
بقلم: باتريشيا هاناهو-دوش
ترجمة: ناصرة صلاح*
في العتمة، كان رجل جاثماً على رمل الشاطئ الخشن، رافعاً ثوبه خلفه يقضي حاجته. أشاحت جين بنظرها سريعاً. لم يكن في السماء سوى قمر رفيع كقلامة ظفر، وومضات بيضاء للموج المتكسر. خطوات قليلة واختفى الرجل، ذاب في الريح الرطبة المظلمة.
كانت أضواء مراكب الصيد تلوح في الأفق كشموع تتراقص فوق الماء. كانت تعلم أن الساحل السريلانكي بنخيله وفنادقه وصخوره ومراكبه المحطمة لا يزال هناك، لكنه مختبئ في تلك الساعة الفاصلة قبل الفجر. كانت تنتظر الصباح. خمسة أيام في الجزيرة ولم يعتد جسدها على فارق التوقيت بعد.
بدت المراكب أوضح وهي تعود نحو البحيرة وسوق السمك. والغربان تحوم فوقها كعادتها، تترقب أي شيء تخطفه.
انقشع الظلام رويداً، لكن الجو بقي على حاله. كأن موسم المطر هجر هذا الجنوب. قرأت ذات مرة أن تسونامي 2004 غيّر شكل الساحل حتى بدّل طقسه. في أمريكا بدا الأمر مجرد خبر، أما هنا فكل شيء رُمم حتى يصعب تخيل حجم الخراب. بل يصعب تخيل أن حرباً أهلية مرت بهذه القرية. أخبرها رجل في قطار كولومبو أن الجزيرة دفعت ثمناً غالياً لإنهاء الحرب، وما زالت تدفع. هي ليست صحفية، وما تسمعه مجرد كلام من الإنترنت.
عادت إلى غرفتها وأدارت غلاية الماء بجانب الهاتف. مروحة السقف تدور مترنحة كأنها ستسقط. فتحت باب الشرفة ليدخل هواء البحر، رغم خوفها من تسلل الغربان.
ارتشفت شاياً سيلانياً داكناً، اشترته قبل يومين من إحدى المزارع. جودته جيدة، لكن ليس من النوع الفاخر، فالفاخر غالٍ جداً حتى هنا.
كانت القرية تستيقظ: همسات بلغة أهلها في الفناء، وأصوات أبواق السيارات ودراجات خلف السور، وهدير عربات الأجرة الصغيرة في البعيد.
ثم فجأة، ثلاث طلقات نارية متتابعة، وصراخ، وصوت إطارات تهرب مسرعة.
اختنقت جين بما في حلقها. أطلت من الشرفة، فلم تر شيئاً. أنصتت، فلم تسمع سوى نباح كلاب لا يتوقف. أمسكت مفتاحها وانتعلت خفها ونزلت مسرعة إلى بهو الفندق لتسأل. كان البهو فارغاً. والشارع خارجاً فارغ أيضاً.
مشت بمحاذاة الدكاكين المغلقة تبحث عن شرطة أو إسعاف، فلم تجد أحداً.
عادت إلى الفندق فوجدت كل شيء يبدو طبيعياً بشكل غريب. وحين سألت موظف الاستقبال أشاح بوجهه وقال: “لا شيء، لا تقلقي، الفطور سيكون جاهزاً قريباً”. وكان صوت الصحون يأتي من المطعم كأن شيئاً لم يحدث.
عادت إلى غرفتها، كانت قد نسيت باب الشرفة مفتوحاً. فرّ غراب لحظة دخولها، وكيس البسكويت ممزق على الأرض لم يبق فيه إلا الفتات. لملمت الفوضى وهي تقول لنفسها إن الضرر كان يمكن أن يكون أسوأ.
في الفناء بدأ عامل ينظف المسبح. أعادت غلي الماء، لم تجد شيئاً آخر تفعله. وكان الصمت ثقيلاً وهشاً في آن واحد، لا يقطعه سوى هدير الموج على حافة الشاطئ.
** شاعرة وأكاديمية أمريكية معاصرة، تشغل منصب أستاذ مشارك في الأدب الإنجليزي بجامعة هاريسبورغ (HACC) في ولاية بنسلفانيا. تمتاز تجربتها الإبداعية بالترحال؛ حيث قضت سنوات طويلة في التدريس ببلدان مختلفة حول العالم، مما انعكس على نتاجها الذي يمزج بين تأمل الذاكرة واستلهام جغرافيا الأمكنة. من أبرز دواوينها الشعرية الصادرة عن دار (FutureCycle Press): ديوان “Fleeing Back” وديوان “The Wrack Line”. ولها مساهمات لافتة في القصة الومضة، تتقدمها قصتها الشهيرة “سيرينديب” (Serendip) التي تلتقط من خلالها اللحظات الإنسانية والنفسية العميقة في الفضاءات البينية للوجود.
*In Posse Review
©الترجمة خاصة بالمجلة الثقافية الجزائرية


