جودت هوشيار
في 5 أيلول/سبتمبر 1940، عادت الشاعرة الروسية مارينا إيفانوفنا تسفيتايفا إلى دفترها في موسكو، وكتبت واحدة من أكثر صفحاتها الشخصية قسوةً وإيلاماً. لم تكن هذه الكلمات قصيدة ولا نصاً أدبياً صاغته لتُنشر، بل اعترافاً شخصياً شديد العري، كتبته في دفترها الخاص:
«عن نفسي. الجميع يعدّونني شجاعة. وأنا لا أعرف إنساناً أكثر جبناً مني. أخاف كل شيء. العين، والظلام، والخطوة، وأكثر ما أخافه هو نفسي، رأسي، إذا كان هذا الرأس الذي يخدمني بإخلاص في الدفتر، يقتلني بهذه الإخلاص نفسه في الحياة.
لا أحد يرى، ولا أحد يعرف، أنني منذ عام، تقريباً، أبحث بعيني عن خطّاف، لكنني لا أجده، لأن الكهرباء موجودة في كل مكان. لا ثريات… لقد أمضيت عاماً أجرّب الموت. كل شيء بشع ومخيف. ابتلاع شيء ما ــ مقرف؛ القفز ــ عداء، والنفور البدائي من الماء.
لا أريد أن أخيف أحداً بعد موتي، ويبدو لي أنني أخاف من نفسي حتى بعد موتي. لا أريد أن أموت. أريد ألا أكون. هراء. ما دمتُ لازمةً لأحد… ولكن، يا رب، كم أنا صغيرة، وكم أنني عاجزة عن كل شيء!
أن أواصل العيش، أن أمضغ ما تبقى من الحياة… الشيح المرّ. كم من السطور مضت! لا أكتب شيئاً. انتهى هذا الأمر».
النص الروسي الأصلي محفوظ ضمن دفاتر تسفيتايفا، وتؤكد مصادر توثيقية أن هذه الصفحة مؤرخة في 5 سبتمبر 1940 في موسكو، وأنها جزء من دفترها الذي استأنفت الكتابة فيه في ذلك اليوم.
والعبارة الأكثر إثارة للصدمة هي: «لقد أمضيت عاماً أجرّب الموت». فهي لا تتحدث عن فكرة عابرة، بل تصف، بلغتها الخاصة، انشغالاً بالموت استمر قرابة عام. ومع ذلك، فإنها تقول في الجملة نفسها تقريباً: «لا أريد أن أموت. أريد ألا أكون»؛ وهو فرق بالغ الدلالة بين الرغبة في إنهاء الحياة والرغبة في الخلاص من حالة وجود أصبحت، في نظرها آنذاك، فوق طاقتها.
وكانت تسفيتايفا قد عادت إلى الاتحاد السوفيتي في يونيو/حزيران 1939، بعد سنوات طويلة من الهجرة. لكن عودتها لم تكن عودة إلى الاستقرار. ففي أغسطس/آب 1939 اعتُقلت ابنتها أريادنا «أليا» إيفرون، ثم اعتُقل زوجها سيرغي إيفرون في أكتوبر من العام نفسه. وقد تركت الاعتقالات والملاحقات الأمنية أثراً بالغاً في حياتها وفي وضع الأسرة. وتشير المصادر التي توثق دفترها إلى أن عبارة «منذ عام تقريباً» كُتبت في سياق هذه السنوات القاسية تحديداً.
ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتزيد محنتها. ففي صيف 1941 أُجبرت تسفيتايفا على مغادرة موسكو مع ابنها غيورغي، المعروف باسم «مور»، ضمن موجة إجلاء الكتّاب والسكان بعد الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي. وصلت إلى يلابوغا في أغسطس/آب 1941، حيث لم تجد الاستقرار ولا عملاً مناسباً. وفي 26 أغسطس تقدمت بطلب إلى صندوق الأدب السوفيتي للعمل في مطعم الأدباء غسّالة أواني؛ وهي واقعة موثقة في طلبها نفسه.
وفي 28 أغسطس عادت إلى يلابوغا بعد فشل مساعيها للانتقال إلى تشيستوبول، وفي 31 أغسطس 1941، أي بعد أقل من عام على تلك الصفحة التي كتبت فيها أنها «تبحث بعينيها عن خطّاف»، فارقت الحياة منتحرة في البيت الذي كانت تقيم فيه مع ابنها. وقد تركت ثلاث رسائل: واحدة لابنها مور، وأخرى لأصدقاء ومعارف، وثالثة للمُجلين طالبةً فيها ألا يُترك ابنها وحيداً.
وهنا تأتي المفارقة المروعة التي التصقت بذاكرة تسفيتايفا: في سبتمبر 1940 كانت تكتب عن بحثها عن «خطّاف» لا تجده في عالم تغلب عليه الكهرباء، وبعد أقل من عام انتهت حياتها في يلابوغا، حيث كان المسمار المثبت في عارضة مدخل البيت هو الموضع الذي عُثر عليها معلقةً به. وقد أصبح هذا المسمار لاحقاً جزءاً من الذاكرة المادية لمأساة الشاعرة، حتى إن الباحثين تحدثوا عن «مسمار يلابوغا».
ولذلك تبدو الجملة الأخيرة من صفحة 1940 ــ «لا أكتب شيئاً. انتهى هذا الأمر» ــ أشد وطأة حين نقرأها بعد معرفتنا بما حدث في 31 أغسطس 1941. لكنها لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها نبوءة مؤكدة بالموت؛ فالوثيقة نفسها تكشف تناقضاً داخلياً بالغ الأهمية: «لا أريد أن أموت. أريد ألا أكون». كانت تسفيتايفا في تلك اللحظة تصف صراعاً داخلياً، لا تعلن فيه قراراً نهائياً.
لقد كانت مأساة تسفيتايفا أكبر من مجرد قصة شاعرة أنهكتها الرغبة في الموت. فقد عاشت سنوات المنفى، ثم عادت إلى بلدها لتجد ابنتها وزوجها في قبضة الاعتقال، وعاشت العزلة والفقر وصعوبة النشر والعمل، ثم وجدت نفسها، مع ابنها، في مدينة بعيدة أثناء الحرب، بلا مورد ثابت وبلا شبكة الدعم التي كانت تحتاج إليها. وفي 31 أغسطس 1941 انتهت حياتها في يلابوغا عن تسع وأربعين سنة.
وهكذا تظل تلك الصفحة المؤرخة في 5 سبتمبر 1940 واحدة من أكثر الوثائق إيلاماً في أدب اليوميات الروسي: امرأة يراها الجميع «شجاعة»، بينما تقول هي عن نفسها إنها أكثر الناس خوفاً؛ شاعرة تقول إنها لا تريد الموت، وإنما تريد فقط «ألا تكون»؛ ثم بعد أقل من عام، تتحول الكلمات التي كتبتها في دفترها إلى واحدة من أكثر نهايات الأدب الروسي مأساوية.





