ثقافة المقال

قوة النّساء بين الرجال

جاء الإسلام وأنصفها

بقلم إيناس السلامي

شاءت الأقدار أن تقع عينيَّ على مقالٍ طويل في أحد المواقع يتحدثُ عن مكانة المرأة في المجتمعات عبر التاريخ مروراً بجميع الحضارات القديمة و انتهاءًا بالتاريخ الإسلامي ثم تسليط الضوء على عصرنا الحديث ..

لا أخفيكم أنني شعرتُ بضيقٍ شديد بينما كنتُ أقرأ عن حال المرأة في الحضارات القديمة وعصر الجاهلية قبل الإسلام .. كنتُ أجولُ بنظري لأقرأ كيف كانت روحاً شيطانية عند اليونان ! و كيف كانت القراءة عند الهنود والقدماء لا تليق بالمرأة حتى لا يقوى سلطانها على الرجل من خلال القراءة ! وكيف كانت عندما يموتُ زوجها تحرق معه على موقد واحد !

أحد رموز الهنود والقدماء طاغور على لسان شترا يقول : “إن المرأة يسعدها أن تكون امرأة فقط وأن تلف نفسها حول قلوب الرجال بابتسامتها وتنهداتها وخدماتها وملاحظاتها فماذا يجدي عليها جليل العلم وجليل الأعمال”.. و إنه لأشد الظلم لها !

وكيف كانت تمنع من الخروج من منزلها و تمنع من التعليم و تَملُّكِ أي أموال و ربما يصل الأمر أحياناً إلى بيعها للحصول على المال كما كان هذا في أوروبا في أوائل القرن التاسع عشر و القرون التي تسبقه !

اليهود والنصارى يقولون أن الذي أغرى آدم بالأكل من الشجرة هي زوجه حواء، و هي التي ظلت توسوس له وتزين له وتغريه حتى أكل من الشجرة، ولهذا يعتبرون المرأة هي أصل الشقاء البشري !

ولَكَم ارتاح داخلي حين بدأت العصور الإسلامية تظهر في السطور أمامي .. لأجد تغيراً أصفه أنه بمقدار 180 درجة فعلاً .. حين قَلَب الإسلام كل الموازين في الجاهلية وكل عصور الظلم السابقة لها ، فجاء الإسلام و أنصفها وأعني هذه الكلمة بالذات .. فلم أقل ساواها بالرجل بل قلتُ أنصفها و أقام ميزان العدل في تعامل المجتمع الإسلامي معها .. فهناك فرق بالتأكيد بين المساواة و العدل .. فللمرأة طبيعة خاصة تختص بها تميزها و تختلف بها عن الرجل و أرى عدل الإسلام يتمثل في قول رسول الله : “إنما النساء شقائق الرجال” فهي شقيقة الرجل يجري عليها ما يجري عليه من أحكام إلا ما اختصت به طبيعتها الأنثوية ..

ساوى الإسلام بين المرأة والرجل في العقاب والثواب و الجزاء ومنحها حقها في الميراث لدرجة أن حصتها في بعض الحالات قد تفوق حصة الرجل من الميراث .. (لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) .

و ترى المرأة في الإسلام تشارك في كل مجالات و معتركات الحياة سواء السياسية أو الاقتصادية أو التجارية أو العلمية و حتى في الحربية .. فترى نساء المسلمين يبايعن رسول الله في فتح مكة و ترى الصحابية سمراء بنت سهيل تتولى أمور السوق وكانت تتجول في أسواق المدينة، وفي يدها سوط لتأديب المخالفين و كذلك كانت الشفاء بنت عبد الله في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه .

وترى نساء المسلمين يسرن إلى المعارك جنباً إلى جنب مع الرجال، حاملاتٍ أوانيَ الماء وما يحتاج إليه الجرحى من اللفائف والجبائر وغير ذلك ، و كُنَّ إن تطلب الأمر يمتشقن أسلحتهن و يحاربن كالرجال ، و كان بعض الصحابة يأخذون الأحاديث النبوية من بعض نساء المؤمنين .. و من أبرز نساء الإسلام اللواتي روين الأحاديث أمُّنا عائشة رضي الله عنها ..

بعد كل ما سبق طرحه نرى أن الإسلام أفرد للمرأةِ حرية ً كبيرة و قدراً كريماً فتراها معززةً مكرمةً كالملكة لدرجة أن يجعل الرجل يقوم على توفير متطلباتها ففرض عليه القوامة كواجب عليه و جعله حقاً للمرأة ، فجعل الرجل سنداً لها و جعلها سنداً له تتكامل أدوارهما معاً لضمان نشأة أسرةٍ سليمةٍ صحية .

أما لو قمنا الآن بتسليط الضوء على عصرنا الحديث و أخص بالذكر زمن أجدادنا و آبائنا فإننا نرى بلا شك أن لابتعاد الناس عن دينهم و سيطرة العادات و التقاليد دور مهم في عودة تدريجية لبعضٍ من الظلم بحق المرأة فبعضهم حرمها من الميراث و التعليم مثلاً .. بل و سادت زمانهم تلك النظرة الدونية للمرأة فيرونها الضعيفة دائماً ، فتسمع بعضهم يقول أن مكان المرأة في بيتها فقط و وظيفتها خدمة زوجها و إنجاب الأطفال فقط و أن الرجل هو الأعلى سلطة فقط لأنه رجل و يُستثنى رأيها من أي قرارٍ قد يتم اتخاذه ..

برأيي لا يمكن القولُ بإطلاق بضعف المرأة ، نعم قد تقول لي الآن المرأة ضعيفة جسدياً أكثر من الرجل و هي عاطفية جداً مما يؤثر على صحة قراراتها لذا جعل الإسلام شهادة امرأتين بشهادة رجل في المعاملات المالية ؛ لكن ذلك بسبب قلّة احتكاكهن بأمر الكسب و النفقة ففي الغالب احتكاك الرجال بالأسواق و كسب العيش أكثر فأصبح فهنا كان التبرير أن تضل إحداهما فتذكرها الأخرى مع العلم تقبل شهادة الواحدة منهن بوجود الأخرى دون الإدلاء بشهادتها كأنها مقرَّة أي ليست شهادتين بمعنى الشهادتين من كلاهما.

وهذان الجانبان لا يُعبران عن ضعف المرأة بقدر ما يعبران عن اكتمال أنوثتها و إنصافها و هذا لا يُعتبر انتقاصاً من قدرها أبداً .

فالمرأةُ و إن بدا ضعفها بالنسبة للبعض فإنه ظاهري .. و أرى أن بإمكان امرأة واحدة أن تتحكم في مصير أمة ، تماماً كما فعلت أم صلاح الدين الأيوبي بتربية ابنها و صناعة قائد مسلم عظيم منه ، فغيرت تاريخاً كاملاً و أزاحت دنس ال
صليبين عن مسجدنا الأقصى ، ” نعم فاليد التي ﺗﻬﺰ ﺍﻟﻤﻬﺪ ﻗﺎﺩﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﻫﺰ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ” كما ﻗﺎﻝ ﻧﺎﺑﻠﻴﻮﻥ

و اليوم بفضل الله نرى أن مجتمعاتنا بدأت تتغير للأفضل من ناحية نظرتها للمرأة ، فلم تعد هذه النظرة كما كانت

لنقم بنظرة إنصاف الآن .. الضعف من صفات البشر بشكل عام سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً و لكل منهم جوانب قوةٍ و ضعف ، فالمرأة قد تكون ضعيفة جسدياً و عاطفية لكنها في جوانب أخرى قد تكون أقوى من الرجل ، و كذلك للرجل مواطن ضعف ، فالرجل ليس لديه قدرة هائلة على تحمل ضغوط و أعباء المنزل كما المرأة ، فهو قوي في مجالات أخرى سأقول أنها ليست من اختصاص المرأة كالمجالات ذات المجهود العضلي الجسدي

أما من الناحية الفكرية و التعليمية فنرى اليوم أغلب مرتادي الجامعات من الإناث و نلاحظ أيضاً أنهن أكثر إبداعاً في هذا المجال ، فالمرأة اليوم و بلا شك لها من الحرية قدر كبير ، و لا ننكر أن هذا بشكل خاص في الدول الإسلامية أكثر منها في الغربية رغم الظاهر المخادع في الغرب و مردُّ تلك الحرية في الدول الإسلامية يرجع للدين الإسلامي السائد فيها

علماً أن الحرية التي أقصدها لا تعني إطلاق الحبل ليصل الأمر إلى الانحلال و الفجور .. فإسلامنا دين وسطيّ يقوم على الوسطية و العدل في كل الأمور

و أخيراً أقول أن المرأة عنصرٌ مهم من عناصر المجتمع و لها أكبر الدور في نهضته و صناعةِ مستقبله ، فهي تقتحم غالب المجالات بحدود الأدب و الأخلاق لتبقى أنوثتها محفوظة و مكرمة ، تماماً كما يجب أن يكون حال الرجال من اقتحام كل المجالات بحدود الأدب و الأخلاق .. فهُنَّ شقائق الرجال

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق