إن ما أثار إعجابي في هذا المؤتمر هو ما لمسته من شيوع لغة النقد الذاتي لدى الكثير من الباحثين، لهذا صرّح بعضهم بما يجول في دواخلنا من نقد (اللغويون يضيّقون الواسع) فهم لشدة خوفهم على لغتهم وضياع كيانها نجدهم يبالغون في التشدد، إذ يتخيلون أي تسهيل نطالب به هو دمار لكيانها وانقطاع عن كنوزها التي تركها الأجداد! وإن كنت أتمنى لو خصص المؤتمر وقتا أكبر للحوار!

أحسست وأنا أتابع المؤتمر أن العيب يكمن في ذواتنا لا في لغتنا، لهذا نحمّل لغتنا أعباء إحباطنا! ونقيّدها بضعفنا، فحين ينحرف هذا الإنسان عن قيم أصيلة تبني شخصيته، ويهمل كل ما يقوي إحساسه بهويته، ويقدّس ما يأتي به الآخر الغربي، لابد أن ينشئ جيلا لا علاقة له بالانتماء لأمته، فلا يعتزّ بلغتها، بل يراها عائقا بينه وبين لغة العلم! لهذا نجد أن أعداءنا أفلحوا في غزونا اليوم، في حين نجد شبابنا متلهفا على تعلم الإنكليزية أكثر من لغته! يبذل من أجلها كل غال ونفيس!

إذاً لابد أن نعترف بفشلنا في تربية جيل يعتز بلغته أي بهويته العربية، لهذا ضيّع قيم الانتماء والأصالة، ليكون ابنا لعصره، يواكب فيه مظاهر الحداثة، ويقلّد ما يفعله أبناء الغرب! هل يمكننا أن نلومه، ونحن ربيناه على ضرورة إتقان لغة العصر على حساب لغته الأم؟ هل يمكننا أن نلومه حين أهملنا لغتنا، فلم تعد لغة علم؟ هل يمكننا أن نلومه، ونحن من أهمل ردم الهوة بين لغة الحياة اليومية واللغة الفصيحة؟ كيف نفرض تعريب المصطلح، ثم نختلف في تعريبه بين بلد عربي وآخر؟ ثم هل الجميع يعمل على تعريب المصطلح! ألا نجد بيننا من يلح على ضرورة استخدام المصطلح الأجنبي! لقد تعددت السبل بيننا، ولم توحدنا الغاية النبيلة وهي خدمة لغتنا، وجعلها لغة حياة وعلم، لماذا نصغي إلى من يقول بعجز لغتنا عن استيعاب المصطلح الحديث؟ ألا يشكل هذا المصطلح 5% من اللغة العلمية، ثم ألا تعني النهضة باللغة العربية نهضة بالعلم نفسه وبمصطلحاته!

نحن اليوم أحوج ما نكون  إلى مواكبة لغة العلم! هل يحق لنا أن نحاصر المصطلحات التي شاع استخدامها (البنيوية، الأسلوبية…) وندعو إلى استخدام بديل عنها، أم أن الشيوع يغفر لها؟

إن التحدي المعرفي بات كبيرا، إذ  نكاد نجد في كل يوم عشرين مصطلحا علميا جديدا، لذلك باتت الحاجة إلى مرصد لغوي ملحة، يعرّب هذه المصطلحات، ويعرّف بها، ولكن هل تكفي الترجمة إلى العربية؟ هل تغني عن التأليف؟ أين الاهتمام بتأليف الكتاب الجامعي ومستواه العلمي واللغوي؟ أين الباحث الذي يجمع بين الاهتمام العلمي وهموم أمته؟ أين من يقدّر البحث العلمي، ويمنع نزيف العقول العربية؟ أين من يهتم بردم الهوة بين العامية والفصيحة، أ ليس هذا الاهتمام سينعكس بشكل إيجابي على لغة العلم!؟ لكن كيف يتمّ ذلك؟ ما سمات لغة الحياة اليومية؟

أ ليست هي لغة فصيحة نالها التسهيل وتخفيف بعض حروفها، لتمتلك حيوية الأداء؟ ثم هل هي لغة التدريس اليوم، مثلما كانت بالأمس؟!! هل نسمعها في اجتماعات المدارس والجامعات والهيئات الرسمية، خاصة الثقافية منها؟! كيف نردم الهوة بين العامية والفصيحة، ونحن نعاني الأمية؟ أ لم تكن الثقافة التي يتمتع بها الفرنسيون وراء اقتراب الفصيحة لديهم من العامية؟! هل نستغل أدوات الحديثة (الشابكة، الجوال…) لتقوية لغتنا وردم الهوة بينهما؟ ألا يلاحظ أن لغة التداول فيها العامية، حتى بات عصر العولمة مهتما باللهجات، فيتم تمكينها على حساب الفصيحة؟ حتى سمعنا أن بعض خطباء الجوامع يستخدمون العامية!!! هنا نطرح سؤالا مهما: هل مهمة ردم الهوة محصورة في مجامع اللغة العربية؟ أين دور التعليم؟ وأين دور الأعلام؟ هل نعمل فرادى وجماعات على إشاعة لغة وسطى على ألسنتنا!؟

إن ما نفتقده هو إحساس المثقف بأهمية اللغة العربية ليس بصفتها رابطا قوميا فحسب، بل لكونها تجسد تصوراته الذهنية وبالتالي إبداعه الفكري والعلمي! فتكون هذه اللغة  مقياسا لتطورنا ومواكبتنا لروح العصر! لهذا أرى أننا كلنا راع وكلنا مسؤول عن لغته!

إن ما يحمد لهذا المؤتمر أن توصياته كانت متوجهة لأولي الأمر، في الوزارات والهيئات الرسمية والخاصة (التربية، التعليم العالي، الثقافة، والإعلام، دور النشر…) التي تملك القدرة على تنفيذ هذه التوصيات، وإطلاقها من سجن الأدراج!

ومما يحمد  في هذه التوصيات أيضا، كما يحمد في الأوراق البحثية، عدم فصل الاهتمام بتمكين اللغة العربية عن الاهتمام بتمكين اللغة العلمية، إذ من يستطيع تصوّر الأمور في ذهنه يستطيع التعبير عنها!

إن ما نلحظه فيها أيضا هو الرغبة في الدخول إلى المستقبل على أساس العلم، والاطلاع إلى ما يجري في العالم من تطور، كي نشارك في الحضارة، التي كنا أبناء فاعلين فيها لا عالة عليها!

أخيرا لابد أن نعجب بتلك النبرة المنفتحة لدى بعض الباحثين في هذا المؤتمر، الذين أكدوا لنا أن اللغة العربية أوسع من معاجمها!

*أستاذة النقد المقارن في جامعة دمشق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق