ثقافة النثر والقصيد

حيزيّة: عاشقةٌ من رذاذ الواحات

قصيدة للشاعر الفلسطيني الكبير عز الدين المناصرة

أحْسِدُ الواحةَ الدمويَّةَ هذا المساءْ
أحسدُ الأصدقاءْ
أحسدُ المتفرّجَ والطاولاتِ العِتاق الإِماءْ
الأكفَّ التي صفّقت راعفة
القواريرَ أحسدُها
والخلاخيلَ ذاهبةً آيبةْ
أحسدُ العاصفة
في حنايا الفضاءْ
أحسدُ الخمرَ منسابةً، وعراجينها في ارتخاءْ
وابنُ قيطونَ، أحسدُهُ عاشقاً طافَ في زرعها
و (سَطيف): حقولُ الشعير، الأعالي،
ينابيعها
أحسدُ المُصحفَ الصَدَفيَّ الذي لامَسَتْهُ أصابعُها
(سيّدي خالدا): عَرَباً وخياماً ونخلاً، هوىً،
أحسدُ الأشقياءْ
أحسدُ الجبلين… ظعائنُها شقَّت القنطرة
أحسدُ الشعراءَ الرواةَ الذينَ رأوها
على هودجِ الكهرباءْ
أحسدُ التمر في (بِسْكِرَةْ)
الجفافَ الذي جفَّ حزناً عليها،
مضى ساكناً في الغديرْ
أحسدُ الملحَ يقصفُ أعلى البروجْ
أحسدُ القيظَ والزمهريرْ
أحسدُ الخيلَ: أعرافَها وحوافرها والسروجْ
أحسدُ القهوةَ البربريَّةَ، تسكبُها في دمي
طفلةٌ ذاتُ رِدْفٍ غنوجْ
أحسدُ الغابةَ المُمطرة
الضفائرَ أحسدُها، ومروجَ السنابلِ
وابنَ السبيلْ
رآها مع الفجرِ ترعى الندى في الحقولْ
الغرانيقَ أحسدها والبطاريقَ ثمّ الحمامْ
الوصيفاتِ أحسدهُنَّ إذا
ما رَمَيْنَ عليها السلامْ
عليها السلامُ، عليها السلامُ، عليها السلامْ
أحسدُ النجمَ حينَ غفى هائماً
فوق مِعْصَمِها… ثم نامْ
أحسدُ الليل فوقَ زنودِ الرخامْ
أحسدُ الزنبقَ الوثنيَّ وسربَ القطا
ثمَّ سربَ العصافير، جيشَ اليمامْ
أحسدُ امرأةً من نبيذِ الرَعاعْ
أحسدُ القِدْرَ والنارَ والزنجبيلْ
– رغم أنّي نسيتُ الضلوعْ
على مفرقِ الدربِ في جبلٍ في الخليلْ –
أحسدُ العنبَ البربريَّ المُعَتَّقَ،
صار على شفتيها غمامْ
أحسدُ المقعدَ الحجريَّ وأهدابها الشارداتِ
ندىً في التِلاعْ
أحسدُ الفحمَ من حطب وشِواء الغزالْ
أحسدُ النولَ والناسجاتْ
والجبينَ الذي يتعالى عليه الهلالْ
والمُغيراتِ صُبْحاً وعصراً على تلَّةٍ في الفلاة
أحسدُ الدمعةَ النافرة
آه يا امرأةً من رذاذِ السماءْ
آه يا شجرَ الغابةِ الماطرة
أحسدُ الرملَ والعُشبَ والدودَ في المقبرة.
أحسدُ الشمعَ في كفّها ثم حنّاءَها في اليدينْ
أحسدُ الخُرجَ يعلو صهيلَ الفَرَسْ
أحسدُ التوتَ في الصدرِ، والفجرَ في الثغرِ،
والموجَ في القِمَّتيْنْ
أحسدُ الجذع: زيتونةٌ مرجحتْ ساعدينْ
أحسدُ النبعَ مركزَ عشبِ القبيلةِ خلفَ الأُفقْ
أحسدُ الصُرَّةَ الحلزونَ وخلخالها الدمويَّ،
وما بين بينْ.
أحسدُ الوركَ من عنبٍ… وله مفترقْ
أحسدُ الخَدَّ في صَحْنِهِ
عُلّقَتْ غمزةٌ من لُجَيْنْ
أحسدُ السِدْرَةَ المُنتهى… والألقْ
غابةَ الصابرينَ الصَدودْ
أحسد الرقمتينْ
وأساها الذي فاقَ كلَّ الحدودْ.
*​*​*
واحةٌ للمطرْ
عَرَّجَتْ صَوْبها الفارسةْ
حيثُ كان دمٌ ينتظرْ
أحمرَ الشفتين بلونِ القمر
عندما كان يلعبُ في القفرِ بينَ الرعاة
كان يرقبُ غَدْر الرمالِ النقيّةِ هذا القمر
كان يرسمُ تشكيلةً من خطوطٍ على الرملِ
دون أثَرْ
الأفاعي، وقيل: نِثارُ فتاتِ القبيلةِ في المنحدرْ.

– تسللَ عاشقُها كالرذاذِ الربيعيِّ بينَ المروجْ
رأى كوْمةً من عقيقِ قلادتها، ورأى
خطأً في عيونِ السوادْ
(يا ملفَّعةَ الفجرِ إنّ الهوى البدويَّ،
هوى الأرجوانْ)
كان مُتَّفَقاً أن تبادِرَهُ بنشيدْ
فلم تستطعْ… واعتراها الذهولْ
ورأى الظلّ في الماءِ مثلَ العَذولْ
يَتَباطأُ نرجسةً دامية
تَتناثرُ في الماءِ رائحةُ الشكِّ والحسرةُ الآتية.
– فأطلقَ طلقتهُ الواحدة
في جبينِ الندى وغزالِ الحقولْ.
غيرَ أنَّ حديثَ الرواةِ يطولْ.
– لو رأيتم مع الفجرِ غامضةً تنتظرْ
ما الذي يجعلُ الفارسَ المنتظر
لا يقاتلُ عن موعدٍ، قربَ ذاكَ الحَجرْ
اذكروا رهبةَ القتلِ بينَ النخيلْ
انظروا أرجوانَ القتيلةِ، لمَّا يكنْ
مثلَ أيِّ قتيلْ
العراجينُ خافتْ، وثارت مدامعها، قربَ ماءِ السماءْ
سمعَ النبعُ فجراً مع العُشب، قبلَ خروجِ الرعاة
من مغائرهمْ في السهولْ
صرخةً واحدة
لعاشقةٍ مُرّغتْ بالدماءْ.
هدأتْ غضبةُ الريحِ في موقدِ النارِ،
وانطفأتْ دفعةً واحدة.
*​*​*
إنني واثقٌ أنَّ حنّاءها في الربيعِ،
ولم يلتفحْ بجهنّم بارودةٍ من حَديدْ
إنني واثقٌ أنَّهُ لملمَ الوحشةَ الواجفة
بعدَ عشرينَ عاماً، بكى من جديدْ:
– موجزٌ ورهيفٌ أسايْ
جمرةُ البدوِ أنتِ، فمن أين جئتِ،
تلوبينَ مختالةً في قميصْ
موجزٌ ورهيفٌ أسايْ
حفلةٌ في تِلمسانَ، أنتِ
مُوشّحةٌ بأغاني مساءِ الخميسْ
مُوجَزٌ ورهيفٌ أسايْ
قطعةٌ من سماءْ
أرجوانيةٌ عَلقتْ ليلةَ المجزرةْ
بجناحٍ على الثلجِ في جَرْجَرَةْ
موجزٌ ورهيفٌ أسايْ
نقطةٌ من بياضِ مسايْ
نخلةٌ في أعالي الجبالِ تطلُّ على العاصمةْ.
أو كأنَّكِ جئتِ إلى غابةٍ،
بين (جيجلَ) و(القُلِّ)،
عند مسيلِ المياهْ
ربّما غيمةٌ من رذاذِ السّهَرْ
تتسلقُ كرماً، فهل غابَ عنكِ الدليلْ
قبلَ ذاك الوصولِ إلى البحر، أو بعدهُ بقليلْ
أو كأنّكِ جئتِ من البحر، دون مُواربةٍ،
من صخورِ الجُزُرْ
لَفَحتْكِ الرياحُ، ركضتِ إلى الغارِ،
كانت ضفائركِ السودُ، ملساءَ مثلَ ليالي السَمَرْ
وأنا غارقٌ في دمِ الأرجوانْ.
– قالتِ النرجسة:
أيُشبِهُني أحدٌ في صفاء الدموعْ
أيُشْبِهُني أحدٌ في الكتابةِ أو في الحنينْ
أيُشْبِهُني أحدٌ في التجاعيدِ والهمِّ فوقَ الجبينْ
أيُشْبِهُني أحدٌ في الندى مثل رمّانةٍ طازجةْ
في دماء الوريدْ
أَيُشْبِهُني شعراءُ التماثيلِ،
أشعارُهُمْ من قديدْ
وابنُ قيطونَ غازَلَها من بعيدْ
ظلَّ في السرّ يُهدي إليها الورودْ
وبعضَ الرسائلِ تُترك مجهولةً في الصقيعْ
على بابِ خيمتها عبْر ساعي البريدْ
وتُهملُ ملفوفةً بوَتَدْ
إنني واثقٌ أنها لا تفكُّ الخطوطْ.

– ربَّما قيل إني أغارُ وفي القلبِ منّي حَسَدْ
أيشبهني أحدٌ: كنتُ غازلتُها في الطريقْ
ونَدَهْتُ عمومَ البَلَدْ
إلى ساحةٍ وشَلَفْتُ مناديلها،
وهُمُ ينظرونْ
النقوشُ التي حُفِرتْ في (الطَسَيلي) رأتني
رأتني جموعُ الرعاة
أُمَصْمِصُها قطعةً قطعةً، ورأتني الشياهْ
وطار الحمامُ على ساعِدَيْها ارتمى
زرقةً واخضراراً، وما قال: آه
– زاجلاً كانَ هذا الحمامْ
وهواي الذي في الضلوعِ هواه –.
– إذَنْ يا ابنَ قَيْطون، هاتِ قصيدتكَ النائمةْ
تعالَ إلى منبرٍ قبلَ بدءِ الصلاة
ليحكم بيني وبينكَ، جمعٌ من الشعراءِ الكرامْ
ورهْطُ رواة
وإن لم تثقْ… فالقُضاة.
– القتيلةُ زيتونةٌ،
أم رماحُ المقابرِ قد غُرستْ في السؤالْ
القتيلةُ رملٌ على البحر،
أم ذهبُ الأضرحة
ليس نسمعُ غيرَ صدى النائحةْ
أو كأني رأيتكِ من قبلُ يا رغبةً جامحةْ
ربّما في سفوحِ الجبالْ
وأنا واثقٌ أنَّ هذا الرذاذ له صلةٌ بالرمالْ
غير أنَّ الدليل الذي كان بين يديّ اختفى
مثل برقٍ… وظلَّ السؤال.
– فَلْنَقُلْ: عاشقةْ
في ليالي الصَبيبْ
ولنقلْ: حين أغوَتْ… غَوَتْ في اللهيبْ
ولنقلْ: ساحرة
ولنقل سُحرتْ خلف أحجار وادي الرمالْ
ولنقل – فَرَضاً – إنّها امرأةٌ حاذقة
ولنقل: – صُدفةً – زُحلقتْ رِجْلهُ في الغرامْ
ولنقل إنّها نجمةٌ في السماء واضحة.
– إنّني عاشقٌ جرَّب الذبح والمذبحةْ –
ولنقل – مُهرةٌ جامحة
سئمتْ بَرْد فرشتها،
وتسلّل ينبوعها دافئاً في الظلامْ
ولنقل – وردةٌ عطشتْ
فرواها النخيلُ… وخافْ
ولنقُلْ – إنها تُربةً شققتها ليالي الجفافْ
ولنقل – غجرٌ لملموا نارَهُمْ
حول تلك الضفافْ
ونَسوا جمرةً عُلّقَتْ في ذوائبها البائنة
ولنقل – مثلاً – إنّها امرأةٌ خائنة
طارحَتْني الغرامْ
عندما كان عاشقها في الصلاةْ
وابنُ قيطونَ كان يُدبّجُ بعض رسائلهِ في الخفاءْ
ما الذي يزعجُ الشعراءْ
ما الذي يزعجُ بعضَ الرواةْ
إذا كانت امرأةً خائنة!!
*​*​*
– قد يضيعُ كلامُ الرواةِ سُدىً
بعد تدجينهِ في المقرّر في الجامعاتْ
أو إعادة إنتاجهِ باختصارْ
في اللِجان التي نقّحتْ كُتُبَ المدرسة.
ربَّما لم تكن من دمٍ، إنّما نرجسةْ
سافرتْ حول مرآتِها
وأُراهِنُ ما عشقتْ أحَداً
إنّما عشقتْ ذاتها
قربَ واحاتِ (أولاد جلاّل) في الفَلَواتْ.
فليكُن
فَليَكُنْ
إنني أحسدُ الغابةَ الماطرة
أحسدُ النسرَ في جَرْجَرَة
أحسدُ التمرَ في بسكِرَةْ
أحسدُ الرملَ والدودَ والعُشبَ في المقبرة.

ــــــــــــــــــــــــــ
* قسنطينه- 1986

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

3 آراء على “حيزيّة: عاشقةٌ من رذاذ الواحات”

  1. لماذا تجاهل هذه القصيدة الرائعة ( حيزيةعاشقة من رذاذ الواحات) لعزالدين المناصرة 1986- و لماذا لاتقرر في مناهج الادب المدرسية في الجزائر أسوة بشعراء عرب بعضهم أقل قيمة شعرية من المناصرة… أو اختيار قصيدته ( لالا فاطمة)… لقد جعل المناصرة أسطورة حيزية الشعبية قصيدة عالمية بعد أن قرأها في مسرح موليير في باريس 1997 بالعربية الفصحى وقرأها ممثلان مسرحيان بالفرنسية بعد أن ترجمها الدكتور محمد موهوب ( عالم الاجتماع المغربي) الى الفرنسية. وبعد أن قال عنها الفيلسوف التونسي ( سليم دولة)… حيزية ملحمة جميلة صاغها الشاعر المناصرة بأسلوب سردي رفيع… وبعد أن قال عالم الاجتماع الجزائري ( عمار بللحسن ) عام 1989 في مؤتمر الأدب المغاربي : ( أعطوني كاتبا جزائريا واحدا كتب عن حيزية أفضل من رائعة الشاعر الفلسطيني المناصرة – حيزيةعاشقة من رذاذ الواحات.
    – أخيرا تنشر ( الثقافة الجزائرية ) هذه القصيدة … في وطنها الجزائر ليطلع عليها الجيل الجديد في الجامعات والمدارس.ولماذا لا تغنى ( حيزية المناصرة ) بالأصوات الجزائريةالجميل مثل صوت الحاج رابح درياسة مثلا. فهي تستحق سيما أنها قصيدة حداثية مكتوبة بالفصحى وسهلة .

  2. مبارزة شعرية وتناص على تناص بين شاعرين أحدهما ( ابن قيطون ) باللهجة الشعبية الجزائرية من القرن التاسع عشر- والأخر فلسطيني ( عزالدين المناصرة ) بالعربية الفصحى عاش في الجزائر (1983-1991) وكتب قصيدته عام 1986. كلاهما عاشق وقع في حب أميرة الصحراء حيزيةبنت بو عكاز الهلالية… قصة تشبه روميو وجوليت في الأدب الانجليزي أوصلها المناصرة الى العالمية حين أنشدها في باريس وروتردام ومدريد وصوفيا وبودابست وبرلين ومونتريال .. وكان قد قرأها بصوته الشجي لأول مرة في قسنطينة في المسرح الجهوي عام 1986. وفي وهران وتلمسان وقرأها في مهرجان تأسيس الجاحظية في الجزائر العاصمة1989- وقرأها بطريقته الاحتفالية الرعوية وصوته الحزين القوي في مهرجان محمد العيد خليفة..
    وغيرها. ونشرها في عمان الأردن وأطلقها في مجموعة شعرية بالعنوان نفسهعام 1990- وأخيرا صدرت هذه المجموعة الشعرية في قسنطينة ( دار بهاء الدين 2009) وهي طبعتها الرابعة حيث كانت قد صدرت عن وزارة الثقافة الفلسطينية بفلسطين وطبعة أخرى عن دار مجدلاوي بعمان.

  3. قصيدة تعيد أمجاد شعر الباستورال الأوروبي بشكل حداثي عميق

    قصيدة رعوية جزائرية – فلسطينية – بهذه القصيدة تأسست ( الرعوية الجديدة ) لأول مرة في الشعر العربي>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق