المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

شوبنهاور الجسد والمرأة والحب؟ كيف دمر شوبنهاور الحب النرجسي بالدعوى الكونية لإرادة الحياة؟

بقلم بصري محمد*

 

“من يتزوج مبكرا سيتسكع مع عانس طوال حياته، ومن يتزوج متأخرا سيصاب بالأمراض التناسلية ثم ينبت له قرنان” آرثير شوبنهاور

“بإمكاني احتمال فكرة أن الدود سيلتهم جسدي قريبا، ولكن فكرة أن أساتذة الفلسفة سينتقدون فلسفتي، تجعلني ارتعد” ” أرثير شوبنهاور

رغم ملامح وجهه القاسية والأرستقراطية فهو يبدو كبطريق مسيحي قادم من أبرشية لاهوتية قاسية، قد انبعث من القرون الوسطى والقهر الديني .كثير المناوشات مع المحاضرين والأساتذة الذين تعاقبوا تباعا على تدريسه الجامعي ،كعالم اللاهوت فريديريك شلاير ماخر وفيخته و جوزيف إرنست شولز .

آرثير شوبنهاور 1788/1860 الفيلسوف الألماني كان ميسور الحال وابن تاجر ثري جدا سجـّل نفسه كطالب في الطب بجامعة “غوتغجن”gottengen” لكن سرعان ما حول اختصاصه إلى الفلسفة في جامعة “يينا” jena” لينال شهادة دكتوراه بامتياز عال حول موضوع فلسفي مجرد جدا هو “حول الجذور الأربعة لمبدأ السبب الكافي” واعتبرت رسالته مرجعا هاما مثيرا في تاريخ الفلسفة. اختيار الفلسفة وأفضليتها في الثورة الكوسموبوليتيقية بضرورة تجديد العقل الغربي كضرورة جبرية تاريخية.فالغرب كان أحوج إلى الفلاسفة منه إلى الأطباء كما اعتقد ساخرا.

شوبنهاور الثائر على الجنس والإمتاع الأيروسي لم يكن إلا فحلا لم تسلم منه الخادمات ولا الطالبات ولا المومسات اللواتي امتهن حرفة البغاء علنا.وربما كان يطلق عليه دونجوان الفلسفة أهون من إسم فيلسوف التشاؤم. أحب ايطالية من فينيسيا “البندقية” تدعى “تيريزا” وحبلت منه إحدى خادماته وارتبط في السر “بكارولين” وهي سيدة مجتمع من برلين. والقائمة طويلة.كانت غزواته الجنسية وعربداته النسائية نابعة من ثقافته الآرية المحتقرة للمرأة التي يعتبرها الألمان آلة للإنجاب فقط وللإمتاع الرجل. قلت في مقال سابق أن الألمان لا تزعجهم العلاقات الجنسية المختلفة فهم أقل حدة في التعامل مع قوانين التحريم والمحارم. لكن ما الذي يجعل شوبنهاور يتبرم من المرأة ويرفضها نسقيا في فلسفته بل يمارس عليها الإبعاد والإقصاء كبنية من خطابه الفلسفي رغم أهمية فلسفته بالنسبة للحداثة؟

أحب شوبنهاور نجمة الأوبرا والمغنية الشابة كارولين ريختر جمعته معها علاقة غرام وواعدها على الطريقة النمساوية كان يرى في جسدها امتدادا للإرادة والحياة فالغناء الاوبرالي والرقص وفتنة الجسد الأنثوي هي مسكن مؤقت للمشاعر والشاعرية. الجسد له فلسفة خفية تتناغم مع نشاط العقل والجوارح. هناك توليفة ميتافيزيقية تتجاوز حقل التجسيم. بدأ باستبعاد الجسد كلية من فهم الإرادة فهو لا يردها إلى التجربة المحسوسة بل يعترف بترونستنداليتها، سحب شوبنهاور البساط من أسفل الجسد وكان إقصاءً ميتافيزيقيا، كون الأسئلة التي نطرحها في علاقاتنا مع أجسادنا ميتافيزيقية بحثة. يكون له سبق مفاهيمي ومعرفي في تفكيك العلاقة بين الأنا والجسد. النزعة المثالية الشوبنهاورية أعطت التحيل الفينومينولوجي حقلا زمنيا إضافيا لفهم هذه البنية المعقدة .الصورة التي نكونها عن أجسادنا. الألمان يميزون عادة  بين الجسد (Leib) والجسم*(korpers) وهو امتداد تاريخي لمنظومة مفاهيمية إغريقية ،مفهوم الجسم الإغريقي الأرسطي “جسم طبيعي يحمل الحياة”* فكما هو السكن المؤقت للكينونة هو فضاء للعفة والحرب على الخطيئة والترويض الديني كتأويل لاهوتي ومسيحي. 

الجسد مُخترقٌ انطولوجيا وموضوع للمراقبة الواعية هو حلقة بين ماهو مجرد كالإرادة الصورية كما يرومها كانط عمانويل والحاضنة الواقعية المادية لسيرورة أي الوعي الفردي في الوجود بالتعبير الهيغيلي .الإرادة كمفهوم قبلي صوري أو “الشيء في ذاته “يدخل في دائرة عالم النومين وتجليها الحساني التجريبي في المعيش حين تتحول إلى ظاهرة phénomène وهنا شوبنهاور متأثر بعدوه الأكاديمي المتبتل كانط عمانويل. الذي خاصمه نظريا وهاجمه عقديا إلى درجة تحقير وتسفيه تصوراته فهو ناقم على المنحى اللاهوتي الكانطي والمخارج الميتافيزيقية التي ورط فيها كانط الفلسفة والعقل الإنساني. 

الجسد يبدو تعبيرا بيولوجيا لا يخلو من التخمينات الميتافيزيقية فهو فضاء تجسيدي للوجود الانساني .تخترقه الروح وهو خاص بالكينونة الإنسانية التي تختلف عن الكيانات والموجودات الأخرى فهو خاص مرتبط بكينونة الإنسان خلاف الأجسام التي تميز كل الأنواع الأخرى. الإنسان جسد كما هو جسم. والفرق بين التجسيد والتجسيم اثمولوجي عميق يتداخل فيه الديني والمادي والميتافيزيقي واللاهوتي والاجتماعي.

شوبنهاور أرسطي في تأسيسه لمنطق أحكام العقل عندما يتحد بالإرادة كتصور سابق عن التجربة وهو كذلك كانطي وهو يرتب العلاقة بين الإرادة وأصلها الواعي وميتافيزيقيتها. لم يكن شوبنهاور عدميا فهو يراهن بكتلة شاعرية أساسها القلق من أجل أن تصنع الإرادة الحياة. خاطئون جدا من يتحيزون إلى اتهامه بالسوداوية المفرطة التي تفضي إلى عدميية عبثية..

بوالو القائل “لاشيء جميل غير حقيقي، والحقيقي وحده جذير بحبنا”1 مع نيتشه وشوبنهاور وجيوفاني بوكاشيو وآندري جيد المراوغ الذي قال “أيتها الأسرة إنني أكرهك” شكلوا حزاما صادما وجبهة ضد ما يسمى الحب النرجسي والعاطفي واستبدلوه بالفن أو الذائقة الفنية هي من تحرر البشر من ولعهم الغريزي وتبيد البشر حين ينتهي الانجاب.

ميتافيزيقا الحب في تصور شوبنهاور هي ارادة Wille Zum Leben لاواعية تقف وراء اندفاعة الإنسان لحب الحياة. هذا الحب يبدأ غامضا وميتافيزيقيا عميقا وينتهي ايروسيا غريزيا لحفظ بقاء البشر وعلة هذا الحب غير محسوسة لاواعية. الجنس يغتاله. الحب قناع تختفي وراءه غريزة الجنس وهو يختلف عن الارادة.

الحب مهلكة وكل الذين أحبوا غرقوا في الرذيلة والدونية فهو طاقة سالبة وتمرد سلبي يضع الر جل الشريف ويهوي به إلى الوضاعة والخسة، كما يتسلل للثروات فيفنيها ويُحول الرجال الشرفاء إلى خونة إنه فضاء الابتذال والنقائص فهو هادم للأسر ومدمر للعلاقات والصداقات. يقدمه شوبنهاور بسوداوية العلاقات اللامنسجمة وغير المتكافئة التي ندعوها حبا وهياما مغشوشا بتمثيلية ومسرحية “كالديرون دي لاباركا” الاسباني الذي صوّر سميراميس الملكة الاسطورية الآشورية في مسرحية “بنت لريح حيث قدمها على أنها مرة اغتصاب تلاه قتل الزوج3. 

شوبنهاور لم يكن غامضا أو وغدا وقحا بل ميتافيزيقيا عميقا. أثار حفيظة الأكاديميين وكرهوه كما كرهته امه وكرهها كره العالم وكرهه الجميع تشاءَم إلى درجة اللعنة باع 400 نسخة من كتابه العالم ارادة وتمثل Die Welt als Wille und Vorstellung لم يكن ناجحا في صداقاته حتى أفكاره تنكرت له عدا كلبه الحارس الوفي [آتما atma] والذي كان يناديه بشوبي الصغير (تصغير لشوبنهاور) وصفته أمه بالتافه الصلف المغرور.من فهمه هو نيتشه.

شوبنهاور لم يكن ضد المرأة بالمعنى الذكوري والتقليدي أو الجندري بل كا يرفض ان تتحول الإرادة إلى أنثى تحب الخضوع باسم النرجسية والحب والجنس.

محمد بصري باحث من الجزائر

الهوامـــــش

المرجع: آرثر شوبنهاور “نقد الفلسفة الكانطية” تعريب وترجمة حميد لشهب

*أنظر مجلة لوغوس مقال تشريح وحفريات في مفهوم الجسد مجلة مخبر الفينومنولوجيا وتطبيقاتها ساعة التصفح 18.00 يوم 28/08/2023

*أنظر الباحثة ويزة غلاز مفهوم الجسد عند هايدغر مجلة الاستغراب تاريخ البحث نوفمبر 2016 التصفح 21و33 يوم 28/08/2023.

2-آرثر شوبنهاور ميتافيزيقا الحب ترجمة جلال عبد العاطي الرافدين ط 1 صفحة 23

نفس المرجع ث35

*باحث من الجزائر