حبيب مونسي
1- من الإزميل إلى القلم .
تاريخ موجز لأزمات الوساطة:
حين استبدل الإنسان الإزميلَ بالقلم، لم يكن ذلك حدثًا تقنيًا محضًا، بل زلزالًا في تصوّره لعلاقته بالمعنى فالكتابة على الحجر عمل جسدي ثقيل، بطيء، يقاوم التّصحيح والتّراجع، ويجعل كلّ حرف قرارًا نهائيًا يكاد لا يُرد. أمّا القلم والورق فقد فتحا للفكر بابًا لم يكن له من قبل، كإمكانية المحو، والتّردد، وأن يكتب المرء نصًّا ثمّ يعيد كتابته من جديد. ومع ذلك فالذي اعتاد استعمال الإزميل ورأى في مقاومته للتّصحيح ضمانًا لجدّية الكلمة، قد نظر إلى القلم بوصفه ترخيصًا للتّسرع، وبدعةً تُسقط عن الكتابة هيبتها. هذا نمط تكرّر مع كلّ وسيط جديد، كحال المطبعة التي اتُّهمت بإفساد حرمة النّسخ اليدوي، والآلة الكاتبة التي رآها بعضهم قاتلة لحميمية خطّ اليد، والحاسوب الذي طال الجدل حول ما إذا كان “يكتب” أم “يُعالج نصًّا” فحسب.
نقف اليوم أمام محطة جديدة من هذا التّاريخ الطّويل لأزمات الوساطة في آلات الكتاية. ألا وهي النّظر إلى الذّكاء الاصطناعي بوصفه بديلًا للقلم، وبديلًا للمكتبة الورقية في آن. وكما قَبِلَت البشرية القلمَ واسطةً بعد أن كان الإزميل سيد المواقف الخطية كلها، فإنّ قبول الذكاء الاصطناعي واسطةً جديدة هو الخطوة المنطقية التّالية في السّلسلة نفسها، لا قطيعة معها.
1. الفوتوغرافيا كسابقة.
حين خافت الفنون من آلة الضوء:
هذا بالضّبط ما ندعو إليه في شأن النّص المولَّد بالذّكاء الاصطناعي: أن نكفّ عن قياسه بمعيار “الكتابة اليدوية الخالصة” الذي لم يعد قائمًا أصلًا
من المفيد أن نستعيد جدلًا مشابهًا نشأ قبل قرن ونصف، حين ظهر التّصوير الفوتوغرافي وادّعى بعضهم أنّه لا يستحق أن يُعدّ فنًّا لأنّه “آلي”، ينتج صورته عبر الضّوء لا عبر يد الفنان وريشته. وقد لاحظ النّاقد “جون بيرغر” “(John Berger)” ( ) أنّ جمهور الفوتوغرافيا ظل يستخدمها، ويستمتع بها، ويثمّنها طوال قرن كامل من هذا الجدل الأكاديمي حول مشروعيتها الفنّية، وبصرف النّظر عن نتيجة ذلك الجدل نفسه، فإنّ الذي حسم الأمر في النّهاية لم يكن انتصار حجّة نظرية، بل تجاوزت الممارسة نفسها السّؤال، لأنّه قد صار للفوتوغرافيا نقدها الخاص، ومعاييرها الخاصة في تمييز الصّورة الجيّدة من الرّديئة، القائمة على مدى وعي المصوّر بقراره وشفافية هذا القرار في الصّورة النّاتجة، لا على مطابقتها لمعايير الرّسم واللّوحة.
هذا بالضّبط ما ندعو إليه في شأن النّص المولَّد بالذّكاء الاصطناعي: أن نكفّ عن قياسه بمعيار “الكتابة اليدوية الخالصة” الذي لم يعد قائمًا أصلًا، ونطوّر له بدلًا من ذلك نقدًا يليق بطبيعته الجديدة، كما طوّر النّقاد لفن الفوتوغرافيا نقدًا لم يكن هو نقد الرّسم.
2. الأنسنة بالمراجعة.
أين يقيم المؤلّف اليوم؟:
إنّ القول بأن الذّكاء الاصطناعي “يكتب” وحده قول ناقص، بل مضلِّل. فالذي يحدث فعليًا هو عملية من طورين لا ينفصلان: طور التّوليد الذي تقوم به الآلة استجابة لطلب مفصَّل (prompt) يحمل تصوّر صاحبه، ونيته، ومقصده، وطور المراجعة الذي لا يقوم به إلاّ الإنسان، ونعني به، قراءة واعية عميقة، حذف وتبديل، تراجع ورفض، حتى يستقر النّص على الصّورة التي يرضاها صاحبه ويُقرّ بها أمام النّاس. هذا الطّور الثّاني، هو ما يجعل الاشتغال على النّص المولَّد آليًّا “فعلَ أنسنة” له. بمعنى تحويله من ناتج احتمالي عائم، لا صاحب له بعينه، إلى كلام مسؤول عنه، منسوب إلى إرادة بشرية واعية اختارت هذه الصّياغة دون تلك، وقبلت هذا المعنى ورفضت ذاك.
إنّه الأمر الذي يجعل السّؤال عن “مؤلّف” النّص المولَّد بالذّكاء الاصطناعي سؤالًا مضلّلًا إن طُرح بصيغة الإما/أو. فالباحثون العرب الذين تناولوا هذه القضية يفرّقون بين علاقات ثلاث ممكنة بين النّاقد، أو الكاتب، والذّكاء الاصطناعي، وهي: علاقة تنافسية، وعلاقة استحواذية، وعلاقة تشاركية، ويقترحون نماذج عملية لكيفية تفعيل هذه العلاقة الأخيرة في النّصوص النّقدية والإبداعية التي تبدأ بطلب مفصل، فمراجعة، فإقرار، هو عين النّموذج التّشاركي. فلا الآلة مؤلفٌ مستقلٌ، ولا الإنسان ناسخ سلبي لناتجها، بل شريك يمتلك النّص بمراجعته له كما يمتلك المهندس بناءه بإشرافه على تنفيذه، لا بصبّ كلّ قالب خرسانةٍ بيده.
غير أنّ هذه “الأنسنة” ليست شعورًا مبهمًا بـ”الرّضا” عن النّص، بل مجموعة إجراءات يمكن تعيينها وتعلّمها وتوريثها، تمامًا كما وَرِث المحقّق مناهج تحقيق المخطوط عن أسلافه. وأقترح هنا “طرائق سبعًا” يمكن اعتمادها منهجًا لهذه المراجعة، مرتّبة من الأعم إلى الأخص:
أ. مراجعة المصداقية والمرجع. قبل كلّ شيء، يُخضِع المراجعُ كلّ واقعة، أو تاريخ، أو نسبة قول ورد في النّص المولَّد للتّحقق من مصدرها الأصلي، لأنّ الآلة قد تُنتج معلومة تبدو متماسكة الصّياغة وهي خاطئة في مضمونها. هذه الخطوة شرط لا تسقط معه بقية الخطوات، لأنّها تخصّ أمانة النّص لا جمالياته.
كثير ممّا يبدو سليمًا للعين يتعثّر حين يُقرأ بصوت عالٍ، مثل: تكرار غير مقصود، ثقل في التّركيب، فقدان الإيقاع. وهذه أداة قديمة توارثها الأدباء قبل الآلة
أ. مراجعة الصّوت الأسلوبي. يقرأ الكاتب النّص المولَّد مقارنًا إياه بنماذج ممّا كتبه هو نفسه من قبل متسائلا: هل هذا التّركيب، هذا الإيقاع، اختيار المفردة، ممّا يشبهه أو ممّا يتنافى مع “بصمته” المعروفة؟ فحيث لا يشبهه، يُعيد الصّياغة بيده أو يوجّه الآلة إلى إعادة المحاولة، حتى يستحيل النّص حاملًا لملمسه الخاص لا لنكهة عامة مصطنعة.
ب. القراءة الجهرية. كثير ممّا يبدو سليمًا للعين يتعثّر حين يُقرأ بصوت عالٍ، مثل: تكرار غير مقصود، ثقل في التّركيب، فقدان الإيقاع. وهذه أداة قديمة توارثها الأدباء قبل الآلة، وتظل من أنجع وسائل كشف “الاصطناعية” في النّص المولَّد.
ت. الحذف الجريء. يسأل المراجع عن كلّ جملة: ماذا يفقد النص لو حذفتها؟ فإن كان الجواب “لا شيء”، حذفها. فالنّص المولَّد آليًّا يميل إلى الحشو والإطناب المهذَّب الذي يبدو مفيدًا دون أن يكون كذلك، ومهمة المراجع أن يُخضعه لانضباط لا تعرفه الآلة من تلقاء نفسها.
ث. المراجعة التزامنية. بدل الاكتفاء بقبول النّاتج الأول أو رفضه، يحسن بالكاتب أن يفتح مع الآلة حوارًا نقديًا صريحًا بعد التّوليد: لماذا اختارت هذا التّعبير؟ فيطلب إعادة الصّياغة، أو يستوضح الفارق بين فقرة وسابقتها. هذا الحوار يحوّل المراجعة من عملية قبول/رفض صامتة إلى عملية تفاوضية واعية، يترك فيها الكاتب أثر قراره في كلّ طبقة من طبقات النّص.
ج. الإراحة الزّمنية. يترك الكاتب النّص المولَّد يومًا أو بعض يوم قبل مراجعته النّهائية، تمامًا كما كان يفعل بمسوّدته الخاصة، لأنّ قرب العهد بالنّص – آليًّا كان أو بشريًّا – يُضعف حدّة النّظر النّقدي إليه.
ح. المراجعة الغَيرية. يحسن أن يُعرض النّص، بعد مراجعة صاحبه له، على قارئ آخر بشري – زميل أو محرّر – لا لمراجعة الأسلوب فحسب، بل تحديدًا لتبيّن ما إذا كانت رائحة “الآلة” لا تزال عالقة به رغم المراجعة الأولى. فالمراجع الأول كثيرًا ما يألف نصّه فيعمى عن شوائبه.
هذه الطرائق مجتمعة هي ما يحوّل التّوليد الآلي من كتابة نيابة عن الكاتب إلى كتابة بواسطته، وهي – في جوهرها- إعادة إنتاج لما فعله المحقّق دومًا بالمخطوط القديم، إذ لا يكتفي بنسخ الرّواية كما وجدها، بل يقابل النّسخ، ويرجّح، ويعلّق، ويُخرج نصًّا يحمل توقيعه العلمي إلى جانب توقيع الأصل.
3. حجج المتوجّسين.
ولماذا لا تصمد على إطلاقها:
من الإنصاف أن نستحضر أقوى ما قيل في الجهة المقابلة قبل أن نردّ عليها. يرى بعض الباحثين أنّ الإبداع الأدبي يتغذّى على تفاعل الكاتب مع قرائه، ونقاده، وتجاربه الحياتية المباشرة، وأنّ الذّكاء الاصطناعي، إذ يعتمد على بيانات سابقة مُدخلة له، يعجز عن الابتكار خارج الإطار الذي حُدّد له سلفًا. وثمّة من يذهب أبعد من ذلك فيتساءل: كيف للقارئ أن يتيقّن أنّ القصيدة أو الرّواية التي بين يديه صادرة عن تجربة إنسانية حقيقية، لا عن “عالم حاسوبي” بارد، مستشهدًا بأنّ أحدًا لم يكن ليقبل من شاعر بحجم “بدر شاكر السّياب” نصوصًا خالية من الإيقاع الذي صار “بصمة” أسلوبية خاصة به.
الطّلب المفصل الذي يصوغه الكاتب هو بالضّبط المكان الذي تدخل منه تجربته الحياتية، وذائقته، وقراراته الأسلوبية إلى النّص
هذه الحجّة وجيهة في مقدمتها، هشّة في نتيجتها. فهي تصف بدقّة ما يحدث حين يُترك النّص المولَّد دون مراجعة: نصٌ مصطنعٌ، منكَّه بنكهة لا شخصية، خالٍ من “الملمس” الذي يميّز تجربة كاتب بعينه عن آخر. لكن هذا وصف لسوء استعمال الأداة، لا لعجزها البنيوي. فالطّلب المفصل الذي يصوغه الكاتب هو بالضّبط المكان الذي تدخل منه تجربته الحياتية، وذائقته، وقراراته الأسلوبية إلى النّص. والطّرائق السّبع التي فصّلناها آنفًا هي بالضّبط ما يُخضع النّاتج الآلي لمعايير صاحبه الخاصّة، فيرفض ما لا يشبهه ويثبّت ما يشبهه، حتى يستحيل النّص – في نسخته النّهائية المُقرّة – حاملًا لبصمته هو لا لبصمة أحد سواه. وحتى صاحب الرّأي المتشائم نفسه ينتهي إلى الاعتراف بأنّ معيار الحكم الحاسم سيكون قاموس الأديب، وتجربته، وسياقاته الخاصّة، وأنّ النّقد الجاد لن تخدعه جماليات النّص المولَّد وحدها إن خلا من هذا الملمس الشّخصي. وهذا اعتراف – وإن لم يقصده صاحبه – بأنّ مقياس الأصالة ينتقل من سؤال “من كُتب الحرف الأول؟” إلى سؤال “من يملك القرار الأخير؟”، وهو عين ما ندافع عنه هنا.
أمّا مخاوف أخرى، وهي مشروعة حقًّا، فتتعلّق بأنّ النّماذج تتعلّم من كمّ هائل من النّصوص البشرية القائمة، فقد تعيد إنتاج تحيّزاتها الثّقافية بدل أن تتجاوزها. وهذه ملاحظة يجب أن تبقى حاضرة في وعينا النّقدي، لا أن تُستخدم ذريعة لرفض الأداة كلّها، تمامًا كما لم يمنع تحيّز عدسة المصوّر واختياره لزاوية اللّقطة من قيام فنّ فوتوغرافي ناضج يعي حدود أداته ويستثمرها بدل أن يتنكّر لها.
4. من الأدب إلى الرّسم والموسيقى.
زحف واحد بمنطق واحد:
ما يجري في الكتابة ليس معزولًا عمّا يجري في فنون أخرى. فقد زحف الذّكاء الاصطناعي إلى الرّسم، والموسيقى بالمنطق نفسه حسب الخطوات التّالية: تصوّر إنساني سابق، فتوليد آلي، فمراجعة وانتقاء إنسانيان لاحقان. ولنا في وقائع حديثة أمثلة تُبين كيف يعمل هذا المنطق على أرض الواقع، لا في التّنظير المجرّد وحده.
أ. في الرّسم، واقعة لوحة “المسرح الأوبرالي الفضائي” ( ):
في صيف 2022 دخل الأمريكي “جيسون ألن” ” Jason M. Allen “( ) مسابقة الفنون التّشكيلية في معرض ولاية كولورادو بلوحة أنتجها عبر أداة “ميدجورني” (Midjourney) للتّوليد بالذّكاء الاصطناعي، فحصدت المركز الأول في فئة الفنون الرّقمية. وأثارت النّتيجة موجة غضب بين فنانين رأوا أنّ الفوز آلي المصدر لا يستحق التّتويج. غير أنّ الوقائع التي كشفها “ألن” نفسه تنقض هذه الصّورة المبسّطة: فقد أمضى أكثر من ثمانين ساعة، ولّد خلالها نحو تسعمائة تكرار مختلف للصّورة، منقّحًا صياغة أمره النّصي تنقيحًا متتاليًا حتى استقر على ثلاث لوحات. بعبارة أخرى: توليد آلي محكوم بمئات القرارات البشرية المتتالية، لا ضغطة زرّ واحدة كما تصوّر خصومه. هذه الواقعة بالذّات مثال حيّ على “الأنسنة بالمراجعة”: فالفارق بين مستخدم عابر يقبل أول ناتج تعرضه الآلة، وبين “ألن” الذي راجع وانتقى وبدّل مئات المرّات، هو نفسه الفارق الذي يحدّد أين يُقيم المؤلّف اليوم.
لم يعد الذّكاء الاصطناعي أداة توليد صورة واحدة بأمر واحد، بل صار وسيطًا يعيد “حلم” تاريخ الفن نفسه استجابة لبيانات حيّة من البيئة المحيطة بالعمل.
ب. في الترّكيب الفنّي القائم على البيانات:
يذهب الفنان التّركي-الأمريكي “رفيق أنادول” “Refik Anadol “( ) بالمنطق نفسه إلى أفق مختلف: فقد درّب نموذج تعلّم آلي على أكثر من مئتي عام من مقتنيات متحف الفن الحديث في نيويورك، وأنتج عملًا بعنوان “بلا إشراف” (Unsupervised) اعتُمد جزءًا من المجموعة الدّائمة للمتحف نفسه سنة 2023. هنا لم يعد الذّكاء الاصطناعي أداة توليد صورة واحدة بأمر واحد، بل صار وسيطًا يعيد “حلم” تاريخ الفن نفسه استجابة لبيانات حيّة من البيئة المحيطة بالعمل. والفنان هنا لم يرسم بيده خطًّا واحدًا، لكنّه صمّم النّموذج، واختار مدوّنة البيانات التي يتغذّى عليها، وقرّر شروط تفاعله مع بيئته. وهذا كلّه عمل إبداعي وتقني لا تقوم به الآلة من تلقاء نفسها.
ت. في الموسيقى، إحياء صوت “جون لينون”:
ترك جون لينون قبل وفاته تسجيلًا منزليًّا خامًا امتزج فيه صوته بصوت البيانو امتزاجًا يتعذّر فصله بالوسائل التّقليدية. وظل هذا التّسجيل حبيس هذه العلّة التّقنية عقودًا، حتى أتاحت تقنيات تعلّم الآلة -التي طوّرها فريق المخرج “بيتر جاكسون” لتنقية أصوات فيلمه الوثائقي عن الفرقة- فصلَ صوت “لينون” عن الخلفية فصلًا نظيفًا لأوّل مرّة. عندها فقط استطاع “بول مكارتني” و”رينغو ستار” أن يكملا الأغنية، فأضافا إليها عزف غيتار سبق أن سجّله “جورج هاريسون” في التّسعينيات، وطبولًا وآلات جديدة، لتصدر أغنية “الآن ومن ثمّ” سنة 2023 بوصفها “آخر أغنية” لفرقة “البيتلز”. لم يؤلف الذّكاء الاصطناعي -هنا- لحنًا ولا كتب كلمة، بل أدى دور الوسيط التّقني الذي أعاد الوصول إلى مادة بشرية خام كانت ضائعة، تاركًا للموسيقيين البشر سلطة القرار الفنّي كاملة فيما يُبنى فوقها.
هذه الأمثلة الثّلاثة: اللّوحة، والترّكيب الفنّي، والأغنية – وإن اختلفت طبيعتها، تشهد جميعًا على المنطق الواحد الذي نتحدّث عنه: التّوليد الآلي مرحلة تقنية، تليها بالضّرورة سلطة بشرية تراجع وتختار وتُقرّ، هي وحدها ما يمنح النّاتج صفة العمل الفنّي المسؤول عنه. وهذا يعني أنّ ما نناقشه ليس أزمة أدبية معزولة، بل تحوّلًا جماليًا شاملًا يطال معايير القيمة في الفنون كافّة، ويستدعي وعيًا نقديًا مختلفًا عمّا تعلمناه في المدرسة والجامعة، ووعيًا جماليًا جديدًا يليق بحضور هذا الفاعل الجديد في المشهد.
5. خطوة أجرأ لا قطيعة:
حين نضع هذه المحطة إلى جانب سابقاتها – الإزميل فالقلم، فالرّسم فالفوتوغرافيا، النّسخ اليدوي فالمطبعة – يتّضح أنّ الكتابة بالذّكاء الاصطناعي ليست تراجعًا عن مسؤولية الكاتب، بل تصعيدًا لها. فالكاتب الذي كان يكتفي سابقًا بصوغ جملته الأولى بنفسه، صار اليوم مطالبًا بأن “يتقن صَوْغَ الطّلب” الذي يوجّه به الآلة، ثمّ يُخضع ناتجها لغربلة نقدية منهجية -كما فصّلنا في طرائق المراجعة السّبع- أشدّ صرامة ممّا كان يُخضع له مسوّدته الخاصّة، لأنّ النّص أمامه الآن غريب بعض الغربة قبل أن يُؤنْسِنَهُ بمراجعته. وهذه في جوهرها، خطوة أكثر جرأة وابتكارًا، لأنها تفترض كاتبًا واعيًا بأدواته، ناقدًا لنفسه ولناتج آلته معًا، لا مستسلمًا لسطر يظهر على الشّاشة فيقبله كما هو.
لم يُلغِ القلمُ الإزميلَ، بل حصره في مجاله المحدود وهو النّحت. وسيبقى القلم -على الأرجح- محدودًا في أدوار بعينها، كما بقي الإزميل. أمّا الذّكاء الاصطناعي فواسطة جديدة، تستحق أن تُقبل كما قُبل سابقاها، وأن تُدرس نقديًا كما دُرست الفوتوغرافيا حين وُلدت، لا أن تُرفض جملة بذريعة أنها ليست القلم. والمهمة الملحّة اليوم ليست رفض هذا الحضور ولا التّسليم الأعمى له، بل تنظيم ندوات هادئة عميقة تعيد فيها ساكنة القرن الواحد والعشرين النّظر في موازين حكمها الجمالي والنّقدي، كما أعاد أهل كلّ عصر النّظر في موازينهم كلّما تغيّر وسيطهم.
*عضو المجلس الأعلى للغة العربية- الجزائر.




