حبيب مونسي
مدخل:
أنجز العقل الحديث ما لم ينجزه عقل قبله. شفى من الأوبئة ما كان يفتك بالملايين، وقاس المجرات، ووصل القارات بخيوط الضّوء. ومع ذلك يعيش النّاس في عصر قلّ فيه من يسأل عن معنى ما يفعل، حتى غدا السّؤال نفسه ترفًا يعطل الإنتاج. فالأداة تتقن عملها، ولا أحد يعرف على وجه التّحديد لأي شيء صُنعت.
من هذا الحال خرج نقد “مدرسة فرانكفورت”( )، وقد كتبه أصحابه من داخل التّنوير لا من خارجه، لأنّهم رأوا أنّ العقل لم يخطئ في حسابه وإنّما نكث بوعده. ويقودنا ذلك إلى سؤالين يدور عليهما هذا المقال: هل يمكن استعادة العقل التّنويري دون العودة إلى سذاجة القرن الثّامن عشر؟ وماذا في تراثنا، القرآني منه والفلسفي، ممّا يعين على هذه الاستعادة أو يعوقها؟
أ. تشريح العقل الأداتي:
يعرّف “هوركهايمر” و”أدورنو” “العقل الأداتي”( ) بأنّه العقل الذي ينصرف إلى حساب الوسائل وتكييفها لبلوغ غايات مقرّرة سلفًا، ولا يسأل عن قيمة تلك الغايات في ذاتها. فالغاية عنده معطى سابق على النّظر، ومهمّته أن يبلغها بأقل كلفة وأعلى كفاءة. وليس عيبه خطأ في الحساب، فحسابه دقيق، بل فقدانه القدرة على السّؤال الذي لا يقبل الحساب: لماذا؟
أول ما يتبدّى من هذه الخسارة هو انطفاء ما سماه “هوركهايمر” “العقل الموضوعي” ( ). ففي الفلسفة الكلاسيكية كان العقلُ قدرةً على تبيّن نظام الوجود وموقع الإنسان فيه، وكانت الحقائق الكلّية والغايات العليا موضوعات تُدرَك بالنّظر. ثمّ انكمش العقل، مع صعود التّقنية والرّأسمالية، إلى وظيفة ذاتية صرفة، فصار معيار الفكرة نجاحها لا صدقها. وحين يتنحى الصّدق أمام النّجاح، يصير العقل في خدمة أيّ غاية يُطلب منه خدمتها، نبيلة كانت أو وضيعة.
وتتّصل بذلك جدلية التّنوير. فقد أراد التّنوير تحرير الإنسان من الخرافة والأسطورة بالعلم، لكنّه جعل معرفته سيطرةً على الطبيعة وعاملَ الطّبيعةَ مادةً خامًا. ثمّ انتقل المنطق نفسه إلى الإنسان، فصار الفرد ترسًا في آلة الإنتاج، وتحوّلت علاقاته إلى علاقات نفعية متبادلة، وهذا ما يسمى “التّشيّؤ” ( ). وبذلك ارتد التّنوير فصار أسطورةً جديدةً، هي أسطورة الضّرورة الاقتصادية والتّقدم الذي لا يُسأل عن وجهته.
ثمّ انتقل هذا المنطق من المصنّع إلى الوعي فيما سماه الفيلسوفان “الصّناعة الثّقافية”. فالفنّ الذي كان يذكّر الواقعَ بأنّه ليس آخر الممكنات صار سلعة تُنتج بالجملة على قدر الطّلب، وأخذت الثّقافة الجماهيرية تروّض الوعي وتُفرغ الإنسان من قدرته على النّقد والمقاومة. وأخطر ما في ذلك أنّها تعلّمنا أن نرى الواقع الاستلابي طبيعةً حتميّةً، وأن نطلب من التّسلية ما كان يُطلب من التّأمل.
أمّا أشدّ ما في هذا النّقد إيلامًا فهو عقلنة التّوحش. فالأنظمة الشّمولية والفاشية لم تخرج من فوضى العاطفة ولا من جهالة الجماهير، وإنّما استعانت بأعلى درجات التّنظيم الإداري والكفاءة التّقنية لتبلغ ما بلغته من قمع واستغلال، ولم تسلم من ذلك، على نحو آخر، مجتمعات الاستهلاك المفرط. والبربرية لم ترتدّ إلى الوراء، بل تقدّمت بأدوات الحداثة نفسها. وقد لمح “ماكس فيبر” ( ) هذا الخطر قبلهما حين تحدث عن “القفص الحديدي” الذي تحبس فيه العقلانيةُ الإجرائية روحَ الإنسان، وميّز بين العقلانية الغائية التي تطلب الوسيلة الأنجع لبلوغ الهدف، والعقلانية القيمية التي تلتزم بقيمة لذاتها. وجاءت فرانكفورت لتبيّن أنّ الأولى إذا انفردت ابتلعت الثّانية.
ولعل من المفيد أن نضيف إلى ما سبق بُعدًا يتّصل بالزّمن. فللعقل الأداتي إيقاعه، وهو التّسارع، والسّرعة خصم السّؤال لأنّ السّؤال يحتاج إلى وقفة. وهذا العقل لا يغلق باب المعنى بالمنع، وإنّما يغلقه بالزّحام، إذ لا وقت للتّأمل في عالم كلّ ما فيه مستعجل.
ب. العودة إلى العقل لا الفرار منه:
قد يغري هذا التّشخيص بردّ فعل معاكس، فنتبرأ من العقل ونلوذ باللاّعقل أو بحنين إلى ماض متخيَّل. غير أن “أدورنو” و”هوركهايمر” لم يذهبا هذا المذهب. رأيا أنّ التّنوير يحتاج إلى تنوير نفسه، وأنّ دواء العقل مزيد من العقل، عقل يراجع أدواته ويحاسب غاياته. أمّا الفرار إلى اللاّعقلانية فأقصرُ طرقِ التّسليم، لأنّ العقل الأداتي لا يخاف الأسطورة، وكثيرًا ما يستعملها.
وسلك “هابرماس” ( ) طريقًا آخر إلى الغاية نفسها. فقد رأى الحداثة مشروعًا لم يكتمل، وذهب إلى أنّ العطب لم يكن في العقل وإنّما في اختزاله إلى عقل أداتي. وأقام بديلًا سماه “العقل التّواصلي” ( )، لا يقوم على سيطرة ذات على موضوع، بل على تفاهم ذوات تتبادل الحجج وتقبل أن يُحكم عليها بها. وبهذا يُستعاد شيء من العقل الموضوعي دون العودة إلى ميتافيزيقا مغلقة.
وفي هذا الأفق نقرأ شعار “كانط” الذي جعله عنوانًا للتّنوير: “تجرّأ على استخدام عقلك”. فالتّنوير في أصله جرأة قبل أن يكون معرفة، والعقل الأداتي هو العقل الذي فقد جرأته فلم يبقَ له إلاّ أن ينفّذ.
ت. العقل في القرآن الكريم:
عند الانتقال إلى القرآن الكريم، نجد أنفسنا أمام تصوّر مختلف في بنيته، وليس نسخة من التّصور الغربي. أول ما يستوقف أنّ القرآن الكريم لا يذكر العقل اسمًا، وإنّما يذكر أفعالًا مثل “يعقلون” و”تعقلون” و”عقلوه”، وهي على ما أحصاه الباحثون تقارب تسعًا وأربعين مرّة. فالعقل في هذا الخطاب نشاط يُمارَس لا جوهر يُمتلك، وهذا يقيه من التّشيؤ، لأنّ العقل ما دام فعلًا فهو مسؤولية تتجدّد وليس رصيدًا مضمونًا. ويحيط بهذه الأفعال معجم واسع من التّفكر، والتّدبر، والتّذكر، والتّفقه، ومن الألباب والنّهى، والحِجر.
ثمّ إنّ هذا العقل غائي الوجهة. ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يوصف أولو الألباب بأنّهم ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: 190-191]. يبدأ التّفكر من الكون وينتهي بسؤال المعنى، وهذا ما يفتقده العقل الأداتي، أي الانتقال من قياس الظّواهر إلى السّؤال عن الغاية. فالعقل القرآني، بلغة “هوركهايمر”، عقل موضوعي يفترض أنّ للوجود نظامًا ومعنى يمكن إدراكهما.
وهو كذلك عقل نقدي يقف ضد التّقليد. فالقرآن الكريم يعيب على قوم قولهم ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170]، ويطلب الدّليل في قوله ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: 111]، وينهى عن القول بلا علم ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]. وفي هذا يلتقي مع “تجرّأ” “كانط”، ويختلف عنه في مصدر الجرأة وحدودها.
ويترتب على فقدان العقل في القرآن الكريم جزاءٌ وجودي لا يقتصر على الجانب المعرفي: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10]، ويوصف من لا يعقل بأنّه من ﴿شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 22]. فالعقل شرط الإنسانية ذاتها، وليس أداة نافعة فحسب.
ولا ينبغي أن يُفهم من هذا أنّنا نريد إثبات أنّ القرآن الكريم سبق مدرسة فرانكفورت، أو أن نجعله شاهدًا على نظريات غربية. فمثل هذا الصّنيع يُخضع النّص لما هو خارجه، ويكرّر المنطق الأداتي ذاته حين يُستعمل المقدّس ليزّكي المدنّس. والمطلوب أن نقرأ البنية الدّاخلية للتّصور القرآني ثمّ نقارنها، فنرى أين تتلاقى مع نقد العقل الأداتي وأين تفترق.
ث. بنية العقل العربي وما أُخذ عليها:
ولا يستقيم الحديث عن العقل العربي دون “محمد عابد الجابري” ( )، الذي خصّص للموضوع مشروعًا ضخمًا يضمّ: “تكوين العقل العربي” و”بنية العقل العربي” و”العقل السّياسي العربيذ”» و”العقل الأخلاقي العربي”. وخلاصة أطروحته أنّ الثّقافة العربية الإسلامية تحكمها ثلاث نظم معرفية: “البيان” الذي مرجعه النّص وآلياته اللّغة والقياس، و”العرفان” الذي مرجعه الكشف، والذّوق الباطني، و”البرهان” الذي مرجعه العقل والمنطق والتّجربة. ورأى أنّ “البيان” و”العرفان” هيمنا، وأن المشروع “البرهاني” الذي تجلى عند “ابن رشد” ( ) و”ابن حزم” ( ) و”الشّاطبي” ( ) و”ابن خلدون” ( ) في المغرب والأندلس هو ما ينبغي إحياؤه.
وأهمية المشروع أنّه نقل السّؤال من “هل العرب عقلانيون؟” إلى “كيف يشتغل عقلنا وأين تعطل؟”. غير أنّ قراءته لم تسلم من نقد جاد. فقد رأى “جورج طرابيشي” ( )، في “نقد نقد العقل العربي”، أنّ التّقسيم أيديولوجي أكثر منه معرفيًا، وأنّ تصوير المشرق عرفانيًا والمغرب برهانيًا يغفل تداخل هذه النّظم وتعايشها في المدرسة الواحدة، بل عند العالم الواحد. وأخذ “محمد أركون” ( ) على مفهوم “العقل العربي” أنّه يجمّد ما هو تاريخي متحوّل، ودعا إلى “نقد العقل الإسلامي” بأدوات الألسنية والأنثروبولوجيا وتاريخ الأديان. أمّا “طه عبد الرّحمن” ( ) فجاء من جهة أخرى، فانتقد نقل مناهج الغرب إلى التّراث دون مراعاة أدواته الخاصّة، وربط العقل بالأخلاق، وميّز فيه مراتبَ رأى أنّ العقل المجرد لا يكتمل فيها إلاّ إذا سدّدته القيم.
والذي يعنينا أنّ هذا الجدل كلّه يلتقي، من حيث لا يقصد، مع سؤال “فرانكفورت”: هل العقل أداة محايدة أم أنّه يحمل قيمًا في بنيته؟ وأيّ عقل نريد أن نستعيد، العقل الحسابي أم العقل الذي يسأل عن الغايات؟ فالبرهان الذي يدعو إليه “الجابري” قد ينقلب هو نفسه عقلًا أداتيًا إن انفصل عن سؤال المعنى، وهو ما يذكّر به “طه عبد الرحمن” حين يشترط الأخلاق.
ج. العقلانية العربية الحديثة:
بدأت العقلانية العربية الحديثة مع النّهضة. وقف “رفاعة الطهطاوي” ( ) مأخوذًا أمام باريس يسأل عمّا يُقتبس منها، وجدّد “محمد عبده” ( ) علم الكلام وأكد أنّ الإسلام لا يعارض العقل، ودفع “طه حسين” ( ) ثمن الشّك المنهجي في الشّعر الجاهلي، وفصل “علي عبد الرّازق” ( ) بين الدّين ونظام الحكم. وأضاف القرن العشرون أصواتًا ك”زكي نجيب محمود” ( ) و”فؤاد زكريا”( ) و”عبد الله العروي” ( ) و”حسن حنفي” ( )، دعا بعضها إلى المنهج العلمي، وبعضها إلى مراجعة التّراث، وبعضها إلى الجمع بينهما.
لكن المأزق الأعمق ظهر فيما جرى على الأرض. فقد استُورد الوجه الأداتي للحداثة بيسر وسرعة، من إدارة وتقنية وبيروقراطية وأدوات ضبط وإنتاج. أمّا وجهها النّقدي، من حرّية السّؤال وتعدّد الرّأي واستقلال الجامعة والفكر، فاصطدم بممانعة التّقليد تارة، وبممانعة السّلطة تارة أخرى. فكانت الحصيلة في أحوال كثيرة تحديثًا بلا تنوير: عقلٌ أداتيٌّ يخدم غايات لا يُسأل عنها، ويعيش إلى جوار تقليد يُقدَّس، فيتعاونان على إسكات السّؤال. وعانى التّنوير النّقدي في المقابل من انقطاعه عن سنده الاجتماعي، فبقي نخبويًا يُشتبه فيه.
وهنا يظهر تقليد آخر قلّ من ينتبه إليه. فللتّقليد الذي ينتقده القرآن الكريم، وهو اتباع الآباء دون نظر، توأمٌ هو تقليد الغالب، أيْ اتباع الحداثة الغربية دون نظر. وكلاهما يعفي صاحبه من عناء السّؤال. والعقلانية الحقيقية تخرج من الاثنين معًا، وتقول للتّراث وللغرب: هاتوا برهانكم.
ح. ملامح العقل المستعاد:
إذا جمعنا هذه الخيوط أمكن أن نتبين ملامح عقل تنويري متجدّد. هو عقل يسأل عن غاياته ولا يكتفي بإحسان الوسيلة، وفي هذا يجتمع نقد “فرانكفورت” وآية :(ما خلقت هذا باطلًا). وهو متواضع أمام حدوده، يعلم أنّ العقل الذي يريد أن يكون كلّ شيء ينقلب أسطورةً، ولذلك ألحّ “أدورنو” على ما يفلت من المفهوم ولا يُختزل فيه، والتّواضع هنا شرط لدفع الاستبداد وليس علامة ضعف.
وهو كذلك عقل حواري، يقوم على الحجّة المتبادلة لا على التّسلط، وفي تراثنا من الجدل والمناظرة والاختلاف الفقهي مادّة غنية لتأسيسه، شرط ألاّ نحوّلها إلى حنين. وهو عقل تاريخي يعرف أنّه ابن زمانه، فيقرأ الترّاث دون تقديس ودون احتقار، وهذا ما نبّه إليه “أركون” و”طرابيشي” كلٌّ من موقعه. وهو أخيرًا عقل أخلاقي يربط المعرفة بالمسؤولية، فالتّقنية التي لا تُسأل عن أثرها قوّة عمياء مهما بلغت من الدّقة.
خ. خسوف العقل لا يعني غيابه:
العقل ما يزال يعمل، لكنّه يعمل بلا بصر. والعلاج أن نعيد إليه السّؤال عن الغايات، لا أن نطفئه. وفي هذا يلتقي درسان جاءا من عالمين مختلفين: درس القرآن الكريم الذي يجعل العقل فعلًا لا يكتمل إلاّ بسؤال المعنى. ودرس “فرانكفورت” الذي يحذر من عقل صار أداة. وعلى ورثة التّراث العربي ألّا يقبلوا الاختيار بين تقليدين، وأن يجعلوا سؤالهم عن الغايات جوابًا عن سؤال زمانهم: ماذا نصنع بما نملك من قدرة، ولأيّ إنسان نبني؟
*عضو المجلس الأعلى للغة العربية- الجزائر.




