المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

ساعتان من جلاءعتمة بمعية بورخيس

حاوره: جان بول إنتهوفن
ترجمة: محمد العربي هروشي

 

جرت وقائع هذا الحوار الشيق داخل مطعم يقع بإحدى ضواحي العاصمة الأرجنتينية بوينوس آيريس شارع الفنون الجميلة ،حيث شارك المحاور جان بول إنتهوفن بورخيس وجبة أرز،كانت ثمرة هذا الحديث الذي تناول كثيرا من المواضيع والشخصيات الأدبية ووجهة نظر صاحب ficciones/خيالات، مجموعته السردية الضخمة والتي أجمع بصددها النقاد كونها من أهم إبداعات خورخي لويس بورخيس.

جون بول: كان قد نبهني هيكتور: إن بورخيس مؤمن بالخرافات، وقبل أن يتكلم، كان يتهرب من الطرق الملتفة، ومن الأماكن المشتركة، هروب الآخرين من العين الشريرة. مشيرا إلى أن هذه العادة ورثها عن فلوبير.
خورخي: آه فلوبير، أهو فضل صديق، هل تريد أن أتحدث لك عن فلوبير؟
بورخيس؟ موضوعة مؤلمة، فبورخيس ذاته قد تعب من أن يصير بورخيس.

جون بول: لماذا؟
بورخيس: لأنه قد مر عليه 78 سنة وهو بورخيس، الآن أنا أعمى، أنا محكوم بالظلام في صحبتي. هكذا، فعند أقل فرصة، أقلب ظهر المجن، أسافر، أغادر بورخيس كمثل حية تغادر جلدها القديم. فبالحديث عن نفسي لن أتمكن من الهرب من نفسي بما يكفي. وفوق هذا وذاك أحس بالجوع، علينا أن نأكل .

جون بول: لست أصما
بورخيس: من حسن الحظ، لست أصما، فالصم هم دائما سخيفون… هم أناس على قدر من السخرية ؟مسكين بتهوفن(متوجها إلي بالكلام) هل كان أحد أبويه أصما؟ آه، لا فاسمه مختلف شيئا ما… مع أن هذه (تهوفن) بالمشترك في كل الحالات، عليها أن تخلق روابط غامضة، أليس كذلك ؟أو لست محبا للموسيقى؟ (ودون أن ينتظر إجابتي) ففي جميع الأحوال، يلحقون بالعميان، ظلما، حكمة عظيمة، شيء مسل.

جون بول: تعلمون بأنه في الولايات المتحدة الأمريكية، لا يوجد أرز؟ هؤلاء الناس يتذوقون البصل والثوم فقط .أليس هذا مرعبا؟
بورخيس: الشيء الوحيد الذي يشرح صدري في هذا العالم… لما كان أسلاف الأنكلوساكسون يستعملون عبارة Thor ولم يكونوا متيقنين إذا ما كانت تعني “إله الرعد” أم تعني “الصوت الذي يحدثه الشعاع”، يتحدثون في المابين بين الغموض الذي يجهد الشعر نفسه لإعادة اكتشافه واستكشافه.
والمأساة أن الكلمات نسيان وأصبح من التحذلق إنعاش الذاكرة. بالنسبة إلي يبدو لي هذا غامضا كما الكون. هناك أعلق أحلامي.

جون بول: هل أحلامك مثل كتبك، ممتلئة بالنمور والمرايا، والمتاهات، والخناجر؟
بورخيس: رفقا احتفظ لي بهذا السؤال، كل الناس يروا من واجبهم أن يوجهوا لي السؤال، صراحة، لم تعد لبورخيس الجرأة على الإجابة.

جون بول: فليكن ذلك، فلندع بورخيس جانبا. إلا أنه مع ذلك يوجد بورخيسييون… وفي النهاية تم منح صفة تستعمل لتمييز نوعا ما، من التاريخ ومن القصة، ومن الهوس… ملزم بالافتراض…
بورخيس: أهو بورخيسي؟ لا توجد هذه الصفة في الإسبانية.

جون بول: على أي حال،إذا كانت هذه الصفة قد اخترقت الحدود الجغرافية، فمن المرجح يعني هذا بأنك أكثر شهرة في أوروبا منها في الأرجنتين…
بورخيس: أدين بهذا الامتياز لمترجمي، الذين كما تم توضيحه، يتوفرون على موهبة أكثر مني، هم من اكتشفني،أدبيا.أعتقد ،بأن فولكنير كان له الحظ ذاته في فرنسا بفضل مترجمه الأنيق موريس إدغار كواندرو. إلى هذا أضيف بأن فرنسا كانت دائما كريمة و مشتتة الذهن: إنه لمن اليسر أن تتحول إلى شخصية مرموقة في بلده.

جون بول: هل تعلمون من هو ميشل فوكو؟
بورخيس: أظنه فيلسوفا،لما علمت بأنه يقصد أنه تحدث عني، فضلت ألا أعرف ما قاله بصددي لأنه دائما يغمرني ذكاء الفلاسفة والفرنسيين بخاصة، والذين يغامرون بكتبي. تبهرني بصيرته. بيد أنه ماذا بوسعي قوله، أنا كاتب من المدرسة القديمة: فخيالي شيد ألغازا صغيرة وعجيبة، ولا يعجبني بتاتا أن يقتحمونني في أرض هي محتلة سالفا.

جون بول: في تواضعك اعتزاز كبير..
بورخيس: أجل أبدي اعتزازا بالنفس ليس من أجلي، وإنما من أجل الفلسفة.هذه المادة السامية يتعين تكوينها من مواد نبيلة وتخيالات الأعمى هاته التي لدي غير جديرة بها.
يؤكد جويس بأن العمى أهون مما حدث لك، عبث، أليس كذلك؟ أكره في الناس قولهم، لمواساتي، بأن العالم الحالي ليس جميلا وقال لي: “آه، إنما لكم ذكريات وكثافة حياتكم السالفة”.. أغبياء لا يعلمون بأن الليل غير قابل الاحتمال على الإطلاق. بالمناسبة اقتنيت للتو تسجيلا لدوريرو. لم أره بيد أني أتذكر رسوماته. وأحب أن يبقى قريبا مني موضوعا في إطار. كذلك لدي هنا تسجيل بيرانيسي أمحضه كثيرا من الحنان.

جون بول: في قصائدك الأخير تتخيلون الوردة التي رآها ميلتون… نود معرفة ما هي آخر الكتب التي قرأها بورخيس…
بورخيس: قرأت كتابا لليون بلوي: المتسول الجاحد مع أن عمله يحفل بفظائع شديدة، كان يعتبر كاثوليكيا جيدا، غير أن ذوقه إزاء القبالة (تفسير عند اليهود /م) لم يكن أرتودوكسيا كما نقول.

جون بول: في تلك الأوقات كان سارتر أيضا شبه أعمى ،ومثلكم، صديق قديم لفلوبير… سبابان كافيان لتحسوا بأنكم قريبون منه، أليس كذلك؟
بورخيس: أبدا لم أقرأه بشكل مناسب…

جون بول: العمى بالنسبة إليه يعني التخلي عن الكتابة. في كافة الأحوال، التخلي عما يسمى ب “الأسلوب”…
بورخيس: مرجح لأن أسلوبه، كمثل باقي الوجوديين، أسلوب “مرئي” وليست هذه حالتي. فسارتر يكتب كتبا كبيرة الحجم، هكذا من المرجح كان يحتاج إلى إعادة القراءة فيما يكتب، والتشطيب على الورق… أما بالنسبة لحكاياتي، فبوسعي تلميع كل عبارة في صمت ذهني. وعندما أملي، تكون تامة سلفا.

جون بول: من غير فلوبير وبلوي ليس لديكم أي ولع بالأدب الفرنسي…
بورخيس: لا، ليس هذا مؤكدا.كان الأدب الفرنسي من أصدقائي، لا تنسى أنني درست بالفرنسية بجنيف.

جون بول: وماذا عن نرفال؟ وبودلير؟ ورامبو؟
خورخي: بودلير له ذوق سيء. قصائده مملوءة بجيف ومفاهيم مريضة أو فاسدة، سحرة متضورة جوعا، وسفاكي دماء… وفضلا عن ذلك، أبياته الشعرية مترعة بعبارات يستعملها فقط، ليستقيم له الوزن، من قبيل « eslabon » و« corazon ». أيبدو لك هذا جميلا؟ وههنا رجس آخر يخطر بعقلي:
“تركت لجفارني، شاعر داء الاخضرار. هذه الجلبة الخورخية من محاسن المستشفى”. رجل يكتب شيئا من هذا القبيل.

جون بول: وماذا عن ملارمي؟
خورخي: ملارمي كان مهووسا بالتجديد، وهذا منشؤه غرور عظيم، بما أن للكلام دائما شيئا مصيريا، ففي أحسن الأحوال يتحول المجددون إلى معالم متحف، ذاتها الفكرة الملارمييانة (من ملارمي.م) لنص خاص أو شخصي يثير المؤمنين به أو أنه يتعب. تخيل أوكراني أو فارسي يتعلم الفرنسية بواسطة نثر أو أبيات ملارمي.ربما اقتنعت، بعد سنوات كثيرة من التعلم، بأن ديدرو وفولتيركانا يعبران بلهجة غير مفهومة…

جون بول: وعليه، وإزاء هذا الغرق، فمن يتعين علينا إنقاذه؟
خورخي: فكتور هوغو طبعا.كان شاعرا جماهيريا كبيرا، ولم تحد فرنسا عن الصواب حينما حضرت برمتها جنازته كأمة. أقول هذا ويبقى فرلين شاعري المفضل، ليس بذوقه أدنى عيب…كذلك أحس بكبير طراوة لأجل تولي، شاعر منسي بشكل غير منصف. بعدئذ هناك فولتير، ديدرو، ثم دلمبير، الموسوعة، أغنية رولان… فوق الكل، كان فلوبير أول من يعلم بأن مهنة كاتب كانت كهنوتا، واستشهادا…

جون بول: وبروست؟
خورخي: للأسف في الزمن الضائع توجد فقط شخصية واحدة مهمة، البارون دي شارلو. أما بالنسبة للباقي فليست لنا الرغبة في معرفتهم… وزيادة على ذلك، فعباراته – كما قال طوماس دي كنسي بصدد المسافر الألماني – “هي عبارة عن حقائب كبيرة حيث يضع كل ما يحتاجه ليسافر حول العالم”. وأخيرا شيء ما تافه على قدر من الأهمية ،يطوق عمل بروست بكلية: إنه أدب يتأسس على النميمة. ومع ذلك، نحن مديننين له بصفحاته الرائعة حول الذاكرة التي بها عيب واحد فقط: كان برجسون قد كتبها قبله. ولا داعي للقول بأن هذه الأسرار يجب أن تبقى بيننا…

جون بول: وماذا عن معاصريه؟
خورخي: لا أقرأ أبدا ما يكتبونه. يرعبني أن أجابههم.

جون بول: ولكن هناك كتاب مرموقين بأمريكا اللاتينية…
خورخي: هذا ما يقولونه لي غالبا…

جون بول: في كل الأحوال ،غارسيا ماركيز، أوكتافيو باث، ألخو كاربنتير وكارلوس فوينتيس يعنون لك شيئا؟
خورخي: أتعلم؟ أتى علي أربعون عاما دون أن أقرأ صحيفة…

جون بول: وماذا عن نيرودا؟
خورخي: أجل أعرفه وأحيانا أتحدث معه. كان، مثلي ،يعتقد بأن الإسبانية لغة غير قابلة للإصلاح حتى يستحيل أن نستطيع بواسطتها فعل شيئ ذي أهمية، وأنا أجبته بأن هذا هوالسبب الذي جعلنا لم نصنع شيئا… ربما كان علينا أن نجرب الإنجليزية. أمسكت به… نعم. هيا فلنحاول ذلك. فأجابني. لكنه يعلم. وتعلمون بأن شكسبير قد كتب ما هو أساسي. وفي مناسبة أخرى ،دعاني نيرودا لزيارته وكان سفيرا وشيوعيا، وأنا لم أشأ أن يقول عني الصحافيون، بأني أنا بورخيس،قمت بزيارة لشيوعي.

جون بول: لماذا؟
خورخي: لأني أنا رجل من اليمين، على الأقل هذا ما سيقولونه عني، وبما أنهم سيذهبون إلى القول بذلك، فليس ثمة طريقة لربح جائزة نوبل…

جون بول: لم يكن لكم أي وازع لزيارة الجنرال بينوتشي الذي هو فاشي كبير…
خورخي: بالنسبة إلي لم يكن فاشيا.

جون بول: حتى أنكم قبلتم منه شخصيا منحة أدبية…
خورخي: أجل هذا ما حصل. بيد أن الكثير لا يعتبره فاشيا. تعشيت معه. وتجاذبنا حديثا متعدد المشارب…

جون بول: تعلمون أنه في الشيلي زمن بينوتشي كان الناس يعذبون والكتب تحرق؟
هناك مقال حديث لمريوريو بأن الكيخوطي أحرق…
خورخي_ هذا هو رأيي، غير محتمل على الإطلاق.

جون بول: وحاليا ألا يزعجكم العنف والوحشية البوليسية للنظام الأرجنتيني؟
خورخي: كنت دائما ضدبيروني، لأن بيرون كان دائما وغدا أرشى البلاد كلها. من جانبي، لم أتعرف على بيروني ذكي… فبعد منفاه، عاد إلى السلطة، فكانت تعاستي عظيمة: كان هذا بمثابة عودة الابتذال والجهل. من حسن الحظ أن إيفيتا (زوج بيرون/م) لم تعد موجودة،ويا لها من امرأة مرعبة !هناك حكاية طريفة ومشهورة بشأنها: ذات يوم أراد البيرونيون أن يكرموا مدينة لابلاطا بإطلاق اسم إيفا بيرون عليها. فبعض المحافظين ملتصقين جدا باسم مدينتهم، تقدموا بحل وسط: قائلين بأن مدينة لابلاطا من الآن فصاعدا ستسمى لابلوتا/la pluta (وهي كلمة منحوتة من لابلاطا laplataو لا بوتا la puta /العاهرة .م) فلابلاطا تعني “النقود” وبوتا فهي تعني ما تعنيه… لكن بين النقود والعاهرة توجد المعادلة القديمة التي عفا عنها الزمن ولا أحد يغفل عنها. لتشريف إيفا بيرون، الدعارة وجاذبية المال يتحدان في لعبة الكلمات التي، وبوضوح ،لا أعول على موافقة الإدارة البيرونية .أما فيما يتعلق بإسابيليتا، الزوج الثانية لبيرون لم تكن سوى أسطورة لأسطورة ميتة.

جون بول: لكن بيرون لم يعد موجودا. والآن في مكانه الجنرال بيديلا، والذي يرسل، يوميا، بمعارضيه إلى السجن، بحيث لا يرسلهم إلى الإعدام…
خورخي: هيا، هيا هذا ليس إلا دعاية… إذا كان هذا الذي يقال حقيقة، كنت علمت به. خاصة وأنا أقطن بالقرب من الدائرة العسكرية لبوينوس آيريس…
الآن أعيش ببوينوس آيرس، كالعادة، وبالعمارة ذاتها… أعرف كل زاوية، حيث الأثاث وإطارات الصور والأشياء. يزورني بعض الأصدقاء، يعرفون بأنني لا يعجبني أن أتعشى لوحدي، فهذه المدينة، هذه العمارة جزء من قدري. لن أغادر من هنا أبدا.

جون بول: هل مازلت تستمع للطانغو؟
خورخي: الطانغو رقصة قديمة للماخور. الأرجنتينيات الأنيقات بدأن في رقصه لما علمن بأنه يرقصونه أيضا في باريس. من جانبي كنت دائما أفضل الميلونغا (رقصة شعبية /م) وهي متقدمة عن الطانغو، والذي له إيقاع أكثر حيوية. دائما أتحمس لما أسمع هذه الموسيقى، هذا الهراء السردي الذي ،قبل الحرب، كان ما يزال يطفو على أرصفة بوينوس آيريس، عند زوايا الحانات،إنها موسيقى مترعة برجال يتراقصون، موسيقى صانعي السكاكين، هؤلاء الرجال الذين ذوا الحرفة الوحيدة التي تتجسد فيها لديهم القيمة.

جون بول: عزيزي بورخيس، أراك متعبا وحزينا هل تريد إيقاف حديثنا؟
خورخي: في الواقع، نعم ،فكرة حسنة. علاوة على هذا ،لا أستطيع التعرف على وجهك إلا من خلال صوتك، و هذا يزعجني،. أما مع النساء فالأمر سهل: فصوتهن دائما متماه مع وجوههن، وأحيانا أستطيع حتى حدس جمالهن. ربما الميزة الوحيدة للعمى أنه يحتفظ لي بوجوه الأصدقاء، يحفظها من مرور الزمن: فالنساء اللائي تعرفت عليهن ذات مرة ومازلت ألتق بهن، لم يشخن.

جون بول: هل تريدون إضافة شيء آخر؟
خورخي: نعم، لنقل بأن بورخيس فرداني، وأنه يكره الفاشية، والشيوعية وعنف الأوغاد. لنقل بأن بورخيس يروق له أن يكون سويسريا، مواطن من هذه الدولة الخيالية، حيث لا أحد يعرف اسم الرئيس. ثم يعجبني أن أضيف، أيضا، بأن فرجيليو شاعر رائع.

 

 أجرى الحوارJean _Paul Enthoven ناقد وروائي عن مجلة Profilio عدد 20 نونبر 2021
المترجم (شاعر مترجم وباحث /المغرب)