ثقافة السرد

بادرة والأوقـاتُ الـمُغلَقة

​​​​​​​عاطف سـليمان

إننا على أعتابِ لقاءٍ. بدا عميقاً أن أحدَنا قد صارَ على وشكِ الوصول. كنا – طوال ماضٍ – نُجرِّبُ، ونختبرُ كلَّ الاتجاهات الممكنةِ، العاصيةِ، ومرةً لم نشعر أننا تَوَاجهنا، أمَّا الآن، بعد قليلٍ، فستلقاني، وألقاها. إني لأَشُـدُّهَا إلى مكاني بوسيلةٍ إنسانيةٍ مُبهَمةٍ وعذبةٍ. أناديها بِسرِّها: بـادرة. كانت صيحتي المؤمنة كافية كيلا يكون الوهمُ كُلياً، إني ألتقِطُها، وإنها لَتجيء، أخيراً، إنها تجيء.
حين اكتملَ الوجهُ؛ ابتسمتْ. وحين تدفقَ دمُها صارَ بإمكانِ الفاني لـمْس جسدها أو الارتطام به، «دون أنْ تمسَّني. من فضلك!» قالتْ، وانتهينا عند نومِها الـمُترامي والمكدَّس باليقظة. صارَ أمام الباب حاجزٌ واطئٌ فحديقة. «لكَ!» وهبتْني، وهمستْ «نائمةٌ أنا. من فضلك!» أغلقتُ باباً ورائي، وتوحدتُ مع ورطتي الأزليّة؛ في أيِّ جحيمٍ داسَ ذهني هذه الأزهارَ؟ «أولُ أزهار الكوْنِ تحت وطْأتِك. لا تمسني!» قالتْ. كنتُ أعرفُ أنها لن تكفَّ عن محادثتي من نوْمِها، وكنتُ كذلك أعرفُ أنها ستصحو بعينيْن زيتونتيْن شبقتيْن «دون أن تنظرَ إليَّ. من فضلك!» ستقول، ثم تخترقني وأخترقُها، «دون أن نجرؤ!» سنكتبُ فيما بعد. كانت حديقتُها لا نهائية، وقدماي اللتان تجيدان سَيْرَ الحدائق ستُنصِتان للنداءِ: «دون اشتهاءٍ. من فضلك!» فأعودُ لأجلسَ على أطرافِ نوْمِها جلستي القديمة وأُغنِّي لنفسي، فتهمسُ «دون تعاساتٍ كبيرةٍ، يا حبيبي»، وتصحو. تصحو بادرةُ بثيابها المنحسرةِ في غير ما اكتراثٍ، وتبدأُ في ممارسة أخطائها اليومية العادية، «لا تنادني باسمي، من فضلك!» تضْرعُ برقَّةِ المحاربات المتوحِّشات، وتمسُّ جبهتي بيدِها «هذه يدي، من فضلكَ، وهذا أنت!» تكادُ تنطِقُ، وتكادُ تُوقِفُ نبْضَها عن جبهتي، فتُتعِبُني يدُها، وأنامُ دونها، فتُودِّعُ يقظتي بقُبْلةٍ يسيرةٍ «لستُ باردةً، من فضلك»، وتُشعِلُ دخانَها المحشوَ بالخدرِ على حافاتِ نومي، ويكونُ عليَّ أن أُسيِّجَ ضدها أحلامي، «يا لخيبتُنا!» فتوقِظُني وتغرزُ في عينيّ عينيْها الزيتونتيْن «أنا عذراءُ! من فضلك»، وتتلقفُني من النوم، تلفحُني بحالةِ صفواتها تلك التي لم تكن تعني لي دائماً سوى أن ثمة غائباً هو غائبٌ لا يزال، وأن شيئاً ما، كذلك، سيُلقَى بين يديَّ؛ «نادني: يا أمي! من فضلك!» تبكي بادرةُ، «:يا أمي! من فضلك!» تضحكُ بادرةُ، وأناديها «أماه!» تنتشي، «اِمنحيني شفتيْكِ»، تمنحُني، ونحيا فناءَنا الدائم.
– يا عروسي الـمُلهَمة!
– يا آه، يا أبتــاه!

حقيقيان نحنُ الآن. حقيقيان نقطعُ آخرَ عشرِ خطواتٍ إفريقياتٍ لنا باتجاه الشَمالِ، متخاصران حتى البحر. والبحرُ يغُصُّ باشتعالِ الأجنحةِ الرماديةِ والحمراءِ والبيضاءِ حتى بدا لي أنه سيخفقُ بها ويطيرُ، وشهقتْ بادرةُ في اللحظة ذاتها:
– هذه الطيورُ تحاولُ المستحيلَ!

كان المشهدُ البحريُّ شاهِدَنا بسماواتهِ الشروقيّةِ الحمراءِ ومشاويرِ طيورهِ الطيبةِ، وكانت بادرةُ تَصِفُ لي كيف يتحوَّلُ البحرُ على جسدِها إلى نِمالٍ صغيرةٍ تزعجُها وتُثخِنُها. قلتُ لها:
– موْجتُـكِ! ألن تلمسيها؟!
– كلا.
– بأصابعِ قدميْكِ فحسب!
فتخلعُ بادرةُ كلَّ ثيابها لِتقدِّمَ للبحرِ قدماً يلْعَقُها مَرةً بعد مرةٍ ويعطيَّها نِمالَه، ولتبدوَ لي كما لو كانت عاريةً بدونِ سببٍ، فتجاوبُني «لم أتعرَّ من أجلكَ من فضلك. لم أفعلْ لكَ هذا من قبْل». وكنتُ أُجانِبُ اللجوءَ إلى ذاكرتي، فقلتُ كيفما اتُفق:
– بل تفعلين هذا دائماً!
– ربما! لستُ أذكرُ.
هكذا، كان نصيبُنا من الصباح بحراً؛ بحرٌ هو غُدَتُنا الروحيّة، وهو الوجهُ الوحيدُ الذي يُسْـلِمُ بادرةَ إلى أحزانها كلَّما اِلتقاها، وتَشْردُ له بادرةُ:
– إننا نتنافسُ على إضاعةِ شيءٍ ما!
وتنفصِلُ من شرودِها له لتشْردَ لي «ربما كان الأمرُ أني لكَ تعريتُ، لا للبحر»، وتلملمُ بادرةُ حاجاتِها باعتدادِ منْ ستقفزُ إلى الماء بعد لحظةٍ لتبقى فيه حتى تذوب، إلَّا أن البحرَ كان قد غيَّر صِفتَها من صيَّادةٍ وثنيِّةٍ إلى أرملةٍ كونيِّةٍ تفتِنُها لبعضِ الوقتِ فكرةُ الإخلاصِ لشرفِ فقيدِها، فغادرناه إلى قلبِ المدينة. كان جسدُها يعجُّ بالفرحِ؛ كفُّها يحاربُ كفِّي، وقُبُلاتُها الصغيرةُ المكتومةُ الحذِرةُ تجيئُني في أكثرِ شوارعِ المدينةِ ازدحاماً وغَيْرةً «لن أكُفَّ. من فضلك!» تهمسُ، ونعبرُ الشارعَ إلى حائطَنا الخاصِ «سأخونُكَ دائماً! من فضلك!» تُهلِّلُ ملامحُها، وتسبقُني إلى الدَرَجِ، تطلعُ، وتطلعُ.
* * *
كان المكانُ عالياً فتستطيع أن ترى البحرَ ولا تسمعه فيملؤكَ إحساسُكَ بالصمم. تشُدُّ الستائرَ كلَّها، وتنفيَّ البحرَ بحركةٍ واحدةٍ فيملؤكَ إحساسُكَ بالجحود. وتُفاجِئُكَ بادرةُ بعد لحظاتٍ قليلةٍ: «نعودُ إلى البحرِ، من فضلك»، وأنتَ، في لحظتِكَ، لن تصبرَ على مجاراةِ ما يتأتّاكَ من تعاكُساتِ شريعتِها، فتُسائِلُ نفْسَكَ عن الشجْوِ الذي لَحِقَ بصوْتِها، وتقول لها إن الإسفلتَ مُحتَقِنٌ بخطْوِكما، وإنكَ غافٍ تتوقُ لأنْ تنامَ وحْدَكَ كي تُهدهدَ صخبَكَ، فتأتيكَ بادرتُكَ لِتُنيمَ رأسَكَ على باطن كفِّها، وتُهروِّلُ بخطواتٍ دقيقةٍ، تُحْضِرُ الماءَ والعطورَ، وتغسلُ لك قدميْكَ وتقشِّرُ عنهما أزهارَ حديقتِها الـمُدَاسةِ، وأنت لستَ تعرفُ ماذا حدثَ بعد ذلك، حتى إنكَ لا تسمعها وهي تُتمتمُ لعينيْكَ الـمُغمَضتيْن «أنا المجدليّةُ. من فضلك»، وتُسَوَّيكَ المجدليّةُ على فراشِكَ وتُسوِّي نفسَها عليكَ « والآن، أخُونُكَ معكَ!» تخونُكَ معكَ نبيَّتـُكَ المفرودةُ بين ذراعيْك، وتختلطُ الأشياءُ عليكَ فتهمس لها بيقينِكَ اللحظيّ: «فعلنا هذا من قبل»، فتنفيَّ لكَ يقينَكَ ولحظتَكَ «أووم، لا! لم نفعل هذا من قبل»، وأنت لا تنكرُ أنكَ فكرتَ في أن تطرحَها عنكَ، فهي تغتصبُكَ الآن وتخونُكَ، فتهُمّ بأنْ تحدِّثها عن البحرِ الذي كانت تبغي عودةً إليه، فتبادِرُكَ «لا أعودُ إليه! من فضلك».
وتسكتُ، أنت الآن تسكتُ لأنهم تحدثوا دائماً عن خيالِكَ، واختاروا له أوصافَه من القاموس، وأنت لن تملكَ الوقوفَ ضد القاموس، ولن تستطيعَ الزهْوَ بغابتِكَ بمفرداتٍ لم يعرفوها. وتسكتُ. أنت الآن تسكتُ لأن مجدليتَكَ ساكتةٌ لك، تفكر بقتلِكَ، وبالسفرِ في رحلاتٍ دينية إلى بلادٍ حارةٍ لتبحثَ عن شبيهٍ لك، إنها لن تكفَّ عن الإيحاءِ إليكَ: «أريدُك مرتيْن! من فضلك»، وأنت، أنت لن تنكرَ أنك فكرتَ بقتلِها كي تتحاشى إلى الأبد كلماتِ قلبها «هذا انتحاري. أين انتحاركَ؟»، وأنت لا يُؤاتيكَ الآن أن تذكرَ أنها ظلَّتْ طوال ليالٍ كاملةٍ تتسلل من بين ذراعيْك وتجلس على الأرض لتكتبَ رسائلَها إلى أشخاصٍ كانوا يعرفونها؛ تكتب إليهم كتاباتٍ شفريْةٍ وتُوقِّـع باسمِ بادرة، وتلبس أقسى ثيابها زُرقةً، وتتزيَّن، وتذهب بعد انتصافات الليلِ إلى صندوق البريد عبر شارعٍ خافتٍ شبحيِّ الإضاءة تستسلمُ الزوجاتُ على جانبيه بمجدِهن الليليِّ الموسومِ بفِطْنةِ أرحامِهن، كانت تذهب وتعود لتندسَّ في فراشِكَ حزينةً وبديعة. إنكَ لم ترَها وهي تنزع الليلَ عن صندوق البريد وعن يدها حتى تعرف أن السحرَ وحده كان يُمشِّطُها لك في ليالي رسائلها البوهيمية، وكنتَ تنال كلَّ وجباتِكَ السامة الهانئة عبر صباحاتٍ فاتنةٍ استحسنَ العالَـمُ أن يخصِّصَها للتثاؤبِ في الصحيفة قبل أن يدُسَّ أعناقَه في الأربطة.
وبادرةُ التي لم تكن تقرأُ أبداً الرسائلَ التي تصلها ولم تقُلْ مرةً كلمةً لحاملِيها؛ كانت تنفق أوقاتاً طويلةً في ترتيبها وتحزيمها دون أن تفكر بفضِّ رسالةٍ واحدةٍ. وباتتْ قصتُها مع رسائلها في انتظارِ اكتمالٍ ما، حتى بدا لك أن أحدَهم سيرسلُ هيكلَه العَظْميّ يوماً بالبريد إلى دولابها حيث ستزيح له مكاناً وتضعه وتخبركَ عندئذٍ «إنهم عُشاقي! من فضلك!» وأنتَ تكاد تعرف أنها هي التي ترسل إلى نفسِها كلَّ الـمُلَغَزاتِ المحزونةِ المنبوذةِ ثم تتسلمها بطيبةِ الأمهاتِ المنعزلاتِ، وأنتَ؛ أنتَ لا تعرفُ أبداً.
* * *
كان الموتُ يلائمُها إلى أقصى الحدود، وهي لا تموتُ. لا تحملُ حدْساً محدداً عن موتها. ذكرتْ فقط أنها ستموتُ ضِمْنَ عددٍ كبيرٍ من الناس «سنقضي متلاحمين»، كانت تشوفُ، وتنزعُ للتعاملِ مع جسدِها بحياديةٍ مُشوِّقةٍ، وتجرِّبُ موتَها، وتصلُ إلى حدودٍ مُرعِبةٍ تنزعُ منها لصوتِها النبراتِ الوحيدةِ الـمُفصِحةِ عن رائيةٍ يائسةٍ، وتمنحني وقـتَئذٍ نفسَها بحنوٍ ووداعةٍ لتسيرَ الأمورُ وِفْقَ أماراتٍ فذةٍ، عزيزةٍ، حتى نهاياتٍ لا نهائية وَسْطَ مرحِ ضحكاتٍ حقيقيةٍ مُنقَذةٍ في لحظتها النادرةِ، ونسْكَرُ؛ إذْ كانت بادرةُ سِكِّيرةً جيدةً، تتوقف قبل حدود الهذيان والانتحاب لتثرثرَ كعادتها؛ كنا نتحدثُ عن أشياءٍ لم يتحدث عنها أحدٌ لأنها بالذاتِ خُلِقتْ للتوِ بصيغتها الأثيريةِ القديمة، القديمـة، المهجورة منذ بدأ العالَـمُ يعي أنه يسيرُ، وكنا ننشغلُ حتى في إحصاءِ الخيوط الناشزةِ في الشراشف، نرتلُ الأرقامَ بصوتيْن يرتعشانِ لأن أحبالَهما الصوتية لم تهجع بعدُ من الاشتهاء. وبادرة، في لحظاتِ السُكْرِ الفريدة تُعيدُ ترتيبَ كل شيءٍ بصورةٍ جارحةٍ، صورةٍ عاقلةٍ للمرةِ الصفْرِيّة؛ كأنْ ينحني البحرُ – مثلاً – انحناءةً جَسوراً يخلُفُ لنا بعدها مكاناً زاخراً بالرذاذِ البنفسجيِّ وفراغاً أبيض شاسعاً وهدوءاً ينتمي للموتِ الذي يكرهُهُ العالَـمُ، «لا أشجار أيضاً، لا بحار، لا أجراس، لا وسادات، لا سِجلات، لا مرايا، لا..»، تَفِيقُ بادرةُ «فلنذهب! من فضلك»، وتحمل معها الكُتبَ الأثيرةَ لديها؛ تلك الألواح الغامضة التي سيرثُها آخرُ عشرة أنبياء لحظةَ يقفلون أبوابَ الكوْنِ في ذاتِ نهارٍ أخيرٍ، كُتُبَ بادرةِ التي بشَّرتْ باللعنةِ حتى النهاية، والتي لم تُفهَمْ حتى الآن لأن أحداً لم يكتبها أبداً بل كان هناك منْ يندسُّ دائماً في اللحظةِ ويُسجِّلُ، يعْصُرُ الموتَ والسِحْرَ والحياةَ ويُسجِّلُ. ونحن الآن نستطيعُ الذهابَ إلى حيث البحر يُعْقَفُ ناشِراً وراءه الأرضَ الحريرية الملتهبة بكلِّ الإظلاماتِ المجبولةِ من الجحيم حيث يطيبُ للربِّ أنْ يُجرِّبَ مرةً إغماضَ عينيْهِ عنا فنشتعل أو نحترق أو نلتحم. نستطيعُ الذهابَ. كلُّ ما علينا هو أنْ نُصْغِي إلى القانونِ الجميلِ الذي يعملُ الآن فينا، والذي يُحتِّمُ اختصارَنا إلى ناجٍ واحدٍ فقط. وبادرةُ، التي هتفتْ للذهابِ، تنامُ تنـــامُ تنــــامُ الآن لأن النُعاسَ يُغالبُني، وشَعْرُها البُنيُّ المتماوجُ لا يزالُ ظافراً بحريتِهِ ويقظتِهِ ليؤجلني لحظةً تكفي لكي نفترقَ من جديد، تنامُ بالطُولِ الفارعِ والثِقَلِ الثقيلِ تُدفِّئُ الشرارةَ الـمُختبئةَ بين ثدييْها والـمُختلَسةَ من أولِ نارٍ أُوقِدَتْ «لستُ نائمةً! من فضلك!» فأعرفُ أنها تُهيِّئُني للحكاياتِ من جديد؛ الحكايات التي تربَّصتُ بها دائماً لأرى من أين تبدأ، وبادرة لم تكن تبدأ، لأنها كانت تسبق البدايةَ بعنفوانٍ لم يُمنَحْ إلَّا لميتةٍ تسيَّدتْ الموتَ، وتحكي عن جِدِّها الذي كانت تغسل له جواربَه وهي في الخامسة، وتحكي أنه كان يمتلكُ ملايينَ الجوارب، وأنها الوحيدةُ، في منزلٍ امتلأَ بالنساءِ، التي أُوكِلَتْ إليها المهمةُ كاملةً لتنتهيَّ دوماً في الوقت المناسب فتنفصلُ إلى جدِّها في حجرته الهوائيّة لتُغنِّي له أغنياتَه الـمُفكَكة الـمُفضَّلة دون أن تعيَّ شيئاً مما تغني؛ الأغنيات التي لم تُغَنَ أصلاً إلَّا بصوتها، في تلك الأمسيات البعيدة التي كانت تحرِّكُ فيها إصبعَها، الإصبع نفسها، التي تمتلكُ الآن خاصيةَ شَطْرِ الأرض كيما تلتحقَ الحكاياتُ بنهاياتها السحيقة، وجدُّها في الوقتِ جالسٌ إلى طاولة الطعام وَسْطَ العائلةِ الكبيرةِ، وهي بجانبه، ولا يلبثُ يُرَعِّشُ ملَّاحتَه فينتشرُ غبارُ الملحِ على طعامِه، وهي ستُقلِّدُه بينما لا أحدَ يلحظُها سواه، فيسقطُ الملحُ على طعامِها دفعةً واحدةً، فتوزِّعه، وتتذوَّق طعاماً لا يُطاقُ، ولكنها صامدةٌ وهو يراقِبُها، فتأكلَ الصخرَ كلَّه وهي تتمنى أن ينهرَها الشيخُ لتَكُفَّ، ولا ينهرها، ولا تكُفّ، ولا تمرض، حتى يلمحُها بعد دقائقٍ مُنزَويةً تبكي صامتةً، فيبكي لها، وتمرض.
وتصمت بعد ذاك لترنوَ إليَّ كما لو كنتُ أنا الذي انقطعَ إلى الصمتِ، مُتلاشِيةً كما لو كانتْ سَتَحِلُّ على صليبٍ «موعدُ البحرِ. من فضلك!» تُصْدِرُ حُكْمَها بعد قليلٍ، وتَجِزُّ أطرافَ جدائلِها بسكينِ مطبخٍ، وعبْر الفجر الدافئ تنزلق إلى الشارع. أَمُدُّ رأسيَّ من فضاءِ النافذة، أراها كائناً ليْليَّاً غيرَ حقيقيِّ تشي خطواتُه بأنه ذاهبٌ إلى البحرِ كي يُنِيمَ روحَه في مأزقِها، وأرى خطواتِها أشد زُرقةً من تلك التي يذهبون بها إلى البحرِ كي يمرَّ عليهم الزمنُ بطريقةٍ أخرى. كانت تبتعد عندما لم أستطع مقاومةَ يديّ وهي تشدُّ الستائرَ حتى تَخْلُصَ عيني لنومها المتدفقِ، الهائلِ . كانت تبتعد. لم أستطع.
* * *
ووحـدك! أنت الآن وحدك لأن الاتجاه الـمُفْضِي إلى الموتى لم يُبدَعُ بعد، وأنت؛ أنت ممتلئٌ بيقينِ أنكَ مُغْتَصِبُهُ ذات مرةٍ. يقين! أمَّا الآن، فليس ثمة اضطرارٌ لهذا، لأنها ستدخل بعد قليلٍ، بعد أن تمرقَ تحت حائطِكَ دون أن ترفع بصرَها إليك كما لو كانت عائدةً من رحلات صندوق البريد، وستفتح عنكَ بابَكَ لتُبَدِّل ثيابَها دون أن تجدَ الضرورةَ لمحادثتِك، ستراها غريقةً مُكتمِلةَ الغرقِ ووجهُهَا مُتشبِّثٌ بالتعبيرِ الأخيرِ الذي تخيَّلْتَهُ لأنهم نبذوه على كلِّ اليابساتِ التي ارتادتْ، واتهموا جثتَها بالغرقِ، فسئِمتْ، وعادتْ إليك ممتنةً لك بالتعبيرِ الأخيرِ، ومُفاجِئَةً وِحْدَتَكَ بإصبعٍ دافئة تلملمُ أكياسَ رسائلِها من على أطرافِ سريركَ «ميتةٌ أنا، يا حبيبي!» تهمس، وتتلو عليكَ أخبارَها، وأنت ستعجبُ عندما تعرف أنها لم تذهبْ إلى البحر وأنها لم تعُدْ إلَّا بغرقٍ قديمٍ وأنها قضتْ اليومَ في قطارات الدرجة الثالثة، تنتقل من واحدٍ إلى آخرٍ حسبما اتُفق لتغْرِسَ عينيْها في عيون المسافرين، «استجبتُ إلى كلِّ الإشارات التي دعتني إلى التعارف، والمحادثة؛ إشارات الحدِّ الأقصى، المنبعثة من الروح فقط»، وتُطْلِعكَ على قصاصات الصحف والـمِزق التي دوَّنوا لها فيها أسماءهم، وعناوينهم. أحدُهم، ذاك الذي تركَ لها كلَّ عناوينِه الـمُحتمَلة الـمُقبِلة، عَقَدَ معها موعِداً يحِلُّ بعد عشرين سنة في أحدِ أماكن الانتظار التي بدا أنه لم يكن يملكُ ما يدعْهُ يشكُّ في أن الوقتَ مُوجِدُها، « ولكنه لم يذكر السفرَ بكلمةٍ واحدةٍ. فقط، كان جميلاً إلى الحدِّ الذي لا يَعْتقُ من السفرِ». وأنت لا تكادُ تتعرَّفُ على خَطِّكَ وحروفِكَ في قُصاصاتِ المسافرةِ العائدةِ حتى تكتشف أنهم سجَّلوا لها كلَّ عناوينك السابقة، فيعتريكَ إحساسٌ بأنك بُعْثِرتَ أو لُمْلِمتَ وتسألها في نفْسِكَ: كيف ستكتبين إذاً إليهم؟ وهي تستطرد «لن أكتب. لم أعِدْ أحداً بشيء».
وتذهب بادرةُ لتجلِبَ الموْقِدَ الصغير، تضعه بينكما، وعلى اللهب الأزرق تُنْضِج لك قهوةَ الصباح وقهوتَها القاتمة، ثم تتمدد أرضاً ورأسها في ارتفاع اللهب، وتُخْرِج من جيوبها تذاكرَ سفرها الكثيرة، تشعِلها واحدةً واحـدةً، وتُنْبِئكَ مع اكتمالِ الرمادِ «وصلتُ من سفري»، وتهُمُّ لتجلسَ فتسقطُ منها، تسقطُ، تذكرةٌ أخيرةٌ لا تمتدُ لها يدٌ من الرباعي الـمُدَلَّى بين الأرْجُلِ التي اعتمدتْ أنفُسَها قرفصاءً لقرفصاءِ، ويَهُلُّ صمْتُكما الصباحيُّ، الأولُ، الـمُثْقَلُ بالطلاسمِ الخلَّابةِ التي لا تلبثُ تتخلقُ وتُنذِرُ بقدراتٍ لا تُحتَمَل، ويتكونُ صوتُكَ:
– تذْكرتُكِ! ألن تُشعليها؟!
– كـلَّا.
وتُشعِلها.
وأنتَ، يُغري الصمتُ فوضاكَ، ويخطرُ لك أن رمادَ التذاكرِ الكرتونية ليس إلَّا رمادَ سجائرها القديم وقد عادَ فجأةً، وتتعابثُ فيكَ الأوهامُ باللا أوهام، وتتوالدُ في اتجاهاتٍ مرصودةٍ وغير مرصودة، وتخلقُ كلَّ ما سوف تراهُ فيما بعد إذا كنتَ ستعيش عَشرَ مراتٍ أُخريات. ويزُفُّ الأزيزُ؛ يزُفُّ أزيزٌ له شُحنة مُرْجـِفَة، يمتلكُ ثِقلَه الماديّ، لا يُسمَعُ، لا ينفي السكوتَ. السكوتُ الذي لن ينكسرَ لصوتِكَ – ثانيةً – حين يلتئِمُ بالـمُشَوَّشاتِ:
– أنتِ لم تسافري قطْ!
– وأنتَ، أنتَ لم تنمْ قطْ!
وعندما تلتقي عيونُكما ستهبط معكَ، دون أن تُبيحَ لنفْسِها المروقَ من أمام المرآةِ لئلا تتورط في انتزاعِ نفْسِها، في نهاية الأمرِ، فيختلُّ شيءٌ ما، ويلتقطُكما الطريقُ المحاذي للبحرِ، وينساكُما بعد لحظةٍ، فتمشيان، تتحاشيان أن تتماسَّا. تتحاشيان ألَّا تتماسَّا. تتحاشيان انحساراتِ التجسُّدِ وجساراتِهِ. تتحاشيان، فتنتهيان إلى الخَطْوِ بإيقاعيْ مدينتيْنِ لَدُودَتيْنِ بينما تتناوبان الاختناقَ ببحرٍ واحدٍ مُتوحِّدٍ. تمشيان، والبحرُ على يمين. تنحدران. تطلعان. والبحرُ على يمينٍ، تمشيان، والخطواتُ تبذلُ نفْسَها مُشوَّشَةً، زرقاء، نفَّاذةً؛ نفَّـاذة إلى حدٍ لن يكونَ بوِسْعِكما إدراك كمالِهِ بينما يكون بمقدورِ الـمُتنزِهِين على الشواطئ أن يشاهدوكما تسيران بقامتيْنِ مشدودتيْنِ أكثر مما ينبغي، وتتوجهان إلى محطةِ القطارات كرصاصتيْنِ تهيأتا للأمرِ من قبل، تنْزلقان إليها دون أن تروجَ في خَطْوِكما تلك الفوضى الضرورية، تعبران شارعاً وشارعـاً وشارعــاً، وتُلطِّخَان الشارعَ الأخيرَ بخطواتٍ ليستْ للشارعِ الأخيرِ، وعلى باب المحطة الكبير ستُرِيكَ تذكرتَها ما بعد الأخيرة، ولا تدَعْكَ تدخلُ لتوديعها، بضراعتِها، ضراعةِ بادرة أخت السابينات، وحين ستزُمُّ شفتيْها، وتلُمُّ وجهَهَا للأمام، وتبتعد خطوةً، خطوتيْن، ستبدو لكَ خطواتُها ممحـوَّةً، هاربةً، مُتْرَعَـةً باللا حركة حتى لَربما صارَ في إمكانِكَ أن تتساءلَ – بينما لا تزالُ واقفاً -:
أكنتُ مفهوما!
أكنتُ مفهوماً على إطـلاق!

_________
(من قصص “صحراء على حِدة”)
1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “بادرة والأوقـاتُ الـمُغلَقة”

  1. قرأت هذه النص قبل سنوات في كتاب صحراء على حدة وقرأته الآن كأنما لأول مرة وأنا في حرمان شبه مستمر من النوم فأحسست بالكلمات تعزيني وتدخل معي إلى عالمي المشوش بين النوم واليقظة. هل نعرف بادرة ؟ هل نحسدها ؟ هل نريد أن نقبض ما لا يقبض ؟ ربما نحس فقط بدون تفسيرات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق