Child Care Blog

الحارث بن عباد والحارث بن إدريس وشِسع نعل كليب

بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك 

لا أدري إن كان الحارث إدريس وهو يقف في ذلك المكان الذي تجتمع فيه دول العالم، حيث تتجاور اللغات والرايات والمصالح، وحيث يفترض ان تكون الكلمات محسوبة بعدد حروفها، وموزونة بما تحتمل من تأويل، قد فكر طويلا قبل ان يقول ما قاله، أم أن العبارة كانت جاهزة في مكان ما من ذاكرته، تنتظر فقط تلك اللحظة التي تحتاج فيها اللغة إلى مفردات أكبر من اللغة نفسها،.. لا أدري أي ذلك كان، ولكنني أعرف أن الرجل حين قال لمخاطبيه:« اخسئوا بشِسع نعل كليب» لم يقل عبارة قاسية صلبة وحسب وانما فتح بابا قديما في الذاكرة العربية، لو دفعناه قليلا لخرجت منه تغلب وبكر، وخرج المهلهل بن ربيعة وكليب، والحارث بن عباد وبُجير، وربما خرجت حرب البسوس كلها، وهي تنفض عن وجهها غبار السنين لتقف مع سفراء الدول قليلا في قاعة الأمم المتحدة.    

والمثير في الأمر أن «شِسع نعل كليب» ليست من تلك العبارات التي تستطيع أن تفهمها اذا قرأت كلماتها وحدها، فالكلمة هنا لها تاريخ وقصة، وربما كان من لا يعرف القصة قد سمع من الحارث مجرد عبارة غليظة قد وجهها لمندوب الإمارات، بينما سمعها من يعرف أيام العرب على نحو آخر تماما، سمع وراء «الشِسع» نعلا ووراء النعل كليبا والمهلهل وبُجيرا والحارث بن عباد ووراء الجميع حرب البسوس، تلك الحرب الطويلة! 

وهي فضلا عن ذلك عبارة لا تحتاج إلى مترجم أممي (أوضحت مشاهد الفيديو أن مندوبا الإمارات قد وضعا سماعات الترجمة على أذنيهما لمعرفة معنى هذه العبارة، التي بدت لهما غير مفهومة على الاطلاق، مع أنها بالنسبة لي ولكل من له أدنى إهتمام بتاريخنا العربي الضارب، لغة عربية فصيحة واضحة) لا تحتاج إلى مترجم، وان كان بعض المترجمين على الارجح قد احتاجوا إلى أن يفتحوا كتبا لم يفتحوها منذ زمن، ليعرفوا من هو كليب، وما شِسع نعله، ولماذا اختار رجل في نيويورك في القرن الحادي والعشرين أن يستدعي نعل رجل عاش في الجاهلية قبل الإسلام بسنوات طويلة، وربما كان هذا من المرات النادرة التي يضطر فيها مترجم في الامم المتحدة إلى أن يبحث عن كلمة في كتاب عمره أطول من بعض الدول الأعضاء. 

تقول الرواية التي حفظتها كتب الأخبار والأدب، أن المهلهل عدي بن ربيعة كان قد جعل من الثأر لأخيه كليب قضية عمره، وكان الحارث بن عباد قد اعتزل الحرب في بدايتها، أو حاول أن يقف بعيدا عنها، فلم يدخلها ابتداءً، واراد أن يوقف نزيف الدماء ويصلح بين بكر وتغلب، لذا ارسل ابنه بجيرا إلى المهلهل وحمله كتابا ورسالة يرجوه فيها أن يقبل الفداء أو القصاص العادل، لعل ذلك يصلح ذات البين ويطفئ نار الحرب، مذكرا اياه بأن من قتل من الفريقين يكفي، فلما وصل بجير إلى المهلهل ووقف على كتابه، لم يقبل المهلهل الصلح ولم يعف عنه بل قتل بُجير ثارا لأخيه كليب، وهنا كان يمكن للقصة لو أنها قصة عادية أن تنتهي، لكن المهلهل لم يكتف بالقتل بل قال: «بُؤْ بشِسع نعل كليب»! 

بالطبع إن عبارة« بُؤْ بشِسع نعل كليب»، عبارة تنطوي على جانب من الإهانة، لكنها لا تمثل الحقيقة الكاملة.. ذلك أنه لا توجد في الواقع إهانة تقدم من طرف لآخر دون سبب، لكن الذي يوجد هو إهانة قدمت في سياق معين، وهذا السياق الذي يعرفه كل سفراء الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، هو ما يجعلنا نقف مع الحارث بقوة بعد كل الادلة والبراهين ، التي تثبت تورط النظام الإماراتي في المسألة السودانية. 

ومع ذلك، فإنه يمكن وصف هذه العبارة بأنها من الحالات التي تصبح فيها الكلمة نفسها فعلا ، فالقتل قد وقع، لكن الإهانة التي أُلصقت بالقتل ظلت باقية، وعندما قيل للحارث بن عباد ما قد قاله المهلهل وكان الرجل قد ظن في روايات الأخبار ان مقتل بُجير قد يكون ثأرا كافياً يغلق باب الحرب، فلما سمع «بشِسع نعل كليب» تبدل الأمر عنده، ودخل الحرب بعد ان قال قصيدته الشهيرة: 

قربا مربط النعامة مني **لقحت حرب وائل عن حيال

قربا مربط النعامة مني **شاب رأسي وأنكرتني رجالي

لم أكن من جناتها علم الله ** وإني بحرها اليوم صالي

وهذا بالضبط ما يجعلني أفهم أو أحاول أن أفهم، لماذا اختار الحارث إدريس هذه العبارة بالذات، فالرجل لم يكن محتاجا إلى قاموس الشتائم حتى يقول كلاما قاسيا، فقاموس الشتائم السياسية واسع بما يكفي لذلك، وهو أمر لا يصعب على رجل يعمل في السياسة، إلا إذا كان يريد أن يقولها بلسان رجل مات قبل أن تولد السياسة الحديثة نفسها، وهذه فيما أتصور طريقة غير مألوفة في ذم الآخرين، لكنها أحيانا أكثر بقاءً، وأشد وجعا.

ولذلك أظن أن أهم ما في الأمر، أن الحارث إدريس وهو يتحدث في أكثر المنابر السياسية حداثة، وأمام وفود لا تنقصها اللغات ولا تنقصها العبارات ولا تعوزها المصطلحات التي صاغتها الدبلوماسية الحديثة بعناية كاملة، لم يحتج إلى أن يشرح للعالم العربي كله تاريخ العبارة، ولم يحمل معه كتابا من كتب الأخبار ولم يقل: سأحدثكم الآن عن المهلهل والحارث بن عباد، ولم يقل كما توقعت المذيعة تسابيح في سخريتها واستهزائها: «كبس كبس»، لكن اكتفى بأن قال «شِسع نعل كليب» ثم ترك للعارفين أن يكملوا عنه، وترك للغة أن تستدعي أهلها من شعابهم ، وترك للتراث العربي أن يؤدي واحدة من الوظائف التي ظل يؤديها منذ قرون طويلة، وهي أن يجعل الكلمات القليلة أكبر من حجمها، وأن تحمل العبارة الصغيرة تاريخا كاملا، ثم تستدعيه عند الحاجة والضرورة حين تضيق العبارة الحديثة عن حمل ما تريد قوله،.. وشِسع نعل كليب فعلها.