طباعة
PDF

موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب

الكاتب المجلة.

الدكتور  جيلالي بوبكر*

الملخص: تبحث المداخلة موقف الفكر العربي الإسلامي المعاصر من الغرب الحديث وحضارته، تمّ تحديد أبرز وأهمّ مميزات الحضارة الغربية، وهي العقلانية، الحرية والديمقراطية، الروح النقدية، العلمانية، العلمية، والتكنولوجيا، وتُعرف بقيّم الحداثة التي تشكّل في حقّها موقفنا الفكري العربي الراهن مستندا إلى مرجعيات خمس: تراثية، تاريخية، دينية، ثقافية، وواقعية، وتجلّى الموقف في ثلاثة تيارات كبرى: تيار حداثي مؤيد الغرب وحضارته، تيار سلفي ناقم على الغرب، وتيار توفيقي يجمع بين الاثنين، هذا التعدد والتباين في وجهات النظر لم يتجاوز عقبة جدل الأنا والآخر ولم يُنه الطرح السلبي لها.

مقدمة

ارتبطت علاقة العرب والمسلمين بالغرب وبحضارته في عالمنا الحديث والمعاصر بظروف تاريخية وثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية، تناولها الفكر العربي والإسلامي في سياق جدلية الأنا والآخر، الأنا يمثل الذات العربية والإسلامية التي تعيش التخلّف بمختلف صوره وفي أقصى درجاته، والآخر يمثل الغرب الأوروبي وأمريكا الشمالية وفيها أمم تمتلك الحضارة وتحتكر شروطها، تعددت وتنوعت المواقف في فكرنا العربي المعاصر تجاه الرقي الحضاري الحديث والراهن، حسب تعدد وتنوع استجابات المفكرين والباحثين العرب والمسلمين للفكر الغربي ولتوجهاته السياسية والاقتصادية والدينية وغيرها، التي أخذت طابعا إيديولوجيا اتسم بالشمولية وتجلّى في العولمة بأبعادها وتداعياتها التي تنفذه بواسطة آليات شتى، في هذا السياق يُطرح سؤال طبيعة الموقف الفكري العربي المعاصر من الحضارة الغربية، لأنّه يرتبط بسؤال النهضة والتأسيس لها في سياق علاقة الأنا فكرا وتاريخا وثقافة وحضارة بالآخر.

1- مميّزات الحضارة الغربية

الحداثة مفهوم واسع يدل على اتجاهات ومواقف وأعمال نقدية كثيرة في المجتمع والدين والأخلاق والأدب والسياسة والعمران وغيره، كما يدل على إنكار دور التقليد والتقاليد والماضي والحرص على إيجاد توجّهات جديدة تلغي المطلق المقدس في النظر والعمل وتُقوّي دور الفرد وتؤكد حريته، والحداثة هي حركة نقدية مناهضة لتقاليد الكنيسة الرومانية الكاثوليكية نشأت في بلدان أوربا الغربية وفي الولايات المتحدة الأمريكية في القرن التاسع عشر الميلادي، دعت الحركة إلى إعادة قراءة وتفسير الدين والنصوص الدينية من منظور تاريخي علمي سيكولوجي فلسفي عرفه القرن التاسع عشر، وتناول الدين ونصوصه برؤية نقدية صارمة وفاحصة، الأمر الذي جعل الكنيسة الرومانية الكاثوليكية تُدين رواد  هذه الحركة وتعتبرها خارجة على قيّم النصرانية ومبادئها. أما في الحياة الأدبية والمعمارية والاجتماعية عامة فإنّ مفهوم الحداثة يختلط بمفاهيم أخرى كثيرة منها التنمية والتحديث والمعاصرة والتجديد والتقدم وغيرها، ويظهر هذا الخلط بجلاء في الخطاب الفكري الثقافي العربي الإسلامي، بين مفهوم المعاصرة التي تدل ضمنيا على التطور والتجديد والتحديث وبين الحداثة التي هي فكر نقدي غربي لما هو ديني كنسي.

ارتبطت الحداثة بالحقبة التاريخية التي عرفها القرن التاسع عشر الميلادي، حيث عرفت قيّم الحداثة أوجها في النظر والعمل، وكان للعرب والمسلمين دور كبير في التأسيس والتأصيل للفكر الحداثي حتى قيل:"ولو لم يظهر العرب على مسرح التاريخ لتأخرت نهضة أوربا الحديثة عدة قرون"1. وتميّزت الحداثة بصفات طبعت بقوّة عطاء هذه الحقبة، اختلف المفكرون في التعبير عن هذه الصفات وعن أسبابها ونتائجها، فالحداثة تعني النهوض بشروط العقل والنقد ولوازم التقدم وأسباب التحرر، فاقترنت الحداثة بالعقلانية والروح النقدية وبالازدهار العلمي والتكنولوجي والاجتماعي وبالحرية والديمقراطية والتعددية، وتعني من وجهة نظر أخرى ممارسة الإنسان لسيادته بواسطة العلم والتقنية في المستويات الثلاثة الطبيعة والمجتمع والذات، وتعني لدى البعض طلب الجديد في النظر والعمل والحياة عامة والعقلنة وحقوق الإنسان وقطع الصلة بالدين. والحداثة كحركة نقدية ظهرت بذورها الأولى في القرن السادس عشر والقرن السابع عشر من خلال الصراع الذي قام بين السلفيين والمجددين واستمر هذا الصراع حتى القرن التاسع عشر وانتهى بغلبة أنصار الحداثة والتحديث وارتبط ذلك تاريخيا وحضاريا عبر ثلاثة قرون ومن العديد من التحولات الإستراتيجية الكبرى أهمها النهضة في إيطاليا و الإصلاح الديني في ألمانيا والثورة العلمية والثورة الصناعية في انجلترا و الثورة الفرنسية، هذه التحوّلات أفرزت المبادئ الأساسية للحداثة والتحديث، وأهم هذه المبادئ مبدأ الرشد الفكري وعدم التبعية للغير ومبدأ النقد الذي يقوم على التعقيل والتفصيل أو التفريق ومبدأ الشمول ومبدأ التوسع ومبدأ التعميم، هذه المبادئ عجّلت في انتشار الحداثة وتوجهاتها في الغرب الأوربي وفي الولايات المتحدة الأمريكية وفي مختلف أقطار العالم إذ صارت الحداثة وتوجهاتها السبيل الوحيد للخروج من التخلف وبلوغ التقدم والازدهار.

يتضح مما سبق أنّ الحداثة ليست مفهوما سوسيولوجيا بحتا وليست مفهوما سياسيا محضا وليست مدلولا تاريخيا صرفا ولكنها ميزة حضارية تعارض صبغة التقليد، وهي كمدلول حضاري تتركب من عدة مقومات يختل مدلولها عند غياب أي مقوم من مقوماتها، ومقوماتها هي العقلانية والنقدية والحرية والعلمية والعلمانية والتعددية وكل هذا يقوم على التوجه الليبرالي  الذي يقوم على الإيمان الراسخ بالنزعة الفردية القائمة على حرية الفكر والتسامح واحترام كرامة الإنسان وضمان حقوقه في الحياة واعتبار المساواة هي أساس التعاون وهي منطلق لاحترام الأفراد ولضمان حريتهم، ويغيب دور الدولة في تحديد العلاقات الاجتماعية وفي ضبط الأنشطة الاقتصادية إلاّ في حالة الإخلال بمصالح الفرد والمجتمع. ومن الناحية السياسية يقوم التوجه الليبرالي على تكريس سلطة الشعب وتحقيق سيادته عن طريق التعددية السياسية وتعدد الأحزاب والمنظمات والجمعيات وتعدد البرامج وغيرها وعن طريق الاقتراع العام، وذلك من أجل التعبير عن إرادة أفراد المجتمع والتخلص من الفساد واحترام مبدأ التداول على السلطة والحكم ومبدأ الفصل بين السلطات وخضوع هذه السلطات للتعديل لضمان الحريات الفردية والحد من الامتيازات الخاصة ورفض العمل والممارسة بعيدا عن المؤسسات المعبرة عن إرادة الشعب برمته، وهذا ما يعرف بدولة القانون والمؤسسات، بما أنّ الليبرالية توجه يعتمد على قيّم حرية الفكر والرأي والتعبير والتسامح واحترام الآخر والإصغاء إليه فإنّها تحترم مبادئ السلم العالمي، حقوق الإنسان، الحفاظ على البيئة، نزع أسلحة الدمار الشامل، احترام وتطبيق قرارات الشرعية الدولية في النزاعات، وتشجع على العولمة وعلى الحوار بين الحضارات وبين الأديان لتشمل إشكاليات معرفية وعلمية، فتتحدد العلاقة بين الحداثة وغيرها من التوجهات الثقافية والدينية والتاريخية لشعوب العالم فيحصل التأثير المتبادل بين الحضارات ويستفيد الجميع من الحضارة الحديثة والمعاصرة.

المتأمل في واقع الفكر الليبرالي الذي تبنى الحداثة بكافة أنماطها وتبنّته قد عرف انتشارا كبيرا في العالم أجمع أثناء العقود السابقة، ونظرا للتواصل الفكري والثقافي والسياسي مع الغرب انتشر الفكر الليبرالي الحداثي في العالم العربي والإسلامي المعاصر، من خلال عدد من المثقفين والباحثين والمفكرين الذين تشبعوا بأفكار الحداثة والليبرالية وحرصوا على نقلها وزرعها في أوساط الجماهير العربية والإسلامية لانتهاجها في الحياة الثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها، وتبنت العديد من الجهات الرسمية الحكومية في العديد من دول العالم العربي والإسلامي الحداثة والفكر الليبرالي بعد تحررها من الاستعمار، ولما كانت تلك الدوائر الرسمية والجهات الحكومية قريبة من الاستعمار والغرب، لكن من جهة أخرى لقيت حركة الحداثة والليبرالية معارضة شديدة من طرف تيارات إسلامية وأخرى قومية عربية وقومية اشتراكية، ولم تكن هناك قناعة تامة بالانتماء الفكري للحداثة ولليبرالية لدى الكثير من أبناء الشعوب العربية والإسلامية، إلاّ النخبة التي درست في الغرب واطلعت على تراثه وثقافته وحضارته، وقامت محاولات عديدة لطمس الهوية الدينية والثقافية والتاريخية والقومية والعمل على إجبار الشعوب بتمثل الفكر الليبرالي وثقافة الحداثة على النمط الغربي وتسييسها بالفكر الليبرالي ونهج الديمقراطية، وقام الصراع على أشدّه في الفكر العربي الإسلامي بين أنصار الليبرالية والحداثة ومعارضيهم من الإسلاميين وغيرهم، وأما هذا الجدل الواسع حول مفاهيم الحداثة والليبرالية والعروبة والإسلام وغيرها في الفكر العربي الإسلامي المعاصر لم يحدث أيّ تغيير يُذكر في جدوى الدلالات والقيم الفكرية والفلسفية الضرورية للنهضة الإصلاحية، وذلك لغلبة الشعارات الدعائية على الأطروحات المقترحة هذه الشعارات التي لا يعنيها أن تتحقق في الواقع أو حتى السعي نحو تحقيقها في المستقبل مادام الغرب هو الوجهة والمصدر والانتماء ومصلحته فوق كل اعتبار.

مع مرور الوقت اشتد الاختلاف واحتدم الصراع بين أنصار الحداثة والليبرالية وبين معارضيها في المجتمعات العربية والإسلامية وهي مجتمعات تراثية تاريخية تعيش على الماضي ولا يمكنها التخلي عنه، ومن التيارين الاثنين التيار الليبرالي والتيار السلفي ظهر تيار آخر يحاول من جهته تجاوز أزمة التخلف وحل إشكالية الحداثة بمنهج يجمع بين الليبرالية والحداثة والتراث، ويركب ويوحد بين التراث والوافد، وقامت دعوات عديدة تدعو إلى عدم الاكتفاء بالقول بأنّ التراث وحده يكفي، وبالموقف الذي يرد الحلول كلها إلى التراث الروحي الديني، الكتاب والسنة،  الإسلام عقيدة وشريعة، فالقول يكون صحيحا والموقف يكون سديدا في حالة واحدة هي الاجتهاد في قراءة التراث واستثماره من غير تعصب للفرق والمذاهب التي يعتبرها الكثير من المهتمين بدراسة التراث فرقا ومذاهب ذات أبعاد سياسية وصراعاتها حزبية، وفي حالة التحرر من تأثير السياسة في الرؤى الاستشرافية وفي التوجهات نحو قضايا الحاضر والمستقبل بروح نقدية تعتبر المقاصد والمصالح، في هذه الحالة يمكن الاعتماد على الإسلام عقيدة وشريعة لأن التراث في هذه الحالة يصبح لا يمثل ما تركه لنا الأسلاف من اجتهادات بل يمثل بالإضافة إلى ما تركه الأسلاف ما تمّ التوصل إليه من اجتهادات تتمثل في حلول لمشكلات الحاضر والمستقبل، فيجتمع الماضي والتراث بالحاضر والعصرنة أي اجتهاد الماضي باجتهاد الحاضر.

إنّ بذل الوسع والعطاء في التوحيد بين ما هو في الماضي وبين ما هو في الحاضر يمثل الدلالة الحقيقية لمعنى التجديد، وحسب تصور بعض المفكرين المعاصرين للموضوع هو أنّ التجديد المراد في الإسلام الذي يتناول ما جاء به الإسلام ببيان ما جاء في العقيدة والشريعة للناس، أما ما جاء خارج العقيدة والشريعة من العلوم والمعارف والأفكار والمناهج في السياسة والاقتصاد والبحث العلمي والصناعات فهذه لا صلة لها بمعنى التجديد بالمدلول الفقهي الإسلامي، ولا صلة لها بالتراث الإسلامي كتراث خاص بالمسلمين وملك لهم حتى وإن كانت من إنتاج أسلافهم، فإنتاج أسلافهم في ميادين العلوم العقلية والتجريبية والفنون والصناعات هو جزء من التراث الإنساني العالمي، هو إسهام حضاري للأسلاف وحضارتهم في التراث الإنساني الحضاري العام، وارتباط التراث الحضاري الإنساني العام في ميدان الفلسفة والفن والأدب والعلوم والمناهج والنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية يبقى دوما متصلا بالماضي، وإذا كان الذي يطبع العصر الراهن هو حصول التقدم بوتيرة سريعة جدا فإنّ الشرعية العلمية تُضفى على العلوم الرياضية والتجريبية من خلال أخطاء العلم والأمر نفسه في العلوم الإنسانية والاجتماعية، لأن تاريخ هذه العلوم هو تاريخ لنظريات ومواقف لم تعد مشروعة في عصرنا، تجاوزها العصر وأصبحت تراثا، هذا ينطبق على جميع العلوم التراثية اليونانية والعلوم ما قبل اليونان وعلوم العصور الوسطى وعلوم العصر الحديث، مما يدل على عدم وجود معنى للتجديد بالمفهوم الإسلامي في المجال العلمي العقلي والطبيعي والإنساني لارتباط التفكير العلمي بالإنسانية ماضيا وحاضرا ومستقبلا على الدوام، ولارتباطه بالتراث الإنساني العام كلّما أصبح في الماضي.

الحداثة حسب المنظور التوفيقي في الفكر العربي الإسلامي وفي تناول الجانب الروحي الديني يدعو أصحابها إلى الاجتهاد في القديم والحرص على تجاوزه بواسطة التحرر من عوائق التقدم فيه، لأنّ الحداثة في حقيقتها انقلاب على التراث القديم لإبداع تراث جديد، وهي في عصرنا في العلم أو في غيره من حقول المعرفة والفكر وفي مجالات الحياة عامة لا ارض لها ولا تقبل الانحصار، فهي كاسحة وغازية إن لم يستوعبها الإنسان وأخذ بها أخذته، وإن اعتزلها اعتزلته ورمت به خارج الحاضر والمستقبل، والتجاوب مع الحداثة لا يعني البتة الإعراض عن التراث والسقوط الحر في أحضان الحضارة المعاصرة التي هي حضارة الآخر، فالانتظام في التراث شرط تأسيس وتأصيل الحداثة، ويدعو الكثير من المفكرين في العالم العربي المعاصر إلى إعادة بناء العلاقة مع التراث من منظور حداثي وبكيفية حداثية، فالحداثة المطلوبة هي تلك التي تبدأ باحتضان التراث واستيعابه وإعادة قراءته وإحداث جملة من الفواصل بين الحاضر والماضي للوصول إلى تراث جديد مرتبط بالتراث القديم على أساس الذاتية والهوية والمحلية، ومستقل عنه ومتصل بالعصر وبالإنسانية على أساس الشمولية والعالمية، ويخلص مفكرو العالم العربي والإسلامي المعاصر بأنّ هذا الأخير قد تزداد المسافة طولا واتساعا بينه وبين الحداثة إذا ما أعرض عنها كليا فترميه خارج العصر وخارج الحاضر والمستقبل، لأنّ الحداثة أصبحت أساس الحياة في كل مجالاتها، الحداثة في الفكر والثقافة والفلسفة والعلم وفي السياسة والاقتصاد وفي الحياة الاجتماعية عامة، فهي ضرورية لإنتاج المعرفة ولإنتاج التقانة ولإنتاج المؤسسات التي تحمي حقوق الإنسان وتحقق ممارسة هذه الحقوق والحريات الفردية والاجتماعية، وبما أنّ الحداثة صارت مفروضة على الجميع باعتبارها السبيل الأوحد لمسايرة الركب الحضاري المعاصر ولربط الحاضر بالمستقبل، المستقبل الذي يجب أن يكون للعالم العربي والإسلامي حضورا إيجابيا فيه ومن صانعيه، وكان للعرب والمسلمين من قبل الدور الأكبر في الإسهام التاريخي والحضاري في أوربا في العصر الوسيط في غربها وفي شرقها، "أما صقلية فاستولى النورمانديون في سنة 1092ميلادي عندما حلّوا محل العرب. مع ذلك وظّف الملك النورماندي روجر الثاني العلماء العرب في بلاطه وشجع عليهم وتأثّر ملوك النورمانديين بالثقافة الإسلامية الزاهرة، فوصلت صقلية إلى ذروتها في حكم جيوم الأول وابنه روجر"2.

2- مرجعيات موقف الفكر العربي المعاصر من الغرب وحضارته

أ-التراثية:

التراث في موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية مسؤولية شخصية وقومية وأُممية في إطاره الحضاري التاريخي، فلا سبيل إلى التخلص من الأزمة التي يعيشها العالم العربي والإسلامي في غياب قراءة التراث وإعادة بنائه وفق مقتضيات الواقع المعاصر، لأن شعوب العالم العربي المعاصر تعيش على التراث وهو مخزون نفسي حالّ في نفوس أبنائها يؤثر فيهم شعوريا ولا شعوريا، وأيّة محاولة لتجاوز الأزمة خارج التراث ومن دونه هي ضرب من الوهم ونهايتها الفشل، والأمر يختلف عما حدث في الغرب الأوربي، حيث قامت النهضة الأوربية الحديثة بعدما تعرّضت كل جوانب التراث للنقد والهدم، لأن الموروث التاريخي الغربي آنذاك ارتبط بجوانب مظلمة فكرياً وسياسياً واجتماعياً و دينياً، يجب أن تسقط وتقوم مذاهب وأفكار ومعارف مشرقة تنويرية كانت هي بدايات النهضة الأوربية والحضارة الحديثة والمعاصرة. أما التراث عندنا فيمثل جوانب مشرقة في الثقافة العربية الإسلامية وهو صورة ومادة الحضارة الإسلامية الزاهية التي بلغت قوّة أوجها وعزّتها. فالتراث في الفلسفة وفي المشاريع النهوضية الفكرية الحديثة أو المعاصرة في عالمنا العربي يمثل منطلق البحث والدراسة، لا غنى عنه لأنّ الواقع العربي المعاصر واقع تراثي تاريخي ماضوي، الماضي حاضر في النظر والعمل يقود الفكر وحركة الفكر والمادة معا، لا سبيل إلى أيّة ممارسة من دونه في الحياة عامة، على السنّة التراثية السلفية ذات الاتجاهات المتعددة أو على النهج التجديدي الثوري اليميني أو اليساري مثل ما يدعو إليه المفكر طيب تيزيني في مشروعه "التراث والثورة" وكذلك المفكر حسن حنفي في مشروعه "التراث والتجديد"، أو الحداثي التغريبي بمختلف توجهاته الحديث والمعاصر، أو على الطريقة النقدية عند محمد عابد الجابري أو عند محمد أركون أو على المسلك التوفيقي كما يفعل الكثير من المفكرين المعاصرين، فالتراث مبتدأ "وموضوع البحث والدراسة، وهدف التجديد في واقع يتعاطى مع الموروث والوافد، وهو في أمسّ الحاجة إلى التغيير والتجديد ليساهم إيجابيا بدوافع وشروط الإبداع التي يتضمنها في داخله في تغيير العصر وفق مستجدّاته ومقتضياته الراهنة"3.

ب-التاريخية:

سمة التاريخية تطبع الفكر العربي والإسلامي المعاصر وتطبع مناهجه وأبحاثه ونتائجها، فالتراث يمثل الجبهة الأكبر والأكثر تفصيلاً والأكثر ارتباطاً بالهوية الحضارية للأمة التي وُجدت البحوث الفكرية والمشاريع الثقافية والحضارية لأجلها سواء كانت سلفية أو حداثية أو توفيقية أو نقدية أو غيرها، فالتراث هو الأعمق والمتجذّر والممتد في التاريخ وفي القريب والبعيد الغابر، ظاهرة التاريخية مرجعا ومنهجا ومبتغى وُجدت في الماضي وما زالت تشكّل المخزون النفسي والاجتماعي والحضاري المؤثر في السلوك شعورياً ولا شعورياً، بوعي وبغير وعي، وكأنّ لا حاضر للأمة فهي تعيش الماضي في الحاضر وتعيش المستقبل من خلال الماضي الذي هو الحاضر، لذا يشتغل الفكر العربي الراهن على الموروث التاريخي ويحمل اسمه، ويمثل تجديد الموروث التاريخي وتحويله إلى طاقة يقتضيها الواقع المعاصر في تغييره لكي لا يعيش الماضي لأن الماضي له ظروفه بل يعيش ظروف ومقتضيات الحاضر. كما يصطدم الفكر العربي التراثي بالوافد الغربي الموروث القديم والحديث والمعاصر، وفي دراسة ونقد الموروث القديم بنوعيه العربي الإسلامي والغربي الأوربي تُستخدم المناهج التاريخية وتحتاج البحوث إلى أساليب هي التحليل التاريخي والتركيب التاريخي والتفسير التاريخي وغيرها من مناهج البحث والدراسة التراثية والجديدة، كما ارتبط تراثنا العربي الإسلامي واتصل تاريخنا الذي هو سياق موقفنا الحضاري في جميع مشاريعنا القومية من الأنا والآخر منذ القديم حتى الآن بكافة العناصر المكونة للهوية العربية الإسلامية على امتداد الزمن، فمن العصر الجاهلي وما عرفه من بيئة بسيطة، إلى صدر الإسلام، إلى العصر الذهبي، إلى عصر الضعف والانحطاط، إلى الحروب الصليبية، إلى الاستعمار الغربي الحديث للعالم العربي والإسلامي، إلى العولمة وراهن العرب والمسلمين، كل هذا وراء الفكر العربي المعاصر ووراء موقفه من الأنا والآخر تاريخا وحضارة.

ج-الدينية:

ارتبط العرب قبل الإسلام بالفكر الديني، فعرفوا العقائد والتعبد من مصادر شتى داخلية ودخيلة، وتأرجحت أفكارهم الدينية بين الوثنية المفرطة التي أخذت نصيبها الأكبر لديهم والتوحيد الذي ضاق به أفق الفكر والسلوك الرحب، فعاش على هامش اهتمامهم الديني والتعبدي، لذا يُسمى الكثير هذه الحقبة بالعصر الجاهلي لجهل أهلها بربهم الواحد، وبعد مجيء الإسلام واتساع بيئته لديانات وثقافات أخرى سبقته، شكّل هذا الوضع الجديد عامل تطور وازدهار في جميع مجالات الحياة، فكريا ودينيا وعلميا واقتصاديا واجتماعيا، وشهد العرب والمسلمون عصرا ذهبيا قامت فيه حضارة راقية في مصورتها ومحتواها، استطاعت أن تحصد ما عجزت ديانات وحضارات وثقافات أخرى أن تحصده طيلة عهود، وجمعت بين الوحي والعقل، وبين النظر والعمل، وبين الدين والدنيا، وبين السياسي والأخلاقي، وبين الأرض والسماء، فالإنسان خليفة الله في الأرض يزرع الخير ويمنع الشر، حضارة انفتحت بحكم تعاليم الإسلام السمحة على العالم المحيط بها، فنهلت منه تاريخا وثقافة وعلما ودينا وحضارة، فاستوعبت وتأثرت وأربت وزادت على سبيل العمق والجدّة والإبداع بالدقة والكفاية المطلوبتين، فكان لها من دون شك التأثير الجلي والملموس على تكوين الأفكار الحديثة في العالم الحديث غربا وشرقا، خاصة في تكوين الفكر الأوربي الحديث والحضارة الغربية، على المستوى النظري والعملي معا، وإذا كان الموقف الحضاري الغربي الذي كان وراء النهضة الأوروبية ووراء مشروعها الحداثي الكبير الذي يتضمن الموقف الحضاري وينطوي عليه المنتهي إلى إبداع على غير مثال سابق علميا وتقنيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا قد قام بنجاح وعمل بتفوق منقطع النظير على أشلاء الموروث العلمي والفلسفي وعلى أنقاض التراث السياسي والديني الكنسي للخلل الذي عرفه هذا الموروث وللفساد الذي سببه للإنسان على امتداد حقبة تاريخية مهمة، فإنّ الأمر يختلف تماما مع الموروث الإسلامي الذي لو تمسك به أهله وتمّ تفعيله واستثمار ما فيه من جوانب مشرقة ومشرفة ما شهد الإنسان في العالم العربي المعاصر الكثير من المشكلات، حتى أنّ الكثير مما توصلت إليه الحضارة الغربية من إبداعات في عالم الفكر والعلم والفن والسياسة والاقتصاد وغيره يعتبر عودة إلى الماضي واستعادة لما عرفه العرب والمسلمون من قبل، فالفكر العربي الإسلامي المعاصر حاضر بقوّة في موقف مفكرينا وفلاسفتنا وفي مشاريعهم الثقافية والفلسفية في عالمنا المعاصر وقبله، لأننا أصحاب فكر ديني وثقافة تراثية وتاريخ حضاري تأسس على الدين الذي يقبع من دون شك وراء واجهة الحضارة الغربية، على الرغم "مما تحقق بعد الاعتماد على العقلانية وعلى الحرية وعلى العلم والتكنولوجيا، صار التوجه الحديث للغرب الأوروبي عقلاني علمي حر، ولما أقصى هذا التوجه كل ما هو مقدس وغير عمي أخلاقيا كان أو دينيا أو غيره، واهتم فقط بما هو طبيعي موضوعي وبشري، وبما هو دنيوي لا ديني ترسّخ الطابع العلماني في الثقافة الغربية، وأصبحت ذات قيّم استوحاها الإنسان من وعيه التاريخي الحضاري الحداثي والتحديثي في مضمونه وفي المرحلة التاريخية بتحولاتها وتطوراتها المختلفة"4.

د-الثقافية:

تعرف الثقافة العربية امتدادا بعيدا في التاريخ على الرغم من ارتباطها بالعرب قوما ولغة وتاريخا وجغرافيا لم يمنعها من الاتساع والازدهار، كما تشهد ثراء كبيرا على المستويين النظري والعملي معا، ولما جاء الإسلام ازدادت هذه الثقافة غنى وتوسعا، لكون القرآن جاء بلسان عربي مبين، واشترط الإسلام التعبد في الصلاة باللّغة العربية لا غير، فكان ذلك تسويقا للغة العربية في مختلف بقاع المعمورة، أينما نزل الإسلام وحيثما ارتحل المسلمون حضرت لغة العرب وحضرت معها ثقافاتهم، من أفكار وعادات وتقاليد وأعراف وأخلاق وسيّر وحكم وأمثال وتراجم وغيرها، لأنّ اللّغة ليست مجرد أداة تواصل وتخاطب وتفاهم فحسب، بل هي فكر ورسالة وخطاب يعكس ثقافة وشخصية أصحابها كما يعكس انتمائهم التاريخي، حتى أنّنا نجد من يعتبر اللّغة المقوّم الأساسي والوحيد لإنشاء الأمة وقيامها وتحديد هوية الإنسان وانتمائه الاجتماعي والتاريخي، استطاعت اللّغة العربية أن تحتضن بسعة صدر حوامل ثقافات وديانات وحضارات أخرى قبل الإسلام وبعده، فقبل الإسلام ارتبطت بحضارات عريقة وعلى الرغم من بيئة الجدب والقحط الجغرافية عرف العرب وعرفت لغتهم القيّم في الفكر والعلم والسلوك وفي سائر جوانب الحياة، أما بعد الإسلام انفتحت اللغة العربية على كل اللّغات وجميع الثقافات والحضارات وكافة الديانات أخذا وعطاء تأثيرا وتأثرا حفظا ونقلا وأربا، الأمر الذي أثرى ثقافة العرب والمسلمين، الذين أخذوا من الثقافات الشرقية القديمة المصرية والفارسية والهندية والصينية وزادوا عليها، كما نهلوا من الثقافة اليونانية وأربوا عليها بل تجاوزوها، ووقفوا على ما فيها من جوانب القوّة أصالة وإبداعا، وكشفوا عن ذلك لأمم العالم وشعوبه ومنها الشعوب الأوروبية التي كانت تعيش في غياهب وظلمات العصر الوسيط آنذاك، ولم تكن مطلعة على ثقافة سابقيها أو غيرهم بسبب ما كان يمارسه الحكم اللاهوتي الكنسي من قمع فكري واستبداد سياسي وفساد اجتماعي وبسبب انتشار الأمية والجهل والفقر والاشتغال بالفتن والنزاعات والحروب، لكنّ ثقافة العرب والمسلمين في هذه الفترة كانت في قمّة عطائها وتقدمها، واستمرت الثقافة العربية الإسلامية تتعاطى مع التاريخ والواقع حتى النهضة الأوروبية الحديثة وما تميزت به من إبداع حضارة تختلف عن مثيلاتها السابقة في توجّهها  العلمي التكنولوجي المادي اللاّديني، والطابع العالمي للنهوض الحضاري الغربي الحديث جعل من منتجاته الفكرية والثقافية عناصر مهمة في الثقافة العربية الإسلامية التي اتسعت لهذه المنتجات وتفاعلت معها بين القبول والرفض وبين التحليل والنقد، فزادها الأمر ثراء، ومن جهة أخرى ازداد الأمر تعقيدا بعد تعقيد العلاقة بين الأنا والآخر في سياق ما تعاني منه ثقافتنا من تخلّف وانحطاط.

هـ-الواقعية:

يمثل الواقع الجبهة التي يتعاطى معها الفكر في العالم العربي والإسلامي المعاصر، يؤثر فيها وتؤثر فيه، تشكله ويشكلها، والواقع في وطننا العربي الراهن مأزوم في جميع جوانبه، فكرياً وثقافيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعياً، متأزم حضاريا، والمشاريع الفكرية والحضارية الحديثة والمعاصرة حاولت أن تقدم نظرية في تفسير الواقع انطلاقاً من التراث بنوعيه الموروث والوافد، ورسالة الفكر في هذه المشاريع موجّهة أساساً إلى الواقع، فالفكر والمفكر شهادة على العصر وعلى الواقع، وقد تكون هذه الشهادة استشهاداً فيكون المفكر شاهدا على عصره وشهيداً له مثل الحال التي عرفها سقراط الفيلسوف اليوناني فكان فعلا وحقّا شهادة حق تاريخية في حقبة تاريخية تهاوى فيها العقل واليقين وسقطت مكارم الأخلاق عزّ العدل فاستشهد سقراط في سبيل كل ذلك، واقترنت نكبته واستشهاده بنكبة واستشهاد نور الحقيقة والعلم والحضارة والتاريخ في إحدى حقبه. فهو يكشف الواقع بحلوه ومرّه من خلال تحليله وعرضه وتحريكه، والفكر هو التعبير عن حركة الواقع والواقع من جهته يعكس الفكر في السلب والإيجاب. الواقع حركة مستمرة، يتجاوز حاضره إلى مستقبله والتجاوز هنا إلى الأمام في حركة التاريخ. الواقع بطبيعته يتجه إلى الانتقال من مرحلة إلى أخرى، فالواقعية إستراتيجية ومرجعية تطبع الفكر العربي الإسلامي المعاصر بطابعها في المبادئ والمنطلقات وفي السبل والأساليب وفي المبتغى. فالمبدأ الأساسي هو التعاطي مع الواقع أولا والاشتغال خارجه هراء وعبث، فالواقع موطن العمل الفكري والاجتماعي والثقافي والمادي وبؤرة البحث عن القوّة والضعف في الذات وفي الغير، والبحث عن معوقات الإصلاح والنهضة وموانع الإبداع والتفوق، وتحديد شروط تغيير الواقع وتطويره. الفكر العربي الراهن يرجع إلى الواقع ويعطي الأولوية للتحدّيات الراهنة فيه، لأنّ في الواقع تتحقق مصالح الناس العامة من خلال التفاعل مع هموم الفكر والواقع، وهموم الواقع هي هموم الفكر والثقافة، والواقع العربي الإسلامي الراهن مأزوم، تواجهه تحدّيات كبرى، أبرزها تحدّي النهضة وما تقتضيه، وتحدّي الحرية والديمقراطية والأمن، وتحدّي التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحدّي العلم والتكنولوجيا، وتحدّي العولمة وغيره من التحدّيات، وكلّ من هذه التحدّيات ينطوي على عدد كبير مما هو جزئي، الفكر مُطالب بالتعامل معها جميعا بإيجابية، "وصلة الوحي بالواقع بوضوح صلة نظر بالعمل وأولوية الواقع على النص والمصلحة على الحد والتاريخ على الحرف مستمد من أولوية النظر على العمل5 و"هو اختيار رئيسي في كل حضارة وهو الاختيار وراء قيامها وانتشارها قبل أن تُهزم وتتوقف، فيتحول الهم العملي إلى هم نظري، هو الاختيار الذي يبني الدول ويقيم العمران كما حدث في عصر الفتوحات الإسلامية الأولى"6. وموقف فكرنا العربي نحو الأنا أو نحو الآخر في الغرب أو في الشرق تحدده هذه المرجعيات، التراث والدين والتاريخ والثقافة والواقع.

3- الفكر العربي المعاصر والحضارة الغربية

إنّ موقف الفكر العربي والإسلامي المعاصر من أناه ومن التاريخ والماضي ومن التراث ومن المستقبل والغير في الغرب أو في الشرق، كل هذا ينطوي عليه الموقف الحضاري العربي الإسلامي الراهن، الذي يعكس درجة الوعي العربي الإسلامي في التاريخ ومدى استيعابه للحراك الإنساني الاجتماعي ولقوانين هذا الحراك، ليكون الفعل على بيّنة والتدخل على دراية، بعيدا عن فوضى الأفكار واختلال الأفعال، هو ما عانى ويعاني منه عالمنا العربي والإسلامي، وموقف الفكر العربي والإسلامي المعاصر مما سبق ذكره جزء من المشروع الفكري والثقافي وطنيا كان أو قوميا أو أمميا وإنسانيا، مثلما حال المشروع العربي الإسلامي القديم موقفه الحضاري، وقبله المشروع الفكري والفلسفي والحضاري الإغريقي وموقفه الحضاري، وبعده المشروع الحضاري الغربي الأوروبي وموقفه الحضاري من التراث والواقع، وموقفه الحضاري الذي حوّل المشروع إلى حقيقة تجسدت في حضارة قويّة راقية ننعم بخدماتها الجليلة ونعاني من مخلّفاتها السلبية، أما موقف مفكرينا وفلاسفتنا من الغرب وحضارته الموقف الذي هو جزء من تراثنا وواقعنا وتاريخنا وانتمائنا تمثله عدّة رؤى وليست رؤية واحدة.

تتساوى الرؤى التي تشكّل موقف الفكر العربي الإسلامي الحديث والمعاصر من الحضارة الغربية أو من التراث أو من الواقع في كونها ثلاثة، كما تتساوى في كون كل منها يتميّز بالتعدد والتنوع، فهي دوما تتأرجح بين التأييد والرفض والتوفيق أو بين الاستعادة والاستزادة والاستفادة أو بين الأصالة والمعاصرة والجمع بينهما، لا يخرج موقف في الفكر العربي الإسلامي المعاصر عن طرف من أطراف الثلاثية، لكن كلّ طرف فيها تتعدد تياراته وتتباين وجهات النظر فيه في المدى والدرجة، أيّ في القوة والشدّة، الأمر الذي يؤكد وجود عدد كبير من الاتجاهات بعدد المفكرين والمثقفين والباحثين واختلافهم وبعدد التيارات السياسية والثقافية والدينية واختلافها.

أما موقف الفكر العربي الإسلامي الحديث والمعاصر من الغرب وحضارته وثقافته وعلومه وتقانته يتجلى في ثلاثة تيارات كبرى:

أ- تيار الرفض، وهو تيار تراثي سلفي يدعو إلى تجاوز الحداثة والتغريب والارتماء في أحضان الآخر، والاكتفاء بالاستعادة من دون استفادة أو استفادة محدودة جدّا، ومن دون استزادة أو استزادة محدودة جدّا، يكتفي بالأصالة على أنّها منفذ النجدة من الانحطاط ومخرج الطوارئ من التخلّف وسبيل النهضة، قدوته وسراجه السلف الصالح، وشعاره "لا يصلح حال الأمة إلاّ بما صلح به أوّلها"، وشعار "لم يترك السلف للخلف أمرا يخوض فيه"، وشعار "نكون خير خلف لخير سلف"، وعنده الثقافة الغربية تتعارض مع القيّم العربية والإسلامية، وقبول قيّم ومنتجات الغرب في البلاد العربية والإسلامية قضاء على عناصر الهوية العربية الإسلامية، الدين الإسلامي واللغة العربية والانتماء التاريخي والحضاري، خاصة بعد تعرّض البلاد العربية والإسلامية للاستعمار الغربي، وتوظيفه لمنتجات حضارته لقهر الشعوب الضعيفة ونهب خيراته، وممارسته سياسة التبشير المسيحي ونشر لغته وثقافته ومحو لغات وثقافات الشعوب المستعمرة.

ب- تيار التأييد والقبول والاستفادة، وهو التيار الحداثي الذي لا يرى بدّا للخروج من التخلف والانحطاط سوى الحداثة على مستوى الفكر والعمل معا، وضرورة الانفتاح على الغرب الأوروبي علميا وثقافيا وسياسيا وتكنولوجيا، ولا يشكل هذا الانفتاح خطرا على الثقافة العربية الإسلامية وعلى عناصرها لغة ودينا وتاريخا، فالتقدم الذي حققه الغرب الأوروبي في مجال الفكر والثقافة والعلوم والتكنولوجيا وفي مجال الحرية والديمقراطية وتنظيم المجتمع وفي جميع مجالات المجتمع كفيل بالاقتداء والإتباع، خاصة وأنّ منتجات الحضارة الغربية فيها الكثير منّ المشتركة بين كافة أفراد الإنسانية تضمنتها الحداثة وتضمنتها الثقافات والحضارات والديانات ذات الطابع الأممي العالمي، مثل الثقافة الفارسية والحضارة اليونانية والديانة الإسلامية، فهذه كلها تجتمع على قيمة العقل والعقلانية، وعلى أهمية العلم والفكر والفلسفة، وعلى قيمة الحرية والعدل والحق والجمال، لكن وسائل ومناهج الوصول إلى هذه القيّم تتعدد وتختلف باختلاف الظروف والأوضاع، لهذا لا يوجد مانع من النقل الحضاري ومن الاستفادة الكاملة من الحداثة والتحديث والتغريب.

ج- تيار الجمع والتوفيق بين الوافد والموروث، بين التجديد والتقليد، بين الأصالة والمعاصرة، أو تيار الاستزادة، بحيث يتمّ قبول الوافد الذي ينسجم مع الموروث ولا يعارضه، ويقوم منهج العمل على الاستزادة في الموروث بما ينسجم معه من الوافد، والاستزادة في الوافد بما ينسجم معه من الموروث، لأنّ رياح الحضارة الغربية عصفت بكل أقطار العالم بما في ذلك العالم العربي والإسلامي خاصة لما له من موقع جغرافي سياسي هام وما يبطنه من ثروات بشرية وطبيعية، أدّ إلى تكالب قوى الاستعمار الغربي الحديث عليه، وتمزيقه واحتلال أراضيه واستعمار شعوبه، وقهرها بالحديد والنار، بالإضافة إلى التخلّف والانحطاط الذي عمّ الشعوب العربية والإسلامية وشعوب العالم الثالث، ولكون الحضارة الغربية طابعها عالمي شمولي منتجاتها ليست خاصة بزمن ما أو بمكان ما، لذا فرفض الغرب والقطيعة مع حضارته انتحار حضاري وسقوط في وحل الضياع والتخلف وعدم مسايرة الركب الحضاري، أما قبول الغرب والسقوط في حضارته تغريبا وتغرّبا انتحار للهوية الثقافية والدينية والتاريخية، أما سبيل التخلص من الانتحار الحضاري في الزمان وانتحار الهوية في التاريخ هو بذل الوسع في التأليف الإيجابي بين الوافد والموروث، مادام كل من الموروث والوافد حقيقة لا مردّ لها.

إنّ الموقف من الغرب يتكرر مع التراث العربي الإسلامي، ومع الواقع المعيشي العربي المعاصر، بالنسبة للتراث يتوزع الموقف على ثلاثة تيارات، تيار تراثي سلفي لا يقبل الحداثة ولا التغريب ولا التحديث، ويدعو إلى التمسك بما تركه الأسلاف لا غير. وتيار حداثي تغريبي يدعو إلى الاستفادة من كل منتجات الغرب، وتيار توفيقي يؤلف بين التراث والحداثة. أمّا الموقف من الواقع المعيشي فهو بين الرفض والاعتزال والتبرير، وعلى الرغم من التعدد والتنوع في المواقف، مازال الفكر في عالمنا العربي الإسلامي يفتقر إلى موقف حضاري وجيه في مستوى التحدّيات الحضارية الراهنة.

4-عقدة (عقبة) جدل الأنا والآخر

يمثل جدل الأنا والآخر في أغلب المواقف والاتجاهات التي تمثل الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر مقابلة بين طرفين، ومواجهة بين معسكرين، ووقوف على طرفي نقيض بين جهتين، مقابلة ومواجهة بين الأنا الذي يمثل الذات العربية والإسلامية، بكل ما تنطوي عليه هذه الذات من عناصر في التاريخ والثقافة والدين والأخلاق والواقع وغيره، منها الموروث ومنها الوافد، فيه الثوابت والمتغيرات، كل ذلك يُشكّل هوية الأنا ويحافظ عليه في سياق صراع الأصالة مع المعاصرة، والتقليد مع التجديد، والماضي مع الحاضر، والحديث مع السالف، هو السياق الذي تشكّل فيه المعرفي والثقافي والإيديولوجي والمنظور العلوي أو الدوني في صلب فكرنا العربي الحديث والمعاصر، وارتبط سببا وحتما هذا التشكّل بالتاريخ الوسيط والحديث وبالواقع الراهن.

بالنسبة للعصر الوسيط، صلة أنا قويّ بإيمانه ودينه وذات مفعمة بالتوحيد والنظام والغلبة الحضارية في النظر والعمل وفي سائر العلوم والفنون والصنائع، في مقابل آخر ضعيف وثني مشتت الحال وممزق الأوصال ثقافة وسياسة واقتصادا واجتماعا وغيرها، يعاني القمع الفكري والاستبداد والقهر السياسي وكل مظاهر الفساد الاجتماعي، نور الحضارة الإسلامية الوهاج في مقابل ظلمات أوروبا العصر الوسيط الدامسة، أنا معلم ودارس وباحث ومجتهد وصاحب كلمة وقرار، وآخر طفل يتعلم ويتلقى ليترقي، وفي نهايات عصر الأنوار الإسلامي مع نهايات عصر الظلمات الأوروبي الغربي، يركن الأنا العربي الإسلامي القويّ إلى التراجع والضعف والتخلّف، ويشقّ الآخر الأوروبي الغربي بعد أزمته طريقه نحو التفوق والرقي، فيجمع الأسباب والشروط لذلك، دون أن ينتهي الصراع بين الأنا والآخر، الصراع الذي يأخذ بعده الديني الصليبي على مدى حقبة مهمّة من الزمن، وتكون له تداعيات خطيرة على العلاقة بين الشرق العربي الإسلامي وبين الغرب الأوروبي المسيحي، وترتسم هذه التداعيات الخطيرة على مناحي واتجاهات وعناصر الأنا وحياته فكرا وثقافة وسياسة واجتماعا وغيرها، وهي التي تصنع مواقف الأنا من الآخر سلبا أو إيجابا بوعي أو بدون وعي، كما تحدد حركته ممارسة بشعور أو بدونه.

أما في العصر الحديث فالعلاقة بين الأنا والآخر أخذت شكلا آخر في السياق نفسه، سياق الصراع بين الغرب الأوروبي الحديث صاحب نهضة وتقدم وحضارة وازدهار، صاحب الحداثة وقيّمها في العقل والعقلانية، في العلم والعلمانية في النقد والمناهج العلمية والاستشراقية، في التكنولوجيا والسيطرة على الطبيعة واستثمار ثرواتها لخدمة الإنسان، وبين عالم عربي وإسلامي مشتت وفاسد اجتماعيا وسياسيا ومُقسّم طائفيا ودينيا ومذهبيا، تأكل جسمه جميع أعراض الضعف والتخلّف، وتنخر روحه هزيمة الإرادة والشعور، على الرغم مما يملكه من قيّم ودلالات عظمى في تراثه، خاب وفشل وتراجع بعد فقدانه لهذه القيّم والدلالات فكرا وممارسة، وكانت هي سرّ تفوّقه السابق، وعلى الرغم من الموقع الجغرافي الذي يحتله في قلب العالم ونواته، وتفرّده جيوسياسيا، وعلى الرغم من الثروات الهائلة تحت الأرض وفوق الأرض، بشرية وطبيعية وغيرها، وعلى الرغم من العمق التاريخي الذي يتميز به وثراء ماضيه وأصالة تراثه تنوعه وغناه، فلا الطبيعة ولا التاريخ ولا الجغرافيا لا تحدّي الآخر استطاع أن ينهض بالعرب والمسلمين في عصر لا يرحم الضعفاء وفي عالم لا يكرّم سوى الأقوياء.

ففي سياق الصراع كموروث تاريخي سلبي ديني حضاري بين الأنا والآخر، وبفعل انهيار الأنا وضعفه وهزيمة إرادته وشعوره وخيبة أمله في استعادة مجده وسؤدده، تحوّل إلى غاية تتكالب عليها قوى الاستعمار بشدّة، فتعرّضت أقطار العالم العربي والإسلامي إلى الاستعمار من طرف بلدان الغرب الأوروبي الحديث، احتلت الأرض، وطعنت في الكرامة والعرض، وعملت على تشويه القيّم التاريخية والثقافية للذات العربية والإسلامية من دين ولغة وتاريخ، والأمة التي لا تاريخ لها لا هوية لها ومعرّضة للزوال، زاد الاستعمار في تعميق أزمة العرب والمسلمين بتوسيع دائرة الفقر والجهل والمرض والتهجير، بل القهر والتعذيب والقتل خاصة عند المطالبة بالحقوق السياسية والمدنية وبالمساواة مع المُستعمر-بكسر الميم-، ومع حركات التحرر التي شهدها العالم العربي والعالم الثالث سجّل التاريخ صفحات سوداء قاتمة من الإجرام الاستعماري في حال الحرب وحال السلم معا، في المستعمرات وعلى أرض المستعمر-بكسر الميم-، استعمار يفخر بقيّم الحداثة في الثقافة والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتكنولوجيا والإعلام وغيره، مثل الحرية والديمقراطية والروح النقدية وسيادة العلم وتنظيم المجتمع والعدل واحترام حقوق الإنسان والحيوان والطبيعة، ويدعي العمل على نشرها في أصقاع الأرض، لكنّه يبحث فقط عن مصالحه في التوسع والهيمنة ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا، حيث انتهج أساليب المسخ الثقافي والمسح الديني، وعمل على استغلال اليد العاملة الرخيصة واستثمار الثروات الطبيعية الباطنة والظاهرة إلى أقصى حد، ونقلها إلى ما وراء البحر، فاشتعل الصراع القديم الجديد، الدفين الحيّ بين الأنا والآخر، وازدادت العلاقة المأزومة بين الاثنين تعقيدا وتعميقا وتفاقما.

وتستمر عقدة جدل الأنا والآخر في الواقع العربي المعاصر بحدّة، ويشتدّ الصراع ويتفاقم في ظلّ التطورات التي شهدها ويشهدها العالم في جميع مستويات الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتكنولوجية وغيرها، وصار كل تقدم يحدث في العالم المتقدم يرافقه تخلّف في العالم الضعيف، والعالم العربي والإسلامي جزء من العالم المتخلّف، وتغيّر وجه الاستعمار من مباشر عسكري واحتلال للأرض وانتهاك للعرض واستغلال للطاقات البشرية والمادية إلى غير مباشر سياسي واقتصادي وثقافي، ويتساوى الاستعمار غير المباشر مع غيره في درجة الخطورة والضرر على الفرد والمجتمع والدولة والأمة، الأمر الذي جعل الأنا في بعض مواقفه يفقد ثقته تماما في الآخر، وينتهج أسلوب المقاومة سرّا وعلنا، سلما وحربا، ويردّ الآخر بنفس الطرق مستغلا كل ما يملك من قوّة فكرية وعلمية وتكنولوجية لأجل الهيمنة على العالم اقتصاديا سياسيا وعسكريا وأمنيا، ولا يرضى بأيّة معارضة، بل يمارس القوّة العسكرية عند فشل الطرق السلمية في التعاطي مع كافة بؤر التوتر والنزاع في العالم خاصة العالم العربي، والحال في الشرق الأوسط وقضية فلسطين، وفي لبنان والعراق وأفغانستان وغيره، وعلى الرغم من تضمن فكرنا العربي والإسلامي المعاصر لمواقف تُشيد بالغرب وبحضارته وتدعو إلى قبول الآخر فكرا وسياسة وعلما وتكنولوجيا وقيّم حضارية يشترك فيها جميع بني البشر، فإنّ ذلك لم ينه عقدة جدل الأنا والآخر ولم يزح عقبة الصراع السلبي بين الفكر الغربي الحديث والمعاصر الغازي والفكر العربي المعاصر المُغزى.

إن الجدل القائم بين الأنا والآخر ليس مردّه إلى وجود إشكالية العلاقة بين الاثنين فحسب كما هو في فكرنا القديم ويتكرر في فكرنا المعاصر، بل يتعلق الأمر كذلك بصورة الأنا وصورة الآخر من حيث الوضوح والغموض، من حيث الدقة والشمول، من حيث الكفاية والنقص ومن حيث السلب والإيجاب. فالعلاقة تتضح والجدل يمكن تجاوزه عندما تتضح الصورة وتأخذ مكانها في الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة ذات الطابع التراثي التاريخي من جهة، وتعيش على الوافد من جهة ثانية، فالتراث هو قيّمها وتاريخها وماضيها التي لا تقدر على الانفصال عنه شعورياً أو لاّشعورياً، والوافد هو ثقافة الغرب وعلومه وأفكاره، لذا فالغرب الذي هو الآخر يحضر إلى ساحة وعي الذات كفكرة واضحة حاملة لعناصر هويتها البسيطة حينما تصل الذات إلى تأمل وعيها الباطني باستقلالية عما تعكسه المرآة. يظهر أنّ صورة كل من الأنا والآخر في فكرنا المعاصر تقوم على السلب والإيجاب، فالأنا سلبي أما الآخر إيجابي، الأنا سلبي لأنه يأخذ من الآخر النموذج في الفكر والسلوك ولا يبالي بأناه، وحتمية الاغتراب نتيجة هذا التصور لصورته، ويشتغل بالتراث لذاته لا لتحويله إلى شحنة تفجر الإبداع الحضاري والعطاء التاريخي، ويفتقد الحرية، حرية الفكر وحرية الاختلاف وحرية الفعل التي تطلق المواهب والطاقات تطويرا لحياة الفرد والمجتمع والأمة والإنسانية جمعاء، ووقوعه في 'نرجسية الأنا' تعويضاً عن الضعف والهوان. ومن ذلك إطراء الفكر الغربي وأصحابه، فالوعي التاريخي للأنا مغترب في الآخر، لأن الآخر إيجابي وفعّال ومبدع وعلى حق في قوله وعمله، في فكره وتطبيقاته، في حاضره ومستقبله، الآخر و حضارته مقياس تُقاس عليه بقية الحضارات كل الحضارات القديمة والحديثة وحتى القادمة، لأن حضارته هي حضارة الإنسان والطبيعة ناهيك على أنها حضارة العلم والمدنية والحرية والعدالة. فصورة الأنا صورة المعوق المتفرج المستهلك أما صورة الآخر صورة القويّ المعافى المنتج للعلم والفكر والتقنية، والأنا مطالب بإتباعه والسير وراءه من بعيد ببطء  فهو متخلف ويجب أن يبقى متخلفاً في نظر الآخر، والصراع قائم بين الأنا والآخر في الثنائيات عند الجماهير ولدى النخبة وفي وسائل الإعلام بين الطرفين طرف الأنا وطرف الآخر.

"فالأنا سلبي أما الآخر فهو إيجابي ويدلّ السلب والإيجاب في ثنائيات كثيرة يصعب التركيب بينها، فثقافة الأنا تقوم على العاطفة و الوجدان أما ثقافة الآخر فتقوم على العلم والإبداع والإنتاج في الفكر ووسائل العمل والتأثير في الطبيعة.وإذا كانت حضارة الغرب حضارة علم فحضارة العرب حضارة أخلاق وأدب وثقافة وفن بوجه عام، والعلم والعقل ثنائية مثل ثنائيات عديدة بين طرفي كل منها تقابل بالتعارض أو التناقص، بين الفلسفة والتصوف، بين المعقول واللامعقول، بين العلم والشعر بين الثبات والتغيير، بين الإرادة والعادة، بين المحسوس والعيني وبين المثال والأنموذج، بين الإبداع والاستهلاك بن أمة تسير في المقدمة تقود الركب الحضاري، وأخرى تسير في المؤخرة"7، والشمال وأسوؤهم في الشرق والجنوب. كما هو الحال عندنا، وهي ثنائية الجهل والعلم، الضعف والقوة، الشر والخير، الظلم والعدل، والباطل والحق. فصورة الأنا في الأنا تقوم على تصغير الأنا وتقزيمه وصورة الآخر في الأنا تقوم على تكبير وتفخيم الآخر مثلما هو الحال لدى الآخر فصورته لديه تقوم على التعظيم والإكبار والإجلال والتقديس أما صورة الآخر –الأنا عندنا- لديه تقوم على التضعيف والانتقاص وتصغيره إلى أبعد الحدود، وكل صورة من الصورتين صورة الأنا في الأنا والآخر أو صورة الآخر في الآخر وفي الأنا تقوم في غياب الواقع وحقائق العقل والعلم و التاريخ.

تَحوّل المشكل في جدل الأنا والآخر في الفكر العربي الإسلامي في وجه من أوجهه إلى انشغال آخر مرتبط بعلاقة الأنا بالآخر هي علاقة صراع أو حوار؟ فتحول الحوار مع الآخر إلى حوار الأديان وحوار الحضارات، حوار الشرق والغرب، حوار الشمال والجنوب "غلب الحوار مع الآخر على الحوار مع الذات مع أنّ الحوار مع الذات يسبق الحوار مع الآخر، ومعرفة النفس سابقة على معرفة الآخر والتساهل في معرفة الذات يؤدي إلى تساهل في معرفة الآخر وبالتالي يعزّ الحوار ويقع سوء التفاهم لذلك لم ينجح الحوار مع الآخر حتى الآن لأنه لم يقم على الحوار مع الذات أولا."8 دور الحوار مع الذات هو اكتشاف الأنا التاريخي الذي يكشف عن ثقافة السلطة في القمع والتسلط وعن الأنا السياسي وغياب معارضة حقيقية، كما يكشف عن الأنا الأخلاقي لتحديد الهدف والغاية من الأنا التاريخي الذي يشمل الأنا بمختلف أقسامه. "إن الغاية القصوى من الحوار مع الذات هو النظر في الآفاق وفي النفس، البداية بالعصر والنهاية بالنفس، أولا الرؤية الخارجية وثانياً الرؤية الداخلية. فالعالم جزء من الذات والذات وجود في العالم، والحوار مع الذات هو حوار مع عالمها أيضاً. ليست الذات قوقعة أو محارة بل مجداف يصارع الأمواج أو ربان يبحر عباب الماء للوصول إلى منتهاه."9

إنّ جدل الأنا والآخر وصراع الموروث مع الوافد، عجز الذات على معرفة أناها وعلى مواكبة العصر وتحدياته، "والتحدي القائم أمام الجيل القادم في مستقبل الثقافة العربية وليس في نموذجي الماضي والغرب نمط للتحديث، والغرب أداة للتجديد ولا في نمطي الحاضر، الغرب مصدر للعلم، والغرب مصدر للجهل بل في تحويل الغرب إلى موضوع للعلم. فالدفاع أو الهجوم، القبول أو الرفض، الخير أو الشر، كلّها مواقف حدّية انفعالية تتجاوز الموقف العلمي الهادئ الرصين الموضوعي."10 ولما كان وما زال التراث الغربي أو الوافد واحدا من المصادر الرئيسية للوعي القومي في المجتمع العربي الإسلامي ورافدا مباشرا للثقافة الوطنية والعلمية، بهذا استمر الآخر في هذا الوعي استوطن ابتداء من حكماء اليونان إلى حكماء الغرب الحديث ولم "تقم حتى حركة نقد له إلا في أقل الحدود وبمنهج الخطابة أو الجدل دون منهج النقد ومنطق البرهان."11

إنّ ظاهرة جدل الأنا والآخر تشكل عقبة أمام استقامة العلاقة بين الأنا والآخر، لكونها تُطرح من جوانب مختلة وبكيفيات غير مستقيمة، سواء على السبيل الندّي الحضاري فالفارق الحضاري بين الأنا والآخر أكثر من خمسة قرون، أو على السبيل الحواري بين الحضارات وبين الأديان وبين الشمال والجنوب فالأولوية للحوار مع الذات قبل الحوار مع الآخر، وعلى سبيل البحث العلمي المنهجي فيقتصر الأمر على منهج الخطابة والجدل، أو على السبيل التبريري بضعف الأنا وسلبيته وبقوّة الآخر وإيجابيته فمؤداه الركود والجمود لا الاجتهاد والتجديد، أو على سبيل المؤامرة المدمر لكل جهد في التطور والازدهار والباحث عن مواطن التآمر وخباياه والحرص على الردّ بالمثل من دون الاهتمام بالإصلاح والنهضة، فالأطروحات السلبية في الفكر العربي والإسلامي المعاصر لعلاقة الأنا بالآخر لم تستطع تحويل جدل الأنا والآخر إلى تكامل الأنا مع الآخر، ولا يمكنها ذلك إلاّ بمشروع حضاري يقفز على الطرح السلبي لصلة الأنا بالآخر إلى طرح علمي منهجي تحليلي نقدي يلتقي فيه السياسي والمثقف والمسلم والمسيحي وكل فرد يهمّه حال الأمة ويعنيه نهوضها، يبحث الموروث والوافد، ويتعاطى بإيجابية مع تحديات الواقع.

خاتمة

يتضح مما سبق أنّ الفكر العربي والإسلامي له امتداد في التاريخ البعيد والقريب، وله طابعه الخاص في التكوين والبنية، وثري بالعناصر والمواقف، ووليد ظروف الانتصار وأوضاع الانكسار، الإلمام به جميعا تحليلا وتفصيلا وتدقيقا ليس بالأمر اليسير، لسعته وانبثاثه في أحقاب الزمان والمكان، وفكرنا العربي والإسلامي الراهن سليله، له مواقف من الماضي والحاضر والمستقبل، من الواقع الراهن وتحدّياته في مشرق العرب وفي مغربه، من ثقافة الغرب وحضارته، من دلالات النهضة الأوروبية وقيّم الحداثة، من أبعاد العولمة وتداعياتها في العالم وضغطها في الزمان والمكان، من أزمة التخلّف في عالمنا العربي والإسلامي المعاصر، من سؤال النهضة: لماذا تأخّر العرب والمسلمون وتقدّم غيرهم؟، تأسست مواقفه على مرجعيات شتى أبرزها التراث والدين والتاريخ والثقافة والواقع، وهي مواقف من الغرب وحضارته وثقافته تعددت وتنوعت بتعدد وتنوع أصول ومصادر وعناصر وآمال وآفاق الفكر العربي ذاته، فهي مواقف قبول ورضا أو رفض واعتراض  أو جمع وتوفيق، ويتميز كل منظور في هذه المواقف بتعدد وتنوع في توجّهاته وتبريراته وتطلّعاته وأهدافه، وتعبّر هذه التوجهات داخل مواقفها عن علاقة الأنا بالآخر، العلاقة التي تحكمها صورة الأنا في عين الآخر وصورة الآخر في عين الأنا، وهي علاقة صراع وعداء موروث وراهن لدى أكثر المواقف في فكرنا العربي والإسلامي المعاصر على الرغم من الطابع الحواري والتعاوني الذي يميّز الواجهة السياسية والدينية والاقتصادية لدى البعض،  لكنّ جدل الأنا والآخر الذي يحدد صورة الآخر في عين الأنا مطروح سلبا لا إيجابا في فكرنا العربي الراهن، على مستوى الندّية أو على المستوى الحوار أو على مستوى البحث والدراسة دراسة الآخر كموضوع، أو على سبيل تبرير الواقع الراهن وثنائية التقدم والتخلّف، أو على سبيل المؤامرة الدّاعمة للانحطاط والمؤيّدة لاستمراره والمؤبّدة لموانع التجديد الحضاري، فلا سبيل للتخلص من ظواهر فكرنا العربي المعاصر السلبية إلاّ بمشروع حضاري يقفز على الطرح السلبي لصلة الأنا بالآخر إلى طرح علمي منهجي تحليلي نقدي يلتقي فيه السياسي والمثقف والمسلم والمسيحي وكل فرد يهمّه حال الأمة ويعنيه نهوضها، يبحث الموروث والوافد، ويتعاطى بإيجابية مع تحدّيات الواقع.

الهوامش:

1- محمد الخطيب: حضارة أوربا في العصور الوسطى، دار علاء الدين، دمشق، سوريا، 2006، ص 208.

2- عبد الرحمن بدوي: دور العرب في تكوين الفكر الأوربي، دار القلم، بيروت، لبنان، 1979. ص9.

3- جيلالي بوبكر: التراث والتجديد بين قيّم الماضي ورهانات الحاضر، عالم الكتب الحديث، الأردن، 2011، ص 175.

4- جيلالي بوبكر: العولمة مظاهرها وتداعياته نقد وتقييم، عالم الكتب الحديث، الأردن، 2011، ص 85.

5- جيلالي بوبكر: أصول الفقه في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، عالم الكتب الحديث، الأردن، 2011، ص 123.

6-حسن حنفي: النظر والعمل، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، 2003، ص 156-157.

7- جيلالي بوبكر: التراث و التجديد بين قيّم الماضي ورهانات الحاضر، عالم الكتب الحديث، الأردن،2011، ص 58.

8- حسن حنفي: حصار الزمن، إشكالات، منشورات الاختلاف، الدار العلمية للعلوم، لبنان، 2007، ص 414.

9- المرجع نفسه: ص 429.

10- حسن حنفي: هموم الفكر والوطن، الجزء الثاني، درا قباء للطباعة، مصر، 1998، ص 155.

11- حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، المؤسسة الجامعية للطباعة، بيروت، لبنان، 2000، ص 13.

*أستاذ بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية/جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف