حوارات المجلة

الشاعر اليمني محمد العريقي للمجلة الثقافية الجزائرية: القصيدة هي إعادة خلق لهذا العالم وما تساقط من روح الإنسان.

القصيدة صنعت الثورة والتغيير

شاعر شاب، تشده القصيدة من روحه وتسحبه إليها في كل نص جديد. إنساني حتى في حزن الشعر الذي ينسكب من صوته، حارة لغته كرغيف الخبز. في هذا الحوار، حاولنا الحديث عن القصيدة ومدى أهميتها في زمن الحروب. عن أداة الكتابة وما يمكن أن تفعله، أو يفرض أن تفعله، لخلق التغيير. فكان هذا الحوار.

المجلة الثقافية الجزائرية: لو طلبت من محمد العريقي أن يقدم نفسه ماذا يقول؟
محمد العريقي: محمد العريقي كلمة حب نثرها الله فوق بحار اللغة تحمله موجات العشق والشعر والجمال الى كل تخوم الروح. روح يسكنها الحب حد الثمالة لا اعرف ذاتي الا محبا و مريدا في حضرة الحب كل الحب.

المجلة الثقافية الجزائرية: أنت شاعر أيضا. ما معنى أن تكون شاعر وسط هذا الخراب الكوني؟
محمد العريقي: أن تكون شاعر في هذا الخراب يعني ان تعيش انكسارك ومأساتك آلاف المرات، أن تعيش عجزك وحزنك في كل لحظة تدرك فيها أن هناك موت وهناك دمار. إن الخراب يزيد من مساحة الموات التى تعيشها الروح الشاعرة. الشاعر كائن اكثر حساسية تجاة الكون..

المجلة الثقافية الجزائرية: مع ذلك، في قصائدك يتدلى الحب كعريشة عنب، ويتدفق الجمال منها. كيف تولد القصيدة لديك؟
محمد العريقي: ياسيدتي، إن الحزن يتسلل الى عرائش الحب بشكل جليل ولكن القلب حين يفيض بما فيه من شجن لا يجد غير صباه يفر اليه ملتمسه زخه حب قد تصنع امل لحياة تكون. إن القصيدة تولد من ذات مشتعلة، لا تتوقف عن التوقد والاشتعال بكل ما حولها من مفردات الحياة، إن القصيدة هي إعادة خلق لهذا العالم. إنها محاولة لإجاد مالم يدرك بعد. محاولة لإعادة الإنسانية إلى عالمها، وما تساقط من روح الانسان..إنها محاولة أن تلتقط ما تساقط من وجودنا، هي اشكالية روحية ونفسية ووجودية .

المجلة الثقافية الجزائرية: تقول أن القصيدة هي إعادو خلق لهذا العالم. إلى أي حد نجحت القصيدة العربية في ترتيب العالم؟
محمد العريقي: القصيدة العربية شأنها شأن أخواتها في العالم، كان لها جولات انتصرت فيها لذاتها ولإنسانيتها .. القصيدة العربية حققت وجودا أكثر من العرب أنفسهم، كانت أكثر انتصار وشجاعة من العرب قالت في محطات كثيرة ما جعلها مطاردة من سدنة الظلام.

المجلة الثقافية الجزائرية: متى انتصرت القصيدة العربية للكائن البشري الذي نسميه مواطن عربي؟
محمد العريقي: القصيدة صنعت الثورة والتغيير الذي لم يستطيع الكثير من العرب أن يصنعوه. كان للقصيدة العربية نبض ذلك الكائن، هو خالقها وهي تعبير حق عن كل حالاته وهي وعلى المدى المدرك منها وبالأخص في القرن الماضي كانت اكثر ملامسة لقضاياه كانت الصوت الجميل والصادق للجماهير ولعل تلك المحاولات التى حاول فيها العربي ان يقول أنا هنا وموجود كانت القصيدة هي الوقود الروحي له.

المجلة الثقافية الجزائرية: مع ذلك لم توقف القصيدة حرباً!
محمد العريقي: شكلت القصيدة العربية في كل مراحل النضال علامة فارقة في حياة كل الشعوب العربية وكانت الحامل الحقيقي لذلك الوهج الثوري والفكري للمواطن العربي، كانت نفس الشارع ونبضه. القصيدة تعلمت أن تثير الثورات والحروب ولكن لم يعلموها ان تخلق السلام لأن ولادتها ارتبطت بذاكرة القوة والزهو والبطولة..

المجلة الثقافية الجزائرية: لعل ما أريد الذهاب إليه هو إلى أي مدى يمكن للقصيدة أن تقترب من المواطن العادي؟
محمد العريقي: نعم هنا سأقف معك أمام نقطة جوهرية في مسيرة الشعر العربي، بأن يتحول اليومي الإنساني إلى هجس شعري وتعبير فني وقد تجلى ذلك في القصيدة العامية العربية التى هي ذاكرة الناس، ونلمس ذلك جليا في االقصيدة العامية ومنها الغنائية
التي اقتربت من التفاصيل الصغيرة والبسيطة في حياة الناس البسطاء وحملت خصوصيتهم النفسية والثقافية ولو تتبعنا النتاج الشعري للقصيدة العامية العربية لاستطعنا أن نحصل على فسيفساء الحياة العامة في كل مدينة وبلد عربي وفي أدق التفاصيل من حزن وفرح وحب وحياة وزراعة وصناعة وتعليم ومعتقدات.. إن القصيدة العامية اقتربت من المناطق الأكثر حساسية في حياة الناس بل وطرقت المسكوت عنه في حياتهم وبكل جراءة واقتدار. وإن لم يخدمها الاعلام من جانب ومن جانب اخر الخصوصية اللهجوية لكل بلد عربي بل لكل مدينة ومنطقة..

المجلة الثقافية الجزائرية: تقول أن القصيدة عموما والعامية بشكل خاص ارتبطت بالبسطاء. لكن، ألم يحولها الاعلام إلى فلكلور لتسلي العامة أو تبكي على واقعهم فحسب؟
محمد العريقي: الاعلام في الاساس مختطف، في يد الساسة، وهم الذين يشكلون الخطاب الاعلامي الذي يخدم توجهاتهم وسياستهم العقيمة التى تقوم على تجهيل الناس وتشوية الوعي، فيتم التعامل مع النتاج الشعري بشكل مجتزء. ويغيب ما يخاطب روح الشعب وثقافته الرصينة ، للاسف قام الاعلام الرسمي بالعمل على افراغ القصيدة من الرسالة الثقافية وتحويلها من حاملة فكر وقضية الى اداءة ترويج وتسلية بما يخدم فكرة توطين الصنمية الثقافية في الوعي الجمعي للمجتمع وفي اعز مفرداته وهو اليومي والعامي الذي يشكل أس هويته وخصوصيته الثقافية

المجلة الثقافية الجزائرية: أليس على الشاعر هنا أن يخرج القصيدة من قوقعتها وينقذها من الاعلام التجاري والسياسي ويبعدها عن التطبيل والتهليل ويعيد إليها علاقتها مع الإنسان؟
محمد العريقي: هذا هو أصلا دور الشاعر في حياة الناس. الشاعر يجب ان يكون ضمير الانسان ونبي للانسانية، ولكن الشاعر هو نتاج المؤسسة السياسية الحاكمة في اي بلد.. الشاعر ثائر على ماهو عليه.. الشاعر لابد أن يكون ثائر. فيتم ادلجته منذ البدايات بعقلية القطيع للاسف ويصير واحد من الناس وصورة ممجوجة للعادي وليس للاستثنائي .. ولكن القصيدة تنتصر لذاتها في مقامات كثار وان حاول الشاعر ان يهادن فتجعله يثور وتقوله مالا يستطيع ان يخاتل فيه ،القصيدة طاقة خالصة متدفقة مهما حاول الشاعر ان يكبح جماحها فانها تقول وتقول وتقول .. وتؤنسن ذلك الكائن المتحدث بإسمها الذي قد تتملكه لحظة انهزام وقنوط ،كثير من الشعراء فروا بالقصيدة من البلاط الحاكم والمؤسسة الحاكمة والمالكة وذهبوا بها الى الناس وهناك صاروا هم الملوك في ارواح وضمائر الجماهير لذلك لازالت المؤسسة الحاكمة في سجال لا ينتهي مع القصيدة كلما حاولت ان تحتويها وتدجنها تكتشف انها تطارد الدخان وتقتل الشمس ،وأن لها ذلك !..فلابد ان تثور القصيدة وإن استكانت بعض حين.

المجلة الثقافية الجزائرية: يقول الشاعر الفرنسي بول فيرلين إن القصيدة التي تشعل نار القلوب هي التي تطفئ لهيب الحروب. ما رأيك؟
محمد العريقي: نعم ياسيدتي هنا يقف الشعر ويكون الشاعر ملك متوج حين يدرك الحب ويذهب به الى حيث يعيد ترتيب العالم. اشكاليتنا مع ماحولنا هي فهمنا للحب وان يتحول الحب من مفردة الى طاقة الى سلوك الى ممارسة الى حياة حب لكل مكونات الحياة للناس للشارع للاشياء. حب المكان. حب الناس. الحب طاقة لو عاشها الناس لتغير العالم.

المجلة الثقافية الجزائرية: دعني أعود إليك: كيف تختزل القصيدة محمد العريقي؟
محمد العريقي: القصيدة لحظة اشراق روحية ووجدانية خالصة حين تتجلى يغشاني وهج روحي يجعلني أولد مع كل قصيدة أنها تعيد ترميم روحي المنهكة وإعادة انسانيتي المتعبة تختزل ما أنا وما ساكون عليه. القصيدة نبوءة. لحظة مكاشفة. حين تصعقني هذه القصيدة أشعر أن قلبي ينخلع من مكانه في لمستها الأولى لتتدفق كالضوء مع كل مفردة، أحيانا أشعر بالارهاق حد الخدار فما أن يكتمل تدفقها حتى ينبعث فيض لذيذ في جسدي يشعرني أني صنعت كائن جميل سيطير إلى الدنيا. القصيدة تكتبني وتمتص ذاكرتي وأحلامي وترزقني لحظة من بهاء لا يعرفها غير المريد في محراب القصيدة. إنها تحقق وجودي بحثت عنها كثيرا سافرت معها في الفصحي والعامية.

المجلة الثقافية الجزائرية: في باكورتك الشعرية فضول الرياحين، بدا الإنسان حاضرا شغوفا، حزينا جريحا ومع ذلك متفائلا بغدٍ جميل. خيل أنك تكتب عن العربي (الإنسان) الحزين وليس عن اليمني الجريح فحسب.
محمد العريقي: شاغلتني المفردة وبهرتني الكلمة، حاولت أن أبحر في عوالمها فأغرقتني وقذفت بي إلى جزر وشواطى لم أكن أحام أن أدركها، كان ديوان فضول الريحان هو شهقة البدايات كان بوح جوال سافر من المحيط الى الخليج ذهب الى حضارات وعوالم اخرى كانت محاولة لأن اكون شيء يشبه شاعر ليس إلا. كان فضول الريحان هجس صوفي أدهشتن المعرفة فأصيب بجنون الحب فأخذ يقول ما يشعر لا ما يرى. كنت أحاول أن أكون الانسان الموجود في كل مكان وليس المحجم بالمكان والزمان. فضول الريحان ذاكرة سفر امتد لاكثر من خمسة عشر عام التقت فيه بعض من تلك الحكايات التى عشتها وببساطتها وبفكرتها التى أودعتها فيّ. هناك مولود جديد وصل قبل اسابيع، هو المولود الثاني لمحمد العريقي ولكن هذه المرة باللهجة العامية بعنوان (لحن العيون) طبع في القاهرة ومنتظر أن أراه.
المجلة الثقافية الجزائرية: حدثني كيف يحارب المثقف عهر الحرب في اليمن، وكيف يقاتل بجمال القصيدة قبح القنابل والسلاح؟
محمد العريقي: الحرب قذرة تخنق الضوء تخنق الامل .. إنها حالة من الفوضى ومن اللا خلاقي. المثقف هنا ياعزيزتي في هذه الفوضى مشوش، فقد البوصلة، فقد الإحساس بالزمن جعلته الحرب جبل من هم وحزن. لكن الكثير من ذلك المثقف لم يفقد انسانيته. أتعبته تلك الروح، حاول أن يترهب ويغادر. الدم يفر بالانسان الذي هو فيه حتى لا يسرق منه. الكثير من المثقفين الذين يحق لنا أن نسميهم كذلك رفضوا أن يتحولوا إلى أدوات صراع، حافظوا على دين السلام والانسانية من أن يضيع أو يباع في سوق الحرب. لذلك حوصروا همشوا هجروا او هاجروا. هنا انقسم الشعر على ذاته ككل المراحل مع هذا الفريق او مع الفريق الاخر، وكلهم يدعي وصل ليلى وكلهم يقولون الوطن والوطنية وكلهم يقولون الله والدين. لكن هناك صنف ثالث وهو المقموع والمقصي والمهمش الذي لم يقاتل من أجل مشاريعهم، بل قال الوطن فقط وكليكم خائن. الصوت الثالث وأقول أنه الصوت الأول لأنه ليس في هذه الحرب سوى صوتين الأول مع الوطن الانسان والتاريخ والحياة والسلام، وصوت ثاني يمثل مشاريع الحرب والموت والدمار.

المجلة الثقافية الجزائرية: كيف تصف الحياة في اليمن بعد سنوات من الحرب؟
محمد العريقي: الانسان عاش الحرب في عمر الحضارات أكثر من السلام للأسف ولكن أنا مؤمن جدا أنها الحرب عاهرة عجوز مهما حاولت أن تتشدق بالبقاء، فهي تحمل بذرة فناءها وستموت. لن يتحارب اليمنيون الى نهاية الزمن .. ستضع الحرب اوزارها ولنا تجارب ماضية بعد ثورة 1962م، تحارب فرقاء الصراع ثمان سنوات حتى لفضتهم الحرب ذاتها وعادوا إلى طاولة الحوار.. ولن يكون إلا ذلك، لن تصنع الحرب ما لم يصنعه الحوار. وأهم من ظن أن الحرب هي الفاصل في صراع أبناء الوطن. ستعود الحياة الى اليمن. وستنتهي الحرب ولكن سيكون قد دفع ثمن باهض من مستقبل وحياة هذه الارض.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأ الآن؟
محمد العريقي: اقراء في التراث اللامادي في هذه الأيام. كما أنني أقرأ الآن في كتاب الثورة لعبة العقائد لأوشو.

المجلة الثقافية الجزائرية: وماذا تكتب؟
محمد العريقي: اكتب وجعي وانتفاضة حلم سيأتي ،تشاغلني الان قصيدة تهطل من الغيم تكتبني وهي تسبح بلهجتها العامية وتغنيني :
وا سحاب وا سحاب
خيركن اين غاب
….

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

5 آراء على “الشاعر اليمني محمد العريقي للمجلة الثقافية الجزائرية: القصيدة هي إعادة خلق لهذا العالم وما تساقط من روح الإنسان.”

  1. جميلة كلماتك تطبب وتريح ذلك الوجع والحزن الذي ياخذ كل يوم جزاءً كبيراً من الامل المزروع فينا .. لعل غداً افضل .. مع خالص محبتي لكل حرف تجعله ينطلق .

    1. جميلة كلماتك تطبب وتريح ذلك الوجع والحزن الذي ياخذ كل يوم جزاءً كبيراً من الامل المزروع فينا .. لعل غداً افضل .. مع خالص محبتي لكل حرف تجعله ينطلق .

  2. تستحق الشكر والتقدير لكل انجازاتك الادبية المتألقة في مجال الشعر و القصيدة وأتمنى لك التوفيق والنجاح دوما وعلى أحر من الجمر في إنتظار لحن العيون

  3. جميلة هي اللغة التي توصف بها الشعر ومدى البلاغة اللغوية التي ترد بها على الاسئلة
    كلامك بحد ذاته شعر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق