ثقافة المقال

العقل العربي ومآلاته: إسلام العقل

الشيخ سيدي عبد الغني العمري الحسني*

إن العقل المجرد، عاجز عن معرفة الحقيقة من نفسه، وإن بالغ في فعل التفكر، بسبب أصله العدمي. والعقل الفني أقدر على إدراك هذا الأمر من العقل الفلسفي، لعدم إلفه تعمل نفسه كالثاني، ولانفساح الإدراك لديه بأكثر من الثاني؛ لكن هذا لا يعني إيمان العقل الفني حتما، كما هو معلوم. ولما جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى العرب، بادر إليه من كان سليم الفطرة قوي الاستعداد، كأبي بكر وخديجة وعلي رضي الله عنهم؛ وتأخر الباقون قليلا لقصورهم وانحجاب فِطَرهم، لسبب من الأسباب؛ كاعتبار العادات ورأي القوم وغير ذلك… وأما من أصر على الكفر، فإن الفطرة لديه كانت قد انطمست، وغلبت عليه الظلمة الأصلية، فزاد ظلمة على ظلمته، باعتبار أن الطبيعة عينها ظلمة ثانية.

والعقل لا يُسلم في الظاهر إلا لعقل أكمل منه، يستمد منه الهداية، ويتحقق منه ذلك يقينا، للمناسبة التي بين العقلين؛ وليس ذاك إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ثم يأتي الإسلام لله تبعا لذلك، بعد إخبار النبي عن ربه وشؤونه. كل هذا، لأن الله من حيث الذات مطلق، لا يُعقل منه إلا أنه لا يُدرك. ومن هنا كانت وساطة النبوة، لا غنى لأحد عنها؛ علم هذا من علمه، وجهله من جهله. وأما النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من جهة حقيقته)، فقد كانت له هذه الهيمنة على العقول، لأنه أصلها من حيث الوجود؛ فهو العقل الأول الذي له السبق في المرتبة، والذي تنبثق عنه كل العقول التي هي دونه. لكن هذا الأمر لا يعلمه إلا من كشف الله له ذلك؛ وأما من غير هذا الطريق، فلا يُدرك أبدا.

إن الفرق بين العقل المسلم والعقل الكافر، هو أن الأول علم أن مدده يأتيه من غيره (ربه)؛ والثاني انحجب بشهود نوره المجعول، فظن أنه من نفسه، فانقطع معها. وهذا يعني أن الحقيقة واحدة لدى العقلين، لكن هذا علمها، والآخر جهلها. والعلم والجهل هنا عائدان إلى القابلية التي هي فيهما غير مجعولة. وأقصى ما يمكن أن يقال عن القابليات، هي أنها كصور الشريط السينمائي، التي عندما تمر أمام المصدر الضوئي، تظهر مشاهد حية على شاشة العرض. نعني أن ما كان من الصور داكنا، منع ظهور النور على الشاشة؛ وما كان شفافا سمح بنفاذ النور من خلاله إليها؛ ليظهر كل تفصيل بحسب خصوصيته نتيجة لذلك. وهذا الذي نذكره، هو سبب انقسام الناس إلى مؤمن وكافر؛ وإلى ظهور التوجه الديني الذي يتعلق أصحابه بالله، إلى جانب التوجه الإنساني، الذي يكون الإنسان محور الوجود فيه عند أصحابه. وأما غير هذين التوجهين، فهي تفاصيل وفروع عن هذين الأصلين فحسب؛ مهما بلغت في تعددها وتشعبها.

والدين الموحى به، ليس على التحقيق إلا طريقا لارتقاء العقل في سلم الكمالات، ليعلم في كل مرحلة ما لم يكن يعلم؛ إلى أن يصل إلى العلم بالحقيقة كما هي في نفسها. وأما العقل الكافر، فرغم شعوره بالفراغ، ورغم سعيه إلى تحصيل العلم بالحقيقة من طريق تكسُّبه الفكري، فإنه لن يتمكن من ذلك أبدا. ولعدم علمه بحقيقة ما عليه المتدينون، فإنه سيسعى إلى تفسير أحوال أهل الدين، بحسب تصوره هو فحسب. وهذا المسلك قد أنتج جل نظريات المعرفة التي ظهرت في العالم، على اختلافها وتضادها.

ومن أغرب ما وصل إليه العقل الكافر في نظرية المعرفة، قوله بالنسبية المطلقة، التي تجعل كل عقل على حقيقة يراها هو كذلك، ويرى غيره سواها. وهذا وإن كان له مسوغ في الحقائق، إلا أنه لا يمكن أن يُقبل من حيث الفكر والمنطق؛ لأن القول بتعدد الحقائق، مع تعدد العقول، لا يمكن أن تنتج عنه معرفة مشتركة معيارية. وهذا يكون أقرب إلى السفسطة والقول بالعبثية، ويُنهي كل كلام عن العقل والمعقولات.

والقول أيضا بأن الحقيقة لا تُدرك، هو مناقض للعقل نفسه؛ لأنه لا مُدرَك للعقل إلا الحقيقة، وإن لم يعلم هو ذلك دائما!… وأما مسارعة بعض العقول إلى تقرير أن الحقيقة لا تُدرك أبدا، فهو للتغطية على جهلها فحسب. وهذا يلحق بالانحرافات النفسية، أكثر مما يدخل ضمن طرائق التفكير والتعقل. أما القول بأن الحقيقة مطلقة والعقل لا يُدرك المطلق، كما قررنا سابقا، فهو تعجل في الحكم، قبل تبيّن التفاصيل في أحوال المحكوم عليه، وأحوال الحاكم (العقل). وعلى كل حال، فهذه المسألة تعيدنا إلى حقيقة مبايَنة الدين للفلسفة، وتؤكدها.

وأما إرجاع الفلاسفة عدم العلم بالحقيقة، إلى نسبية العقل نفسه، فهو جهل بالعقل، وبنسبته إلى الحق. ونعني من هذا أن العقل يمكنه أن يبلغ مرتبة الإطلاق عن طريق الدين. وعندها يُعلم الإطلاق بالإطلاق، لا بغيره. وهذا الذي نقوله، يراه الفلاسفة محالا، بسبب قياسهم على أنفسهم، الذي لا يصح. فليس الفيلسوف أكمل العقول حتى يُحتكم إليه؛ وإنما هو عقل سائر في طريق التعقل، بحسب سعة عقل كل فيلسوف.

أما النبي، فهو عقل مطلق في صورة مقيدة. ولهذا يكون إخباره للناس من خارج دائرة العقل، والتي هي دائرة الوحي. ولو كان النبي غير مطلق، لما كان نبيا؛ بل كان واحدا من عوام الناس أو فيلسوفا. ولو كان أحدَ هذين، لانقطع الناس عن الحقيقة انقطاعا كليا، يدخل بنا في العبث. والله لم يخلق العالم عبثا، كما أخبر سبحانه: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115].

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق