في سيميائيّة الكذب والسّرقة: السّجع من سُلطة صدق إيقاع الكلمة وأمانتها إلى سلطة كذب الكلمة وسرقتها (10)
محمّد خريّف*
السّجع باعْتباره مُعادلة صوتيّة أثيريّة مُندرجة في منظومة”النظم الأدبيّ الفنّي” التي هي من منظومة”الشعر الموزون المقفى”وكلاهما خارج عن منظومة “نثر الكتابة” لأنهما حسب جينات ولأسباب”مْنَيْمُو تقنيّة” أي فنية تذكّرية وفي ظروف خطابيّة واقعة في حكم الشفويّ صار الجناس والسّجع ضروريين للتواصل باعتبارهما قوّتي تأثير إيقاعيّ لهما من الوجاهة السّيميائيّة ما يجعلهما فاعليْن في عمليّة التبليغ ومن لوازمها لفت انتباه السامع وشد حواسه بالكامل إلى المتكلم بهدف الإقناع و الاقتناع بفكرة أو عقيدة أو مذهب بهدف إلى تبليغه وترسيخه في النفوس عن طريق السمع وآليات التلفّظ “والله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم”لذلك كانت السّيميا في مفهومها التقليديّ تهدف إلى إحداث إيقاع الوسم الصوتيّ الفاعل بأسراره في الذهن والجسد ومنه “الاسم”والوزن والقافية والسجع والغاية المثلى تغيير ما بالنفس بالفكرة وسيلة وهدفا ورأس الوسم الصوتيّ الشفويّ “الكلمة”وما تقتضيه من تسليم بقدسيتها وصواب خبرها بعيدا عن خطاب السّيميائيّة الحديث الذي يعتبر الكلمة علامة الشّيْء لا الشّيْء و هي شارة فيزيائيّة سمعيّة بصريّة إنسانيّة وليست حرفا ربّانيا منزّلا له سرّه الميتافيزيقيّ الخاصّ به لا يدرك كنهه إلاّ المصطفى من أهل الكهنوت والسّحرة والمشعوذين ومن عاداهم من الأنبياء والرّسل وسائر الأولياء الصالحين وهي بذلك لم تعد رهينة وهم توقيف يجعل منها قرينة تقديس أو تدنيس يستمدّ منه الخطاب الوعظيّ السّاري تأثير عدواه في سائر خطابات النصوص الدائرة في فلكه، و إن كانت نصوصا تبدو مناوئة له أو مُناهضة وجلها من نصوص ترويج المذهب أو الأيدولوجيا عبر قنوات خطابات الديّن و الفنّ والأدب والفلسفة. فهذا الخطاب و إن كان يتكئ في الغالب على الكلمة ليُضفيَ على خطابه الآن هنا مصداقيّة ولو بالتصرّف في تركيب الكلمة نحوا وصرفا وبلاغة إيقاع يحصل بها تنغيم طرب يستهوي السّامع فتلين شوكته ليدخل في دين لافظها سائرا بمهجته في وجهتها مناصرا متبنيا لها ولمبادئها بمفعول إيقاع اللفظ منتظما بمعادلة السّجع فاعلا في المتلقيّ فعل الشّكل و نسق الكلمة والكلمة في غفلة عن المعنى والمعادلة تختزل بما قلّ ولا دلّ لتشدّ الانتباه وتغيّر الوِجهة وجهة المتقبل بوجهة الباثّ فيكذب عليه ويسرق اهتمامه بطرب إيقاع السّجع طُعم الوُقوع في مصيدة الخطيب والصيد هنا الآن شباكه لغويّة علاماتيّة لها من تصاريف كيْدها وخداعها مسامير لفظ ونحو وصرف وبلاغة تعلو مقاماتها قصبة نفخ في مزمار السّرد سجع حمام يحاكيه الإنسان ويتمثله تمثل اللاغي بنونة( دُم تاك تاك) تشبه في إيقاعها الدائري إيقاع الدّربوكة التونسية والسجع بهذا المعنى يكذب ليصدق يعاضده في ذلك من الألفاظ وسائر حيل سرد الحكاية الشفوية ومنها “الاسم”سيد الخديعة وإمامها في فلسفة الاختلاف بعد أن كان قرينة الصدق ومدخل الفتح المبين في فقه الكلمة حيث الاسم من السموّ والتعالي به يُفتتح الكلام وهو قرين بركة وخير وان كان للاسم ما للسجع من وجاهة سيميائيّة مايجعله جديرا بالعناية والتوقف في مايلي من دراسة سيميائيّة الكذب والسرقة فإننا نولي الاهتمام في مرحلة أولى بالسجع لما له من وجاهة التأثر والتأثير في سامع يحتاج إلى من يقرأ له في ثقافة الشفوي قبل مجيئ ثقافة الكتابي كما يذهب إليه جينات.
في السجع وتداولاته
السّجع صيغة من صِيَغ الخطاب النثريّ العام يتعاضد مع صيغ ألحكي و خدع حبكته ليصنع قوّة إيهام بصدق الخطاب ومصداقيّة أمانته في تبليغ الفكرة والإقناع بوجاهتها، ورأس ماله معادلة كلاميّة تستلهم من المعادلة الرياضية في اقتضابها وتكافؤ الإيقاع الصوتي الدائري لطرفيها أو شطريْها والسجع باعتباره معادلة إيقاع المغنى دون المعنى يقوده اللفظ ويفرضه بسلطة الإيقاع فيسلبه من معناه وهو رديف الجناس في كلام الشعر الموزون المقفى عند العرب يستلهم بالمحاكاة الصوتيّة الشفويّة من إيقاع سجع الحمام يستمد قوّته في التأثير بالشجن وقوته من قوّة فيزياء الصوت الطبيعيّ صوت الطير غير المتمفصل تمفصل مخارج الحروف في جهاز التصويت عند الإنسان دون الحيوان والسجع رنة متماثلة مع رنة أخرى تعادلها يمتلكها الإنسان بعدوى البيوسيمياء ما يكسبها سلاحا علاماتيّا به تكون لها ملكة التأثير في خطاب يتلقاه جمهور يسمعه فيشد له اهتمامه بما له من طرافة صرف اللفظ باللفظ وبلفظ اللفظ المماثل تكون المفارقة الحينيّة لجلب الانتباه وامتلاك فضائه الآن هنا،بما يسهل به حفظ الذاكرة لا بنثر اللفظ بل بنظمه والنظم بهيكلة اللفظ على وزن إيقاعه والهيكلة سبيل التناغم والتنافر و بالتنافر يحدث معنى للفظ من عدمه قد ينساق له طبع المتلقي فيغفل عن معناه المفقود بلفظه الاعتباطيّ فيسطو اللفظ ليصير له قوة تأثير تكذب على ذلك المتلقي ليصدّقها في غفلة وعيه البدائيّ الفردي عن كونه مسلوبا بمعادلة اللفظ واللفظ المتكافئ صوتيا معه وأيقونتها السجع و السجع إن كان وجها من وجوه البلاغة العربيّة وأسلوبا من أساليبها فكان عيار فصاحة وإفحام بالحجة والحجة المضادّة وهو من وجوه فصاحة الإعجاز المُقْنِع بصدق خطاب السجع خطاب أسرار الكهنة ومنه أسرار النبوّة وهو الفاعل في ألأذن طريق الكلمة إلى النفوس على امتداد قرون ظلت فيها دار لقمان حالها محافظة حفاظ الجمع والمنع على إيقاع بلاغة السجع في غياب قطيعة تحوّلات علوم اللسان الحديث ومنها قطيعة علم السيمياء الحديث بتأثير الفلسفة السّلبانية وبذرتها فلسفة الاختلاف التي جعلت من السّجع إيقاع طبل فارغ أو إيقاع نوتة موسيقية أي شارة كذب وسرقة لا قرينة شهادة على الصدق وإعطاء لقيصر ما لقيصر، والسجع وان كان أيضا خاصة من خواص الطبيعة يجسدها الإيقاع الفطري للكائنات الحيّة وعلى رأسها الطير والإنسان فإنّ تواتر ذكره المدونّة العربية الإسلامية عامة وفي ما يعرف بمدوّنة بسجع الكهان السابقة أو المعاصرة لمدوّنة سجع القرءان على وجه الخصوص وهو ما يحفزنا على تحسّس الظاهرة السّيميائيةّ الفاعلة بالسّجع في قيام حضارات وقعود أخرى ومن الحضارات ثقافات ومن الثقافات المعتقدات بمختلف مظاهرها سواء أكانت وثنيّة أم سماويّة أو حتى سياسية ومن الوثنية والسماوية ما يركن إلى السجع ومنه سجع الكهان وسجع القرءان وما كان لهما من صراعات القول التي قد تتحول إلى صراعات فعل كما هو الأمر للسجع السياسي أيقونات الدعاية في العصر الحديث وقرينته أو أيقونته “آي لايك آيك” وهي أيقونة شهيرة شبيهة بأيقونة السجع عند العرب في تأثيرها على نتائج الفوز في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأميركية مع إيزنهاور(1),” وان كان لكل زمان ومكان شعاره المماثل للسجع في التأثير على جمهوره بالكذب عليه وسرقته بالمفهوم السيميائي للكذب والسرقة لا الفقهي الأخلاقيّ، ومن السجع ما ينسب إلى الكهان ومنه قول سلمى بن أبي حيّة«والأرض والسماء، والعقاب والعنقاء، واقعة ببقعاء، لقد نفّر المجد بني العُشَراء للمجد والسناء» وهو كلام يماثل في إيقاعه ما يُعرف ب”الفواصل” في القرءان وهو مُصْطلح يستعيض به الفقهاء عن السجع المنبوذ لا المحمود خشية الخلط بين سجع الكهان وقائله إنسان وسجع القرءان وقائله الله اسما مجرّدا يشترك مع الإنسان في إيقاع القول على غرار قوله تعالى” وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ ضَبْحًا فَٱلْمُورِيَـٰتِ قَدْحًا فَٱلْمُغِيرَٰتِ صُبْحًا فَأَثَرْنَ بِهِۦ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِۦ جَمْعًا إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُۥ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُۥ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌۢ “وتعالى يقوم مقام الله بعد الحمدلة والبسملة وهو من أسمائه التي توكّد الإيمان بصدق وجوده في منطق فقه الكلمة وتشكك فيه أو تسلبه فتنفيه من الوجود الماديّ في منطق فلسفة العلامة ، وللبحث في سيميائيّة الكذب والسرقة ما يبرّر المرور من سجع الكهّان إلى سجع القرءان.
(1 Dwight Eisenhower: I Like Ike (1953 – 1961)
*ناقد من تونس





